عهد أكتوبر

افتتاحية 26سبتمبر
في ذاكرة الشعوب الحية لا تمثل الأعياد الوطنية مجرد محطات عابرة للاحتفال والتذكر بل هي نوافذ متجددة لإضاءة الحاضر بنور الماضي واستنهاض الهمم لمواجهة تحديات الراهن.
وحين يقبل علينا شهر أكتوبر المجيد بذكراه الخالدة تطل علينا روح التحرر الوطني بكل ألقها وثورتها على الظلم والاستبداد ، فثورة الرابع عشر من أكتوبر لم تكن مجرد رصاصة أُطلقت من جبال ردفان ولا شعارا رفع في وجه مستعمر غاشم فحسب بل كانت إعلانا صارخا بأن الإنسان اليمني يرفض التبعية والمهانة ويستحق أن يعيش حرا كريما في وطنه ، مالكا لقراره وصانعا لمستقبله.
لقد انطلقت شرارة أكتوبر المجيدة لتلتحم مع نضالات أبناء الشعب اليمني في كل ربوع الوطن ولترسم معاً ملامح الهوية الوطنية الجامعة وتؤسس لمداميك الدولة الجمهورية الحديثة.
إن تذكرنا لبطولات جيل التحرير الأول وتضحيات الشهداء الأبرار الذين رووا بدمائهم الطاهرة تراب هذا الوطن يضعنا اليوم أمام أمانة ثقيلة ومسؤولية تاريخية لا تقبل التهاون. فالتحرير لم يكن غاية بحد ذاته بل كان الوسيلة الأسمى لبناء دولة العدالة والمواطنة المتساوية وسيادة القانون وحين نستلهم تلك الروح النضالية اليوم فإننا نجدد العهد بأن نكون أمناء على تلك المبادئ السامية، وأن نقف سدا منيعا في وجه كل محاولات الالتفاف على مكتسبات النضال الوطني.
إن الحرب الدائرة اليوم في اليمن بكل مآسيها وتداعياتها ليست مجرد نزاع عسكري عابر على السلطة والنفوذ بل هي معركة وجود بامتياز تدور رحاها دفاعا عن روح الدولة ومؤسساتها وحفاظاً على الهوية الجمهورية والوطنية من محاولات المحو الممنهج التي تقودها قوى الإمامة والرجعية.
لقد أثبت الانقلاب الحوثي المدعوم إيرانيا أنه امتداد عضوي لكل أشكال الاستبداد التاريخي الذي عانى منه الشعب اليمني طويلا ، فهو لا يستهدف الأرض والمقدرات فحسب بل يستهدف وعي الإنسان اليمني وكرامته ويسعى إلى إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء ، مستمدا مشروعيته من خرافات الحق الإلهي والاصطفاء السلالي البغيض في تناقض صارخ مع روح العصر ومعاني ثورتي اكتوبر وسبتمبر.
إن الحفاظ على الجمهورية ومؤسساتها لم يعد خيارا سياسيا تفضيليا بل هو طوق النجاة الوحيد لإنقاذ الوطن من التشظي والتمزق. وتتجلى المسؤولية التاريخية اليوم أكثر من أي وقت مضى على عاتق كافة القوى الوطنية والنخب والمجتمع لتوحيد الصفوف ورص البوصلة نحو هدف رئيسي لا عِوَض عنه “استعادة الدولة ومؤسساتها الدستورية”.
فلا سلام مستدام ولا استقرار حقيقي ولا كرامة مصانة لليمنيين إلا بإنهاء الانقلاب واستعادة سلطة القانون على كامل التراب الوطني وإن التراخِي في هذه المعركة المصيرية أو الانشغال بالخلافات الجانبية يمثلان طعنة في ظهر التضحيات الكبرى التي قدمها أحرار اليمن طوال عقود.
في ذكرى أكتوبر العظيمة نؤكد أن شعلة الأحرار التي أُوقِدت في جبال ردفان ستظل متأجّجة في قلوب اليمنيين لن تنطفئها عتمة الانقلاب ولا بطش المليشيات وإن دماء الشهداء وتطلعات الأجيال القادمة تنادينا جميعا لكي نكون على مستوى التحدي وأن نحرس جمهوريتنا بأرواحنا ووعينا لتكون هذه الذكرى محطة لانطلاق صفحة جديدة من التلاحم الوطني الصلب حتى يرتفع علم الجمهورية اليمنية خفاقا في كل شبر من أرجاء الوطن وتعود الدولة خادمة لشعبها وحامية لكرامته وحريته.