26سبتمبر ودولة القانون.. قراءة في دلالات الثورة ومكانة الإنسان

سبتمبر نت: القاضي الدكتور/ نافع العلفي
ليست ذكرى الاحتفال بــ 26 سبتمبر مجرد تاريخ نستعيده كل عام، ولا مناسبة وطنية تختزل في الاحتفال واستحضار صور الماضي؛ إنها قبل ذلك وبعده مناسبة لمراجعة معنى الجمهورية في وجدان اليمنيين، وقياس المسافة بين المبادئ التي قامت عليها الدولة وبين واقع الإنسان في حياته اليومية.
فالثورات الكبرى لا تُقاس فقط بما أسقطته من أنظمة، وإنما بما أقامته من قيم ومؤسسات، وقيمة الجمهورية لا تكتمل بمجرد رفع شعارها، وإنما حين يشعر المواطن أن حريته مصانة، وكرامته محترمة، وحقه في العدالة مكفول، وأن السلطة – أياً كان القائم عليها – تقف تحت سقف القانون.
ومن هنا فإن السؤال الذي تفرضه ذكرى 26 سبتمبر 1962م اليوم ليس فقط : ماذا أنجزنا؟ وإنما أيضاً: هل أصبح الإنسان اليمني أكثر أمناً على حريته وكرامته وحقوقه؟ وهل أصبح القانون أكثر قوة من النفوذ، والمؤسسة أقوى من الفرد، والعدالة أبعد عن الانتقائية؟
الجمهورية دولة مؤسسات
في المفهوم الدستوري الحديث، لا تكفي تسمية الدولة بالجمهورية حتى تتحقق الجمهورية في مضمونها؛ فالجمهورية دولة مؤسسات، تقوم على سيادة القانون، والفصل بين السلطات، وحماية الحقوق والحريات، وخضوع الحاكم والمحكوم للقواعد القانونية ذاتها، وقد أكد الدستور اليمني في مبادئه العامة أن السيادة والشعب مصدر السلطات، وأن الدولة تقوم على أساس النظام الجمهوري، كما كرس جملة من الحقوق والحريات التي تجعل من الإنسان محوراً للحماية الدستورية.
وهنا تبرز قاعدة جوهرية: لا تكون سلطة الدولة مشروعة لمجرد أنها تملك القوة، وإنما تكون مشروعة بقدر خضوعها للقانون واحترامها للحقوق التي كفلها الدستور.
فالقانون ليس أداة في يد السلطة لتنظيم المجتمع فحسب، بل هو في الوقت ذاته قيد على السلطة وضمانة للمواطن، وكلما ازدادت قوة الدولة القانونية، أصبح المواطن أكثر أمناً، وأصبح الخلاف أكثر قابلية للحل عبر المؤسسات بدلاً من القوة.
الإنسان معيار لنجاح الدولة
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الدولة ليس ضعف أحد أجهزتها فحسب، وإنما أن يصبح الإنسان هو الحلقة الأضعف أمام السلطة أو النفوذ أو الصراع, فالاعتقال خارج الضمانات القانونية، أو الاحتجاز دون سند، أو التعذيب، أو الإخفاء القسري، أو حرمان الإنسان من حقه في الدفاع والمحاكمة العادلة، ليست مجرد وقائع منفصلة؛ بل تمس الثقة في الدولة ومؤسساتها وفي العدالة ذاتها.
ولهذا فإن حماية الإنسان تبدأ من احترام القانون والإجراءات قبل أن تصل إلى العقوبة. فالعدالة لا تعني معاقبة من تثبت مسؤوليته فحسب، وإنما تعني أيضاً أن تتم المحاكمة وفق ضمانات عادلة، وأن يبقى المتهم متمتعاً بحقوقه حتى تثبت مسؤوليته بحكم قضائي.
ومن هنا تأتي أهمية القضاء باعتباره أحد أهم الضمانات المؤسسية للحقوق والحريات؛ فالقاضي لا يحمي المجتمع من الجريمة فقط، وإنما يحمي كذلك شرعية الإجراءات، ويوازن بين حق المجتمع في الأمن والعقاب وبين حق الفرد في الحرية والمحاكمة العادلة.
سيادة القانون تبدأ من استقلال القضاء
لا يمكن أن تستقيم دولة القانون من دون قضاء مستقل. فاستقلال القضاء ليس امتيازاً ممنوحاً للقاضي، وإنما ضمانة للمجتمع بأسره؛ لأن المواطن الذي يدخل قاعة المحكمة يجب أن يطمئن إلى أن الفصل في حقه لن تحكمه القوة أو النفوذ أو الانتماء، وإنما القانون والأدلة وضمير العدالة.
ومن مقتضى ذلك أن يكون القاضي مستقلاً في حكمه، وأن تكون إجراءات التقاضي عادلة، وأن تكون الأحكام قابلة للتنفيذ، وأن تتساوى الخصومة أمام القضاء، فلا يكون للنفوذ وزن في ميزان العدالة.
وهنا تتجلى قيمة القضاء في اللحظات الصعبة أكثر من غيرها؛ فحين تضطرب السياسة وتختلف المصالح، ينبغي أن تبقى قاعة المحكمة مساحة لاستعادة التوازن، ومكاناً يسمع فيه صوت القانون فوق أصوات الخصومة.
