“كلود فايان” طبيبة فرنسية تنقل للعالم مآسي كهنة الشرق.. هكذا كانت إمامة الأمس وهذه هي إمامة اليوم (الحلقة الرابعة)

سبتمبر نت/ قـــراءة وتحليل – منــصـــور أحمـد
الدكتورة والعالمة الفرنسية في السلالات البشرية، من فظاعة المشاهد المزرية التي قابلتها في اليمن، والشعب الطيب الذي تستعبده امامة متحجرة ومتخلفة لا تزال تعيش في القرون الوسطى، فقد قالت كلودي فايان: أنا الملحدة الماركسية آمنتُ بالله في اليمن.. دونت تلك المشاهد في كتابها (كنت طبيبة في اليمن)، والذي نستعرضه هنا في صحيفة”26سبتمبر”تزامنا مع احتفالات شعبنا اليمني بالعيد ال61لثورة 26سبتمبر المجيدة..
الكتاب (كنت طبيبة في اليمن)، الذي تم عرض منه حلقتين في العددين السابقين، نواصل في هذه الحلقة تناول وصول الطبيبة الفرنسية الى عدن، وما الذي عملته ومن التقت في عدن، ثم بعد ذلك نتناول ما دونتها في كتابه من مشاهد في طريقها الى تعز حيث مقر اقامة كاهن الشرق، الامام احمد، وما شاهدته في تعز، وفي قصر الامام.. إلخ، نواصل الحلقة الرابعة:
الدودج وقعت!
وعن وصفها للطريق والسيارة التي تستقلها، قالت: إننا لم نكد نمضي دقائق قليلة في طريقنا حتى وقعت سيارتنا على إحدى عجلاتها الخلفية محدثة انينا محزنا. وأخذ السائق ومساعده في اصلاح العطب بهمة ونشاط، وما هي إلا برهة حتى وصلت السيارة «الدودج» الجميلة ذات الالوان المتعددة وتخطتنا ثم وقفت، فمن فيها لا يريدون أن يفوتهم التفرج على منظرنا الذي لا يتكرر كثيرا في طرق اليمن، وجاء الليل وتعذر على السيارة «الدودج» مواصلة السفر في الظلام فمصابيحها معطلة.. وقد نزل منها خمسة عشر رجلا لإعداد الشاي وأماكنهم التي سيقضون فيها الليل، ولم يدم الغروب كثيرا في هذه المنطقة الاستوائية.
فحل الظلام وقال لنا السائقون إنهم قد عجزوا عن اصلاح العطب. كم كنت أتوق إلى قضاء الليل في الخلاء، إذا لم يكن ذلك لأعرض على رفاقي فراشي الذي ينتفخ بالهواء، فعلى الاقل حتى أكمل المرحلة الاخيرة عند شروق الشمس، فلم يعد بيننا وبين تعز سوى اثنى عشر كٌيلو مترا.. ولكن رفيقي أصم اذنيه وكانت صفته الرسمية كافية لأن تقوم بنا سيارة النقل رغم أن مصابيحها معطلة، ورغم أن في هذا مخالفة لأوامر الحكومة.
لم نكن نرى الطريق إلا بمشقة وعسر، وقد كانت تزداد ضيقا ووعورة وتعرضا للخطر فالانحدار أصبح شديدا، لقد كانت الطريق كثيرة المنحنيات والهاويات في جانب والجبل في جانب آخر، وكانت سيارتنا تقوم بمناورات عديدة حتى تسير في هذا الطريق الضيق الملتوي بدون مصابيح وبدون «صدام» وقد أدركت مهمة معاون السائق.. ففي كل مرة تتوقف فيها السيارة يقفز منها ستة أو سبعة رجال إلى الارض حالا ويأخذون أحجارا يسندون بها عجلات السيارة حتى يمكن أن تدور، وما أن نجتاز هذه العقبة الكؤود حتى يتعلقوا بها.. ويظلون هكذا على استعداد للقفز عند أول إشارة. كان السائق اليمني يقود سيارته بهدوء وحكمة ومهارة مرموقة، وكان يدعو الله القدير ولكن بلهجة تختلف اختلافا تاما عن لهجة السائق الباريسي الذي يقع في ظروف مشابهة، ومع ذلك ورغم العناية الالهية فقد تعطلت بنا السيارة مرة أخرى وكان العطب هذه المرة في الكربوراتور «جهاز خلط الهواء والبنزين»، وكان وضعنا مزعجا، فقد نقضي الليل مخيمين في طريق ضيقة في جوف وادي تهب عليه الرياح الباردة، ولكن لحسن الحظ أنقذ الموقف مصباحي الكهربائي فقد استفدنا به في اصلاح الخلل ومواصلة السفر بعد ساعة.
