«سبتمبر وأكتوبر».. ثورة الآباء والأجداد ونافذة الأحفاد لاستشراف المستقبل

سبتمبر نت/ محمد التميمي
في معركة مصيرية فارقة، يرسم اليمنيون اليوم تاريخهم ومستقبل أجيالهم في مواجهة عودة الاستبداد الإمامي الكهنوتي الذي تخلصوا منه في ثورة 26 سبتمبر من العام 1962م، ورسخوا أفكاره بتجسيد واحدية الثورة والمصير باندلاع ثورة 14 أكتوبر من العام 1963م، في جنوب الوطن، ضد المستعمر البريطاني.
لقد وضع مناضلو الثورة الأحرار منذ انطلاقة شرارة ثورة سبتمبر وأكتوبر، وما قدموه من تضحيات سخية بالأرواح الطاهرة والدماء الزكية فداءً للوطن، وضعوا «اللبنة الأولى» التي مهّدت الطريق أمام التحرر من الإمامة في الشمال والاستعمار البريطاني في الجنوب، وصولًا إلى الـ 30 من نوفمبر في العام 1967م، ومن بعدها تحقيق الوحدة، ويقفون جدارًا حاميًا أمام أي محاولة لإعادة التاريخ إلى الوراء.
يرى الكاتب والباحث السياسي الإعلامي عبدالله إسماعيل، بأن الثورة اليمنية المباركة وأهدافها الراسخة في نفوس كل يمني، تقف كالبناء الراسخ أمام تلك المحاولات الهشة ذات الأفكار والأهداف المفضوحة التي تخدم الخارج على حساب اليمنيين أنفسهم، قائلاً: «مهما بلغت قوة العدو، وقسوته وعنفوانه، فإن إرادة المناضلين القوية، وعزيمتهم المتوثبة، قادرتان على إسقاط قوة الأعداء مهما كانت، وهذا ما صنعه ثوار 14 أكتوبر عام 1963م، بعد ثورة 26 سبتمبر، وسيفعلونه اليوم ضد الكيان السلالي والامامين الجدد».
يواصل أبناء وأحفاد ثوار سبتمبر وأكتوبر السير بخطى ثورية ثابتة على نهج أجدادهم المناضلين والثوار، حاملين على عاتقهم مسؤولية حماية ثورة الـ 26 من سبتمبر عام 1962م، التي نجحت في الخلاص والانعتاق من النظام الإمامي الكهنوتي، وثورة الـ14 من أكتوبر التي قادت للتحرير والاستقلال من الاستعمار البريطاني، والتصدي لكل ما تواجههما تلك الثورتين من تحديات عقب انقلاب مليشيا الحوثي الإرهابية المدعومة إيرانيًا في العام 2014م، من خلال إحياء مبادئ الثورة والاحتفاء بها دون خوف في جميع مناطق اليمن شمالًا وجنوبًا.
وتكمن أهمية ثورة أكتوبر المجيدة وفقًا للكاتب السياسي فخري العرشي، في التلاحم الوطني وصناعة التغيير واستشعار ذلك في استشراف المستقبل.
وقال العرشي في حسابه على منصة إكس: «العيد الــ 60 لثورة 14 أكتوبر الخالدة، ذكرى ثورة عظيمة التحم فيها أحرار اليمن من المدن والأرياف اليمنية كافة آنذاك، صنعوا التغيير وحققوا النصر الثوري الكبير».. مضيفًا: «ما بين سبتمبر وأكتوبر كان اليمن هو الحاضر في مُخيلة الثوار وهو الذي يجب أن يكون اليمنيون عليه اليوم في تطهير صنعاء من براثن الفساد والقمع الحوثي الامامي الكهنوتي الذي عمل على أعادة استنساخ حكم اجداده في أبشع صورة واعاد جزءا من اليمن إلى ما قبل عصور التجهيل و التجويع وسحق الحريات الشخصية والعامة».
ونوه العرشي إلى أن ذكرى أكتوبر تعد تذكيرا لأهمية التحرر من مليشيا الحوثي الايرانية المحتلة التي لن تترك لليمنيين مجالًا لإعادة بناء ما دمرته الحرب الحوثية من سبتمبر 2014 حتى اليوم ولن تترك فرصة للشعب أن يحلم أو يفكر في مستقبل آمن، وخالي من الجبايات و البطش والإرهاب.
