مقالات

عبدالعزيز المقالح.. وجه اليمن وصوت الأمة

فؤاد مسعد

 

 

توفي أمس الاثنين الشاعر والناقد والثائر اليمني المعروف، عبدالعزيز المقالح، عن عمر ناهز 85 سنة، أحد أبرز الأسماء اليمنية حضوراً في المشهد الإبداعي شعراً ونثراً، فضلاً عن كونه واحداً من ثوار اليمن الذين قاموا بالثورة ضد الحكم الإمامي في سبتمبر 1962، وأسهم منذ وقت مبكر في رفد الحركة الثقافية والمشهد الشعري والأدبي خاصة، من خلال دواوينه الشعرية ومؤلفاته ودراساته النقدية والأكاديمية ودعمه وتشجيعه للمبدعين من الشعراء والكتاب اليمنيين.

 

ارتبط اسم المقالح بالأدب اليمني والعربي الحديث، من موقعه المتميز كشاعر غزير الإبداع وناقد دائم الحضور لما يربو على نصف قرن من الزمان، ومنذ بداية حياته وانطلاق مشواره الإبداعي ظل الثائر المدافع عن شعبه وبلاده، والقومي المسكون بقضايا أمته ولغته، وجاءت مختلف أعماله- والشعر في مقدمتها- معبرة عن ثوريته ونضاله في مجال الكلمة، سيما بعد انخراطه المبكر في صفوف الحركة الوطنية اليمنية، ثم تحليق خياله الشعري في فضاءات القضايا العربية والتحديات التي تواجه أمته منذ خمسينيات القرن الماضي، ولقد جاءت بواكير شعره مدافعة عن قضية العرب الأولى والمركزية، قضية فلسطين ومقاومة الاحتلال الإسرائيلي الذي اغتصب الأرض العربية بقوة الحديد والنار وبفعل تواطؤ الدول والقوى العظمى حيناً ودعمها المستمر حيناً آخر.

 

انتصر المقالح للثورة اليمنية سبتمبر وأكتوبر، في مواجهة الاستبداد الإمامي شمال اليمن والاحتلال البريطاني في جنوبه، وظلت قصائده خالدة في وجدان النضال اليمني شمالاً وجنوباً يرويها الآباء للأبناء، وينقلها الأجداد للأحفاد، تؤرخ للنضال الطويل ضد الاستبداد المحلي والأجنبي، وتؤازر أبطال الحرية والاستقلال وتعزز مبادئ وقيم وأهداف الثورة اليمنية المجيدة.

 

كان في إذاعة صنعاء إبان اندلاع ثورة سبتمبر فظل هناك صوتها المدوي وصيحتها المجلجلة التي هزت أركان الحكم الإمامي وقوضت بنيانه، كان هناك مع رفاقه يرسمون الفجر الجديد، فجر الثورة والجمهورية والعدل والمساواة، وحين غادر اليمن واستقر في مصر العروبة لإكمال دراساته الجامعية حتى حصل على الماجستير والدكتوراه، لم يكن منعزلاً على نفسه ولا منطوياً على ذاته، بل كان ذلك الثائر العربي المهموم بقضايا بلده والأمة العربية، وفي مقدمتها التحرير والثورة والكفاح ضد الاستعمار وأدواته.

 

حينما سجل الجيش العربي المصري الانتصار التاريخي العظيم في حرب أكتوبر 1973 المعروفة بحرب العاشر من رمضان كان المقالح هناك في القاهرة يسجل بشعره العذب واقعة العبور في واحدة من أروع قصائده، بل من أجمل القصائد العربية التي خلدت تلك الملحمة التاريخية:

 

لا الليل في الضفة الأخرى ولا النذرُ

ولا الدماء كما الأنهار تنهمرُ

ولا الذئاب وقد أقعت على حذرٍ

وحولها تزأر النيران والحفرُ

لا هذه سوف تثنينا ولا خطرٌ

يصد جيشاً دعاه الثأر والظفرُ

مضى ليثأر من أعدائه، ومضت

في ركبه الشمس والتاريخ والقدرُ

 

كانت تلك البداية، ثم ينتقل الشاعر الكبير إلى الحديث عن الاحتلال الإسرائيلي للأرض العربية قائلاً:

 

ظنوك سيناء للأغراب مزرعةً

وفي رمالك يزكو الماء والثمرُ

تسللوا عبر ليلٍ لا نجوم به

فأصبحوا وهم السُّمّار والسمرُ

 

بيد أن أبطال العبور كانوا لهم بالمرصاد، وكانوا على أهبة الاستعداد ليقهروا عصابات الجيش الذي قيل أنه (لا يُقهر)، لقد قهره المصريون في واقعة لا تنسى، وكيف تنسى وقد وثقتها ذاكرة الأمة العربية شعراً ونثراً، وقال المقالح في قصيدته عن أبطال الكنانة:

أبطالنا عبروا مأساة أمتهم

ونحن في كفن الألفاظ نختصرُ

تقدموا عبر ليل الموت ضاحكةً

وجوههم، وخطوط النار تستعرُ

وأشعلوا في الدجى أعمارهم لهباً

للنصر واحترقوا فيه لينتصروا

عبورهم أذهل الدنيا وموقفهم

تسمرت عنده الأقلام والسّيَرُ

وددت لو كنت يوماً في مواكبهم

أو ليتني كنت جسراً حينما عبروا

 

وفي قصيدة له بعنوان “إلى الحبيبة سيناء- ما تيسر من سورة النصر”..

وأخيراً رجعت لنا

والخرائط ما استكملت – بعد- تزييفها

والمشاريع تدرس في مكتب الهمجي الدخيل.

 

حضر المقالح وشعره في قضية فلسطين، يحث على المقاومة والصمود ومواجهة الاحتلال، وفي شعره حضر شعراء فلسطين ورموزها الأدبية والثقافية: محمود درويش وسميح القاسم وفدوى طوقان وغيرهم.

 

قال يخاطب صديقه درويش:

الأرض لم تزل محتلة.. والدار

على سرير العار

تنام تصحو أمةٌ

مهتوكة الإزارْ

وفي الذكرى العشرين للنكبة قال المقالح:

عشرون عاماً لم أنمْ

عيناي جثتان ينهش الظلام فيهما

وينخر الألمْ

حنجرتي مقطوعةٌ، صرت بغير فمْ

صرخت

مات الصوت في الأعماق

الريح حولي ترسم الإخفاق

زر الذهاب إلى الأعلى