وصلنا تعز ولم نصلها!
وتتابع الطبيبة والباحثة في السلالات، حديثها عن الطريق وسيارة الامام-الكهنوت- التي تقل على متنها العشرات من الرجال، والدكتورة الوحيدة بينهم من الجنس اللطيف، لكنها لم تعد لطيفة من وعورة الطريق ومشقة السفر التي حولتها الى ابا لجميع من تنقلهم شاحنة المواشي..
وعن ذلك تقول: “قضينا خمس ساعات في قطع هذه الكيلومترات الاخيرة، ووصلنا إلى ضواحي تعز ووقفنا اولا عند نقطة الحرس التي تتحكم في طريق «صالة» والقصر الملكي المنعزل في الجبل بعيدا عن المدينة، ثم وقفنا للمرة الثانية بالقرب من المدينة، وكانت تنتظرنا هذه المرة مفاجأة مزعجة، فقد كان المرور في هذه النقطة ممنوعا في أثناء الليل. لقد كان المرور ممكنا لو كنا في سيارتنا الصغيرة أما ونحن في عربة نقل البضائع فلا يمكن دخول المدينة قبل الفراغ من إجراءات الضرائب ودفعها، ولكن أحدا لا يوجد في الليل للتحصيل، فلابد إذن من الانتظار حتى الصباح”.
وتضيف: كان هذا كثيرا على رفيقي-الفلسطيني صحفي الامام- هذه المرة فلم يحتمل، ولابد أن الصبر اليمني قد ضاع منه بعد رحلته الطويلة في الخارج، فكان يطالب المسؤولين بإلحاح أن يرسلوا لنا سيارة صغيرة تنقلنا إلى دار الضيافة التي تبعد عن المدينة مسافة كٌيلو مترين.
وتواصل الطبية الفرنسية الدكتورة كلودي فايان، وصفها لمشهد وصولها تعز وكيف استقبلت من عكفة الامام بنظرات الريبة، وتحرك حولها مخبري الامام كما تتحرك الدببة حول فريستها.. يا له من منظر مقزز.
إذ تقول: بعد انتظار ساعتين كاملتين قالوا إنهم لم يجدوا سيارة جاهزة وانهم استثناء يسمحون لسيارة النقل أن توصلنا إلى دار الضيافة، مؤكدة انها.. أمضيت هاتين الساعتين في مركز الجمرك البارد المظلم القذر”.
ووصفت ذاك المكان القذر- حد قولها- وعساكر او عكفة الامام المتواجدين، والتف منهم 15 جنديا حول موقد يتدفون ويتفرسون فينا. أما هي فقد كانت تنظر إلى باقة من الزهور في إناء قديم موضوع على الطاولة حين نهض واحد من الجنود فجأة. كان اسمر اللون، وكان اللون الازرق يغطي جفونه وجزءا من وجهه وكان صدره مغطى بطلقات الرصاص، والخناجر تتدلى من حزامه.. “نهض ووضع ثلاثة أعواد بخور وقربها من انفي دون أن ينبس بكلمة، جندي مخيف وأعواد بخور، لقد كان هذا كافيا لينسيني تعب السفر.
الزامل الملكي
وكنت ما أزال أفكر في هذا بصورة غامضة وأنا مستلقية على سريري بعد ساعتين حين سمعت اغنية ذات جمال غريب اختلطت بأول اغفاءة.. إن دار الضيافة تقع بجوار مقر الحكومة وفي هذا القصر نحو عشرين عسكريا ينشدون الزامل، النشيد الحربي الخاص بالعائلة الملكٌية، وهي أصوات عجيبة تخرج من الحلق عالية جدا شبيهة بأصوات الاطفال ويتقنها الجنود بطول المران. إن كلمات هذا الغناء الرتيب غير واضحة، ولكن المعنى بصفة عامة كما شرحوه فيما بعد «:نحن عساكر الحكومة أقوى من كل الفلاحين وأشد منهم بؤسا.».