أيقونة النصر والحرية
لا شك أن ثورة أكتوبر التحررية كانت ومازالت بالنسبة للمناضلين والثوار الأوائل، ومن بعدهم أبناؤهم وأحفادهم، أيقونة النصر والبطولة التي يتسلحون من خلالها بالإرادة والعزيمة الصلبة التي تحطمت أمامها أطماع النظام الإيراني وأدواته في المنطقة -مليشيا الحوثي الانقلابية- الطامحة وسط السراب لتنفيذ مشروعها التوسعي في اليمن والجزيرة العربية والخليج وابتلاع اليمن، دون مراعاة للعواقب المدمرة لمغامراتها ورهاناتها الخاسرة على مستقبل اليمن واليمنيين، كل ذلك كله سبيل تنفيذ أوامر وإملاءات إيران وأجندتها في اليمن والمنطقة.
لم تكن ثورة أكتوبر مجرد ذكرى عابرة أو حدث عارض، بل رمز لشموخ وكبرياء وتحرر اليمنيين، ومحطة تاريخية ووطنية هامة ينبغي التوقف عندها كل عام لاستلهام العِبر والدروس البليغة في التضحية والفداء من أجل الوطن وسيادته، ولا تقتصر تلك الدروس على البطولات التي سطرها الثوار الأحرار وإنما تمتد إلى التلاحم والاصطفاف الوطني والتفاف جماهير الشعب اليمني في جنوب الوطن وشماله من أجل تحقيق أهداف الثورة اليمنية المباركة التي يحاول ويحلم «الإماميون الجدد» الانقلاب عليها وإعادة عجلة الزمن مرة أخرى إلى الوراء والعودة بالوطن إلى عصور الظلم والجهل والعبودية والحكم الكهنوتي.
عظمة الثورة
وتتجسّد عظمة ومكانة الثورة التحررية الأكتوبرية في أفئدة جميع أبناء الوطن في الاحتفاء كل عام بذكرى ثورة الـ 14 من أكتوبر المجيدة، وخصوصاً في السنوات الأخيرة منذ الانقلاب الحوثي، وينعكس ذلك جلياً من خلال الإصرار على الاحتفال بثورة أكتوبر، رغم التعقيدات الراهنة المترتبة على انقلاب الحوثيين وآثاره السلبية على شتى مجالات وقطاعات الحياة الخدمية والمعيشية والاقتصادية، وما آل إليه الانقلاب الحوثي من مضاعفة المعاناة الإنسانية بين أوساط فئات وشرائح المجتمع، وتسببه في تدمير ما كان قائماً من مقومات الدولة ومقدرات الحياة الأساسية.
وهنا يؤكد عزالدين الأصبحي سفير اليمن في المغرب، أن «ثورة 14 أكتوبر ١٩٦٣ لم تكن مجرد حدثاً وطنياً عابراً، بل محطة تاريخية مهمة أحدثت التغيير الأهم في اليمن والمنطقة. حيث قامت الثورة ضد احتلال دام لـ 128 عاماً، وقادت مسيرة تغيير كُللت بالاستقلال المجيد في ٣٠ نوفمبر ١٩٦٧، وترك ذلك النصر أثره الايجابي على عموم اليمن والمنطقة كلها».
يستشعر اليمنيون عظمة آبائهم وأجدادهم عند الاحتفال بذكرى ثورة 14 اكتوبر الـ60، وقبلها ذكرى ثورة 26 سبتمبر الـ 61، فيستدركون أهمية الحفاظ على النضال الوطني في سبيل الحرية والديمقراطية، والمتمثل في تضحيات آباءهم وأجدادهم والمبادئ التي ناضلوا من أجلها.
ارتباط مصيري
لقد شَكَّل الارتباط الوثيق بين الثورتين «سبتمبر وأكتوبر»، شعورًا وحدويًا لدى جميع اليمنيين، وحثّهم على مواصلة النضال ضد مليشيا الحوثي؛ للحفاظ على منجزات الثورة واستمرار بناء اليمن الواحد، كما تجسّد ذلك الارتباط بين الثورتين اللتين خاضها الآباء والأجداد في منتصف القرن الماضي.
لقد فجّرت ثورة 26 سبتمبر 1962م الوعي السياسي والوطني والثوري عند الجماهير في جنوب الوطن، وكان النظام الجمهوري في صنعاء هو الخلفية التي استند إليها الكفاح المسلح في الجنوب في نضاله ضد الاستعمار البريطاني، لتنشأ كيانات وطنية وتحررية مجسدة بالحركة الوطنية في جنوب الوطن التي قامت بثورة أكتوبر على أساس الكفاح المسلح، فانطلقت منها شرارة ثورة 14 أكتوبر.
