خطورة تعدد مراكز القرار على استقرار الدولة

سبتمبر نت: الدكتور/ هـاني محمد القاسمي
تحتاج اليمن اليوم إلى اصطفاف وطني صادق خلف قيادة سياسية واحدة، ومرجعية دستورية ومؤسسية واحدة، وقرار سياسي وعسكري وأمني واحد؛ قرار تتكامل داخله المؤسسات، وتتوزع فيه الاختصاصات وفق القانون، وهو ما بدأ يبرز حاليا.
إن الـقرار السياسي الذي لا تسنده قوة عسكرية وأمنية منضبطة تحت قيادة الدولة، يبقى عرضة للابتزاز والتعطيل، والـقرار العسكري الذي لا يستند إلى غـطاء سياسي موحـد، قد يتحول من أداة لحماية الدولة إلى عامل إضافي في إرباكها، أمـا الـقرار الأمني المتعدد، فإنه يفتح الباب أمام تعدد الولاءات، ويجعل المواطن أمام أكثر من سلطة، وأكثر من تعليمات، وأكثر من تفسير للقانون، ولذلك تحرص القيادة السياسية والعسكرية والأمنية على توحيد القرار ومساندة المؤسسات لبعضها وفق القانون والدستور.
إن أخـطر ما يهدد أي مرحلة انتقالية ليس الاختلاف السياسي بذاته، وإنما أن يتحول الاختلاف إلى مراكز قرار متوازية.
وعـليه، فـإن الاصطفاف خلف قيادة واحدة لا يعني إلـغاء الشراكة السياسية، ولا مـصادرة حق القوى الوطنية في إبداء الرأي، ولا إسـقاط حق النقد البناء والمراجعة والمساءلة، بـل يعـني أن تكون هناك مرجعية نهائية للقرار، وأن تُمارس الخلافات داخل المؤسسات، لا عبر مؤسسات موازية.
إن الوطـن لا يحتاج اليوم إلى مزيد من مراكز النفوذ بقدر حاجته إلى مركز دولة، ولا يحتاج إلى مزيد من العناوين السياسية بقدر حاجته إلى عنوان وطني جامع، وكل يوم يتأخر فيه توحيد القرار، تدفع الدولة ثمنًا من هيبتها، ويدفع المواطن ثمنًا من أمنه ومعيشته ومستقبله.
إن توحـيد القرار السياسي والعسكري والأمني ضرورة وطنية تسبق كل حديث عن الإصلاح الاقتصادي، وإعادة الإعمار، واستعادة مؤسسات الدولة، وتحسين الخدمات، وجذب الدعم الدولي.
فالمجتـمع الدولـي لا يستطيع أن يتعامل بفاعلية مع دولة تتعدد فيها مراكز القرار، والمستثمر لا يبحث عن بيئة تتعدد فيها السلطات، والمواطن لا يستطيع أن يبني حياته في ظل غموض المرجعية.
ولـذلك، فـإن اللحظة اليمنية الراهنة تستوجب شجاعة سياسية من نوع مختلف.. شجاعـة الاتـفاق على أن الدولة فوق الجميع، وأن المؤسسات فوق الأشخاص، وأن القرار الوطني لا ينبغي أن يكون محل منافسة بين مراكز القوى.
وليـس عيبًا أن تختلف القوى السياسية في تقديراتها؛ العيب أن تختلف في مرجعيتها الوطنية، وليـس عيبًا أن تتعدد الآراء؛ العيب أن تتعدد الأوامر.
اليـمن أكبر من أن تختزل في حزب، أو جماعة، أو منطقة، أو مشروع، أو شخص، وهـي كذلك أكبر من أن تظل رهينة لتعدد مراكز القرار.
ومـن هنا تبدأ معادلة النجاة .. قيادة واحـدة، ومرجعية واحـدة، وقرار سياسي واحـد، وقيادة عسكرية وأمنية واحـدة، ومؤسسات تعمل وفق القانـون، وشراكة سياسية تحفظ التـعدد ولا تسمح بتـعدد الدولة.
ذلك هو الطريـق الذي يمكن أن يعيد للقرار هيبته، وللمؤسسة اعتبارها، وللمواطن ثقته، وللوطن قدرته على تجاوز أزماته.
أمـا أن نظل ننتظر صفاء السماء بينما نترك أسباب الغيم قائمة، فذلك يعني أننا لم نتعلم بعد من سنوات الأزمة الطويلة.