وهذا بلا شك مجرد ترجمة ساذجة من جندي بسيط، والزامل قديم وأصله غير معروف وهو كما يبدو شبيهة بأناشيد الحرب المغولية، ولم يفسر أحد سر هذا التشابه العجيب.
بهذا الزامل كان العساكر في تعز. يبدون اخلاصهم للملك بعد الصلاة التي تسبق شروق الشمس يفعلوا هذا النشيد في المدينة الصغيرة النائمة ويكون كئيبا ومرعبا في الظلام.
كنت أشعر بالأسف والندم إذا لم أصح لسماعه في الصباح، فلكي يفهم المرء بلدا لابد من التوغل في الوسط وجمع التفاصيل التي يستخلص منها الملامح العامة.
وكثيرا ما يشعر الانسان أنه لا يزال في السطح، ولكنه في لحظات نادرة، يجد نفسه فجأة وقد توصل إلى الاعماق، وقد اتضح له كل شيء. وكان الزامل الليلي للحرس الملكي واحدا من هذه الاشياء.
كل شيء جميل في صباح اليمن وتعز.. إلا الإمامة!
وهي تتحدث عن صحوتها في اول صباح لها في تعز وبالقرب من مقر اقامة كهنوت الشرق، تروي عن صباح اليمن وتقول عنه بأنه مشرق على الدوام، وانها” طوال عام ونصف لم يكن لي أن أشهد إلا صباحا رماديا واحدا.. ولكن السماء الزرقاء مرقطة دائما بسحب بيضاء تنفذ منها أضواء متنوعة.. وتعز فتنة ونعيم بعد جحيم عدن”، مشيرة الى أجواء مدينة تعز وبيوتها ومساجدها، وشقشقت العصافير وتختاخ النسيم.
في دار الضيافة
وفي صباح اول يوم لها في دار الضيافة بتعز، دخل عليها “لطف” بعمته وعينيه السوداويتين الواسعتين وخنجره وقد وضع عقب السيجارة في جانب فمه، ظل واقفا إلى طرف السرير مصرا على أن يعلمني أن أتلفظ: «صباح الخير» ولم يتركني إلا وقد نطقت حرف الخاء بطريقة مرضية.. كان لطف هو الذي يقدم لي فطوري.
الساعة والتاريخ في اليمن.. عجيبة!
وتابعت قائلة: ذهبت في الساعة التاسعة أقدم نفسي إلى كبير الاطباء- قلت الساعة التاسعة، وكان ينبغي أن أقول الثالثة.. فالتوقيت في اليمن غيره عندنا.. فساعات النهار الاثنتي عشرة تبدأ في الشروق- أي حوالي السادسة صباحا، وساعات الليل تبدأ عند غروب الشمس..
ليس التوقيت وحده هكذا، بل والتقويم كذلك، فالزمن في اليمن له جنسيات ثلاث: التوقيت الغربي وهو الذي أؤرخ به رسائلي إلى فرنسا.. والتقويم العربي وهو الذي يبدأ بالهجرة.. واخيرا شهور تركية وهي أثر الاحتلال العثماني.. ورغم أن تركيا نفسها قد تخلت عنها منذ زمن طويل، فإن اليمنيين مازالوا يستعملونها دون أن يستطيع أحد هنا أن يعطي تفسيرا واضحا لهذا. ولكن الحكومة هي وحدها التي تستعملها. وتقول ألسنة السوء أن الحكومة تحقق توفيرا خفيا في مرتبات موظفيها من هذا اللبس والغموض الذي تحيط به تقويمها.