وإذا كانت ثورة 26 سبتمبر فجرت الوعي في أذهان الثوار من أبناء الجنوب، ومساندة الثوار في الشمال لإخوانهم في الجنوب، فإن ذلك لا يعني أهمية مشاركة ثوار الجنوب في الدفاع عن ثورة سبتمبر في الشمال، فقد كانت مدينة عدن ملجأ للثوار من الشمال الذين فروا إليها خوفا من بطش الإمام، ومارسوا من هناك النضال السلمي ضد الإمامة، وقاموا بإشهار حزب الأحرار في أواخر يونيو 1944م، وأصدروا الصحف والنشرات التي قضت مضاجع الإمام، ومثلما ساندت ثورة 26 سبتمبر مثيلتها ثورة 14 أكتوبر في الجنوب، فإن عدن كانت ملجأ للمعارضين للإمام في الشمال، كما أن الثوار الذين أشعلوا ثورة 14 أكتوبر في الجنوب سبق لهم أن شاركوا في الدفاع عن ثورة 26 سبتمبر.
أهمية ثورة أكتوبر
ينبغي على الجميع اليوم استحضار الأهمية الاستراتيجية التي حققتها ثورة 14 اكتوبر في جنوب الوطن، خدمة للتاريخ والأجيال، تلك الثورة التي فجّرت أعتى زلزال في وجه الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، بعد إشراقة فجر ثورة الـ 26من سبتمبر عام 1962م، الثورة الأم لثورة 14 أكتوبر العظيمة التي تعد أهم حدث في تاريخ اليمن.
واليوم يسطر أبناء اليمن ملاحم النضال الوطني الذي يُعدُ إمتدادًا لثورتيّ سبتمبر وأكتوبر، ضد الإمامة الجديدة ممثلةً بمليشيا الحوثي الإرهابية ذات الفكر الإيراني، دفاعًا عن مبادئ الثورة اليمنية التي تحاول تلك الجماعة الإرهابية القادمة من كهوف التاريخ، طمسها بتمويل ودعم خارجي يستهدف الهوية اليمنية والعربية بشكل عام.
استعمار الماضي واستبداد الحاضر
لا فرق بين ممارسات الاستعمار البريطاني لجنوب الوطن، وممارسات مليشيا الحوثي حاليًا في شمال الوطن، فقد مارَس الاستعمار ضد أبناء الجنوب اليمني طيلة فترة احتلاله سياسة التجهيل والتجويع والإذلال، مستخدمًا كل ما لديه من خبرات ودهاء في تمزيق جنوب اليمن إلى سلطنات وإمارات ومشيخات، في ظل غياب المنافع والخدمات العامة للمواطنين، فلا طرق ولا مستشفيات ولا مؤسسات ولا مدارس، سوى بعض الإدارات التابعة للمستعمر لخدمته ولخدمة الجاليات الأجنبية الأخرى حينذاك، فضلاً عن إقامة الفواصل والحدود بين المناطق وتعميق النعرات بين أوساط السكان، وبخاصة القبائل منهم، مستخدماً أسلوب (فرّق تسد) حتى يتمكن من السيطرة ونهب الثروات.
ومليشيات الحوثي تمارس شتى أنواع الانتهاكات والبطش والقتل والتنكيل والتدمير والمصادرة للأراضي ونهب الأموال وكل ما هو ثمين، فضلًا عن وضع الحواجز وإغلاق الطرق وفرض الحصار على مناطق، وتدمير أخرى حاولت الوقوف في وجه بطشه الدموي، فلا اختلاف في النهج والاسلوب حيث ان الضحية الأول والاخير هو الشعب اليمني في الماضي والحاضر.
تعبير ثوري
إن الاحتفال بذكرى الثورة من كل عام هو أبسط تعبير نستذكر فيه المعاني النبيلة والعظيمة لهذه الثورة التي ينبغي أن تُخلّد وتبقى حية في نفوس وعقول الأجيال اليمنية؛ لتستمد منها الشعور بالزهو والعظمة كونها ترجمة فعلية لإرادة الشعب في الحرية والاستقلال استناداً إلى ما حققته من إنجازات ومكاسب أعادت للإنسان اليمني كرامته وعزته.