نكبة 21 سبتمبر… والدرس الذي لا ينسى
دخل اليمن منذ سبتمبر 2014م مرحلة بالغة التعقيد، وتسبب سيطرة مليشيا الحوثي الارهابية على مؤسسات الدولة في انهيار الحياة السياسية والقانونية والحقوقية, والدرس الذي يهم رجل القانون يتمثل في أنه عندما تضعف مؤسسات الدولة، تتسع مساحة القوة غير المنضبطة، وتضيق في المقابل مساحة الحماية القانونية للإنسان.
فالدولة ليست مباني حكومية ولا مسميات إدارية؛ الدولة هي مؤسسات تؤدي وظائفها وفق القانون، وقضاء يفصل في الخصومات، ونيابة تحقق في الجرائم، وأجهزة أمن تحمي المجتمع في إطار الاختصاص، ومواطن يستطيع الوصول إلى العدالة دون خوف أو تمييز.
ومن ثم فإن استعادة الدولة لا تعني فقط استعادة مؤسساتها المادية، وإنما تعني قبل ذلك استعادة وظيفتها القانونية والأخلاقية في حماية الإنسان وتنظيم المجتمع وإدارة الاختلاف بالوسائل المؤسسية.
العدالة للضحايا ليست انتقاماً
لقد أظهرت السنوات الأخيرة أن ملف حقوق الإنسان لا يمكن تأجيله إلى ما بعد انتهاء الأزمات؛ لأن الضحية التي تنتظر العدالة لا تستطيع دائماً أن تنتظر استقرار السياسة.
وقد أعلنت اللجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان، في تقريرها الدوري الرابع عشر، توثيق 2,062 واقعة انتهاك خلال الفترة من أغسطس 2025 إلى يوليو 2026، طالت 2,932 ضحية، وشملت أنماطاً متعددة من الانتهاكات.
ومهما اختلفت الجهات أو الأطراف المسؤولة عن الوقائع المختلفة، فإن المبدأ القانوني ينبغي أن يبقى واحداً: المسؤولية فردية، والإدانة لا تكون إلا بدليل، والحقوق لا تسقط بالتقادم أو بسبب الخصومة السياسية، والعدالة لا ينبغي أن تكون انتقائية. فالعدالة الحقيقية ليست عدالة المنتصر ضد المهزوم، وإنما عدالة القانون للضحية والمتهم والمجتمع في آن واحد.
ولهذا فإن جبر الضرر، وكشف الحقيقة، ومساءلة المسؤولين وفق القانون، وضمان عدم تكرار الانتهاكات، ليست أعمالاً انتقامية؛ وإنما هي أدوات لإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة.
من الثورة الخالدة إلى دولة القانون
إن الوفاء الحقيقي لثورة 26 سبتمبر وشهداءها الأحرار لا يكون فقط باستحضار بطولات الماضي فقط، وإنما بتحويل قيمها إلى ممارسة يومية وذلك من خلال:
أن يشعر المواطن العادي أن القانون يحميه. وأن يعلم الموظف أن سلطته وحقوقه مقيدة ومحيمة بالقانون. وأن يدرك رجل الأمن أن مهمته حماية الإنسان والمجتمع في حدود اختصاصه. وأن يطمئن المتهم إلى أن له حقاً في الدفاع والمحاكمة العادلة. وأن تجد الضحية قضاءً يسمعها وينصفها. وأن يكون القاضي مستقلاً لا يخضع إلا للقانون وضميره القضائي. وأن تكون مؤسسات الدولة أقوى من الأشخاص، والقانون أعلى من النفوذ ذلك هو المعنى الذي يجعل الجمهورية أكثر من مجرد اسم.
26 سبتمبر … عهد متجدد
إن الأمم لا تحافظ على جمهورياتها بمجرد الاحتفال بميلادها؛ وإنما تحافظ عليها بتجديد القيم التي قامت عليها.
ولهذا فإن الاحتفال بذكرى 26 سبتمبر ينبغي أن تكون عهداً متجدداً بأن الإنسان هو غاية الدولة، وأن القانون هو مرجع السلطة، وأن القضاء هو حصن الحقوق، وأن العدالة لا تعرف لوناً ولا منطقة ولا انتماء, فحين يأمن المواطن على حريته، يأمن المجتمع على مستقبله, وحين يكون القانون فوق الجميع، تصبح الدولة أقوى من النزاع, وحين يجد المظلوم قضاءً مستقلاً ينصفه، يصبح للعدالة معنى يتجاوز حدود الحكم إلى إعادة بناء الثقة, وحين تصان كرامة الإنسان، تصبح الجمهورية واقعاً يُعاش، لا مجرد ذكرى تُروى.
ولهذا فإن أفضل ما يمكن أن نقدمه لذكرى 26 سبتمبر أن نسأل أنفسنا في كل عام : ماذا نعمل حتى يصبح الإنسان اليمني أكثر أمناً، والقانون أكثر حضوراً، والقضاء أكثر استقلالاً، والدولة أكثر عدلاً؟
فالــ26 من سبتمبر ليس صفحة من الماضي أُغلقت؛ إنها مسؤولية قانونية وأخلاقية تتجدد كلما احتاج اليمن إلى دولة تحمي الإنسان، وقانون يحكم الجميع، وعدالة لا تنحني إلا للحق.