الافتتاحية

معركة الوعي

افتتاحية 26سبتمبر

اثبتت الوقائع ولازالت أن معارك الشعوب ضد مشاريع التجريف والارتهان لا تُدار في ساحات المواجهة العسكرية وحدها ، بل تتخلق بذورها الأولى في عمق الوعي الجمعي، حيث تتصارع إرادة الحياة والنور مع نزعات الهدم والظلام.

وفي الأزمات الوجودية التي تعصف بالأمم ، لا تبدأ الحكاية من لحظة المواجهة الميدانية ، بل من لحظة الاستهداف الفكري وتزييف المفاهيم التي تمهد للخراب، إذ يسبق الرصاصَ دوما طوفان من الشائعات وتغييب العقول.

ومن هذا المنطلق الفلسفي والوجودي، تبرز أهمية الرواية الوطنية بوصفها خط الدفاع الأول والعمود الفقري لحماية الهوية والمكتسبات التاريخية.

وفي قلب هذه المواجهة المصيرية التي يخوضها اليمنيون لاستعادة دولتها والذود عن جمهوريتهم ، يبرز الإعلام الوطني لا مجرد ناقل للحدث أو موثق للواقع ، بل كركن أصيل ومحوري يتصدر جبهات التنوير ، ويتحمل المسؤولية التاريخية في بناء حصون الوعي المجتمعي وتفكيك سرديات التضليل والخرافة التي تسعى الجبهات المليشياوية لإحلالها محل الحقائق الثابتة.

إن خطورة الرواية المضللة لا تقل أثرا عن المقذوفات العابرة للحدود ، فالمليشيات الإرهابية المنفذة للأجندات التدميرية لا تكتفي بفرض سلطتها الغاشمة بقوة السلاح ، بل تسعى جاهدة إلى إعادة تشكيل المفاهيم وتغيب العقول وتزييف التاريخ عبر ضخ الإعلام السام المحمل بالخرافة والمظلوميات الزائفة.

ومن هنا ، تبدو الحاجة ملحة وأكثر حتمية لبناء إعلام وطني صلب ، مهني ومبادر ، يتجاوز النمطية والردود الانفعالية ليخوض معركة الرواية بكل اقتدار وشجاعة ، المعركة التي تجيب بكل وضوح عن الأسئلة المبدئية الحاكمة:

مَن الذي أشعل فتيل هذه الحرب ونسف الاستقرار؟

ومَن الذي أجهض مبادرات السلام وسعى لإطالة أمد المأساة؟

ومَن الذي استهدف مقدرات الشعب وقوته اليومي وهدد الموانئ وخطوط الملاحة الدولية ورسخ واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في العصر الحديث؟

إن أشد ما يهدد المعركة الوطنية في بعدها الفكري والإعلامي هو السقوط في فخ الفراغ الإعلامي.

فعندما تتلكأ مؤسسات الدولة الوطنية في تقديم المعلومة الموثوقة والشفافة في وقتها المناسب ، فإنها تمنح خيارات واسعة للقوى الظلامية كي تستثمر في هذا الفراغ وتملأه برواياتها المفبركة وتسوق خرافاتها كحقائق على حساب تضحيات الشعب وآماله.

إن كسر هذه المعادلة هو الواجب الأولي للإعلام الوطني ، إذ يتوجب عليه الانتقال المستمر من موقع المدافع أو المتلقي إلى موقع المبادرة والسبق وتعرية الزيف المليشاوي في لحظة تشكله وترسيخ الثقة العامة بمؤسسات الدولة وقيم الجمهورية كبديل صلب لا يتزعزع أمام المشاريع الطائفية الضيقة.

إن الرهان اليوم يقوم على إعلام قوي ومتماسك بالرغم من شح الإمكانات وظروف الحرب القاسية.

وإن الصحفيين والإعلاميين حماة للكلمة وهم يقفون جنبا إلى جنب مع أبناء المؤسسة العسكرية والأمنية ، يُقدمون أروع صور الثبات والصمود ، متمسكين بالرسالة الوطنية الأخلاقية ومهنية الكلمة.

ولأن معركة الوعي لا تتجزأ ، فإن تقوية هذا القطاع وتمكينه من أدوات العصر يُعد استثمارًا استراتيجيًا لا غنى عنه لصيانة الهوية الوطنية ، ودحر الشائعات وتحصين الأجيال القادمة من الوقوع في براثن التضليل المليشاوي.

ختاماً ، إن الانتصار في الميدان يظل ناقصا ما لم يُتوج بانتصار صريح في معركة العقول والضمائر.

فالسلاح يحرر الأرض ولكن الإعلام الوطني المهني والشجاع هو الذي يحمي هذا التحرير ويغرس في نفوس المواطنين قيم الحرية والعدالة وسيادة القانون.

إنه صوت الحق المدوي الذي لا ينبغي له أن يصمت والدرع المتين الذي تتحطم عليه موجات الزيف ، والمنارة التي تضيء طريق الشعب نحو استعادة دولته وكرامته ومحو أوهام السيطرة والخرافة إلى غير رجعة.

زر الذهاب إلى الأعلى