الطبيب الوحيد لصنعاء يستبقيه الإمام في تعز لعلاج إحدى الأميرات
وتابعت حديثها عن ما شاهدته وسمعته من حاشية الامام، قائلة: كم كانت دهشتي عندما وجدت الدكتور ريبوليه في تعز. لقد انتهت إجازته وعاد من فرنسا منذ أربعة أشهر، وكنت أعتقد أنه قد وصل مقر عمله في صنعاء.. انه مرح هادئ خفيف الحركات. وكانت مساعدته الآنسة هرمان مثله طيبة ومطمئنة وقد وصلت حقائبهما إلا أن صاحب الجلالة استبقاهما في تعز لاحتياجه اليهما.. ولما شفي مرضى القصر الملكي سمح للدكتور ريبوليه بالسفر إلى صنعاء، وقد سرت إليه عدوى مرض راح ضحية بعد ثلاثة شهور.. فلم أكن أتصور اني استطيع الاقامة في بلد كهذا دون نصائحه المستمرة إلا اني لم أكن أملك أي عذر مقبول أو ذريعة معقولة للتخلص من الذهاب إلى صنعاء بدون الدكتور ريبوليه.
واشارت الى ان الامام يبقي بعض المعتقلين السياسيين يمضون وقت تحت المراقبة والمخبرين في دار الضيافة فترة بعد خروجهم من السجن.. فالسلبية والجمود وعدم الحركة.. كل هذا يجعلهم أهلا للثقة.. ولا يقوم أحد هنا بأي عمل طوال النهار.. فإذا استطاع من أطلق سراحهم أن يمضوا هنا هذه الفترة دون أن يبثوا ما في صدورهم من مرارة وأسى للجواسيس الكثيرين فإنه يسمح لهم بالتجول ولا خطر منهم بعد ذلك.
فرمانات أحمد يا جناه
وعن السماح لها بالتحرك والاطلاع على مدينة تعز، وايضا عن طريقة ابلاغ كاهن قصر صالة، قالت كلودي فايان: كان على القادم إلى اليمن فيما مضى إلا يتجول في المدينة إلا بعد أن يستقبله الامام.. ولكن الاحتمال ضعيف في أن يتفضل جلالته ويستقبل امرأة بسيطة مثلي.. على كل حال فقد بقي من هذه العادات أن الواصل يستقبل زواره من الاعيان في دار الضيافة بدلا من السعي اليهم في بيوتهم، وهكذا كان علي أن امضي ايامي الاولى في المحادثات، وكثر المخبرين مثل كل مرة يصل فيها قادم جديد، وقد قدم الي طلعت حسين زميله الشابين، سامي عزالدين، مدير الشؤون الخارجية، ونعمت الحاج مدير البريد، وفيهما لطف وذكاء ويجيدان اللغة الفرنسية.
بماذا نصحوها؟
نصحوني أن أكتب رسالة إلى صاحب الجلالة أقدم له فيها احتراماتي بمناسبة الوصول.. وطلبت زيارته على هذا التصريح لي بالمواظبة في المستشفى بتعز أثناء انتظار موعد سفري إلى صنعاء.
وتتابع بقولها: “وكم كان ممتعا أن أخاطب ملكا بأسلوب القرون الوسطى.. ويجب ألا أنسى أن الملك يؤشر بنفسه بالقرار الذي يتخذه في كل عريضة، ولما كان من غير المتصور أن تكون كتابته الرفيعة تحت كتابة رعاياه فلا بد أن يبدأ المرء الكتابة من منتصف الصفحة تاركا اعلاها لجواب صاحب الجلالة”.
دار الضيافة.. والمخبرين
وأثناء انتظارها في دار الضيافة لمقابلة الامام، تعرفت على غرف دار الضيافة ونزلائه، فقد عددت غرف ومرافق كل دوري المبنى وتخصيص الدور الثاني للأجانب، فقالت: إذ كان في دار الضيافة قرابة ثلاثين يمنيا ضيوفا على الامام، وهم من اعيان الاقاليم والموظفين المنقولين والتجار الاغنياء، بل إن بعض المعتقلين السياسيين يمضون هناك فترة بعد خروجهم من السجن، فالسلبية والجمود وعدم الحركة، كل هذا يجعلهم أهلا للثقة، ولا يقوم أحد هنا بأي عمل طوال النهار، فإذا استطاع من أطلق سراحهم أن يمضوا هنا هذه الفترة دون أن يبثوا ما في صدورهم من مرارة وأسى للجواسيس الكثيرين فإنه يسمح لهم بالتجول ولا خطر منهم بعد ذلك.
وعن الاجانب المقيمين في دار الضيافة، قالت: أما الاجانب فقد كانوا عشرة فنيين: ثلاثة من ايطاليا للكهرباء والاشغال العامة وأجهزة التليفون الخمسين الموجودة في تعز والتي لم يوزع منها إلا خمسة عشر جهازا، وبجانبهم مدرسون من سوريا، ومهندس معماري من لبنان، وأخيرا البوليس السري أو «الخروف» كما يسميه البوليس الفرنسي، وكان الخروف هنا يمنيا يتكلم عدة لغات ويظهر عند وصول أي أجنبي، ويشاطر الاجنبي غرفته التي ينزل فيها، ويمضي الوقت يتضح تصنيفه في اللائحة الحيوانية لكل ذي عينين.
كيف تعمل حكومة الإمام؟
وذكرت كلودي فايان، بأنه لم تر احدا يعمل في اليمن- تعز- سوى الدكتور ريبوليه الذي كان يعمل في الصباح وبعد الظهر، ولم يبد عليه أن يشكو الحرمان من وسائل التسلية.. مشيرة الى انه في خارج دار الضيافة” استقبلني زميلي الايطالي الدكتور مروشي بمنتهى اللطف، وكان يسكن مع الدكتور توفكون، الذي كان غائبا حينئذ- في منزل كبير خصص الدور الارضي منه للمرضى الفقراء، وانها تعرفت في منزله تعرفت باثنين من الطيارين السويديين الذين يقودون طائرات الامام والذين يثق فيهم ويطمئن إليهم.. وقالت: الطيارون السويديون لا يهتمون إلا بتسجيل ساعات طيرانهم في عدن حتى يصلوا إلى الرقم المطلوب لٌيصبحوا طيارين في الخطوط الجوية المنتظمة.
كما قالت: التقيت ايضا بمحام الماني قديم ونازي عنيد، تغطي وجهه آثار الجدري وقد جاء يقدم للإمام مشروعا عاما لإصلاح المالية في المملكة. أقام هنا بضعة أشهر على نفقة الحكومة ثم سافر إلى عدن على حساب الامام بعد نفحه بهدية صغيرة. وعلى هذا النحو تشهد اليمن من وقت لآخر مرور كثير من الاجانب ذوي الاختصاصات العجيبة.
خرافات دنسكر
وعن كبير المهندسين في حكومة الامام، الذي تدور حوله الحكايات واساطير الخرافة، والساذجة، تتحدث بسخرية، قائلة: أما دنسكر، كبير مهندسي الحكومة اليمنية منذ ثلاثين عاما فإنه في وضع ثابت وهو يحمل دبلوم إحدى جامعات البلطيق الكبرى والاقاصيص التي تروى عنه تكاد لا تحصى.. ويحبه الامام لان الله قد باركه، فعندما انفجر المدفع الذي أطلقه لم يقتل سوى ثلاثة من الجنود، وعندما تحطمت رافعته لم يصب أحد بأذى، ولكن شهرته قد ذاعت لأنه الرجل الوحيد الذي يملك طائرة كاملة في حديقته.. فقد حدث عندما تدهور وضع المانيا في مصر أثناء الحرب الثانية أن هربت إحدى الطائرات إلى اليمن ونزلت في صنعاء. وكان الطيارون يأملون أن يبيعوا طائرتهم إلى الامام، ولكن الامام كان هو الذي يريد أن يبيعهم البنزين حتى يغادروا بلاده. ولما لم يصلوا إلى اتفاق اقترضوا من دنسكر المال اللازم للسفر وتركوا طائرتهم رهنا.
واضافت: لا داعي للقول بأنهم لم يعودوا للبحث عنها، وقد وضعها دنسكر في حدٌيقته، وعندما يبدي أحد دهشته من اقتنائه لطائرة لا يعرف قيادتها، يجيب أنهم قد تركوا له «طريقة تشغيلها»، ولكنه لحسن الحظ قد اكتفى بإقامة بار في حجرتها يستقبل فيه مدعويه، وهو باعها قطعة قطعة..
واختتمت حديثها حول دنسكر، بتساؤلها المشفق: ترى ماذا يمكن أن يكون موضوع الحديث في هذا المجتمع الصغير؟ ان الانسان في اليمن بالكاد يشعر بوجود العالم الخارجي. وهذا البلد يعتبر شاطئ الأمان الذي تستطيع أن تتخذه ملجأ عند نشوب الحرب العالمية القادمة؟!