المقدم أحمد هداله.. بطل لم يغادر موقعه إلا شهيداً في محراب الجمهورية

سبتمبر نت: قصة بطل
لا تُقاس أعمار الأبطال بالسنوات، بل بتلك اللحظة التي يقررون فيها أن يكونوا هم الجدار الذي يحمي وطن بأكمله، فبين رمال جبهات الجوف الملتهبة وظلال جبالها الصامدة، ترجّل الفارس المقدم أحمد هداله بعد تاريخ حافل بالبطولات والملاحم الوطنية لم يعرف فيه التراجع يوماً.
لم يكن المقدم أحمد هداله، مجرد قائدا عسكريا يمرّ اسمه في سجلات الجيش الوطني، وإنما بوصلةً للثبات، وعنواناً عريضاً للوفاء والصمود، في معركة الدفاع عن الوطن والجمهورية.
بدمائه الزكية كتب الشهيد فصلاً من فصول التضحية في تاريخ اليمن، ليس بالحبر، بل بدمٍ قانٍ آثر أن يروي تراب الجمهورية على أن يراه يُدنس.
انضباطٌ في محراب الوطن
من يعرف المقدم أحمد عبده علي هداله، مساعد قائد اللواء 213 مشاة، أحد ألوية المنطقة العسكرية السادسة، يعرف أن الواجب الوطني لديه لم يكن وظيفة، وإنما ايمانا عميقا يسري في عروقه وفعلا مقدسا لا تردد فيه.
لقد كان أول الحاضرين في المتارس، وآخر من يغادر الميدان، عُرف بين رفاق السلاح بأنه أكثر الضباط التزاماً وانضباطاً، لا تُثنيه العواصف والأزمات ولا تعيقه تقلب الاوضاع وتغير ظروف العيش ولا يفتّ في عضده طول المعركة.
كان يرى في البدلة العسكرية عهداً مع الله والأرض، وفي الجمهورية أمانةً يجب أن تحمى من مليشيا الحوثي الكهنوتية الارهابية، وبهذا الإيمان العميق لم يكن غريباً أن يختار الصمود في خطوط النار الأمامية بجبهات محافظة الجوف، مواجهاً قوى الظلام بشجاعة تليق بأسلافه من أحرار اليمن.
خلف تلك الصرامة العسكرية، كان يختبئ قلبٌ يفيض نقاءً وخلوقٌ، متواضع، وحب للجميع وهي قيم وصفات أحبها فيه كل من عرفه؛ وصفه الجنود الذين قادهم بأنه لم يكن قائداً يصدر الأوامر من خلف المكاتب، وانما أخاً وصديقاً يتقاسم مع أفراده الرغيف وارهاق السهر في الخنادق ولفحات غبار الصحراء.
لقد كسب القلوب قبل أن يقود الصفوف، فكانت كلمته مسموعة لا بالخوف، بل بالاحترام العميق الذي غرسه في نفوس كل من عرفه، كان يمثل النموذج المثالي للضابط اليمني الذي يجمع بين هيبة القيادة ودماثة الأخلاق.
على خطى الأبطال
في زمنٍ اعتاد فيه القادة، الخروج بالمرافقين، شقَّ الشهيد المقدم أحمد هداله، طريقاً مغايراً؛ فقد كان يرى في المظاهر قيداً يكبّل المسير نحو الهدف الوطني السامي، لذلك لم يكن له حراسة فصيلاً من الجند، رغم ان ذلك يلق به وكان يجب ان يكون له، لكنه أحمد صاحب القضية الكبرى قضية الوطن والجمهورية والحرية، صاحب الإيمان المطلق بعودة الجمهورية إلى محرابها الطاهر؛ المحراب الذي ارتوى بصدق الأحرار وعرق الثائرين.
وهناك في جبهات العزة، حيث يُكتب التاريخ بالرصاص لا بالحبر، رابط الشهيد بعيداً عن أسرته، متنازلاً عن دفء اللقاء بزوجته وأطفاله فقد كان يكتفي بلحظات قصيرة لرؤيتهم، يقتنصها كغنيمةٍ عابرة بين معركتين، لا ليرتاح، بل ليتزود بوجوههم عزيمةً على مواصلة المسير، ثم يعود مسرعاً إلى خندقه، مؤثراً حماية أطفال الوطن جميعاً على البقاء بجانب أطفاله.
وعلى نهج الأبطال الذين عبدوا طريق الحرية بدمائهم، وفي مقدمتهم أيقونة الجمهورية الثانية الشهيد القائد عبدالرب الشدادي، وشعلان والوائلي سار الشهيد أحمد هداله بخطىً واثقة لا تعرف الالتفات وروحاً وثّابة تجسّد الإقدام في أنقى صوره.
استدان النصر ووفّى بالدم
عندما كانت تشتد الأزمات وتغيب الدولة أو تنعدم احتياجات وضروريات المعركة، لم يكن الشهيد المقدم أحمد يقف مكتوف الأيدي يندب الحظ أو يبرر القعود؛ بل اجترح كل ما بوسعه، وعرض وجهه ووجاهته واستدان لتوفير متطلبات رفاقه واحتياجات الجبهة، مستبيحاً لنفسه الديون ليمنع عن رفاقه النقص، وليحمي ثغور الوطن من الانكسار.
يروى رفاقه وأفراده وأسرته أن الشهيد ارتقى إلى الرفيق الأعلى مقبلاً غير مدبر، وفي ذمته ديونٌ أثقلت كاهله، لكنه ترك في ذمة الوطن ديناً أعظم، دمه الطاهر الذي لا يُقدر بثمن. رحل المقدم أحمد هداله وقد أوفى بعهده للجمهورية، مخلفاً وراءه قصة قائد بطلٍ لم يبع وطنه بالمال، بل اشترى كرامة وطنه بدمه وحياته.
رحلة الخلود
وفي لحظةٍ فارقة من لحظات الفداء، وبينما كان يؤدي واجبه الوطني بكل بسالة، ارتقى المقدم أحمد هداله، شهيداً كما تمنى ورغب، ارتقى في ميادين الشرف والبطولة والعزة والكرامة ليرتفع ذكره في سجلات الخالدين.
نعم.. وفي مواجهة الظلام والارهاب الحوثي، وعلى ثرى صحاري الجوف التي شهدت صولاته وجولاته، ترجّل الفارس في محرابه في جبهات الكرامة وهو يؤدي أمانة الدفاع عن الأرض والعرض.
لقد خسر الوطن برحيله، واحداً من أصدق قاداته ورجاله، لكن دمه الذي رويت به تربة الجوف والوطن، سيظل وقوداً لا ينطفئ لكل الأحرار السائرين على درب الجمهورية، فالأبطال لا يموتون، بل ينسحبون من ضجيج الدنيا إلى سكون الخلد، تاركين وراءهم أثراً لا تمحوه الاحداث والأيام.
عاش المقدم أحمد هداله عزيزاً بطلاً يحمل على عاتقه هم الدفاع عن الوطن والجمهورية، واستشهد كريماً مقداماً في سبيل الهدف السامي الذي حمله، وسيبقى اسمه محفوراً في ذاكرة الأجيال كرمز للشجاعة والالتزام والوفاء والتضحية في سبيل اليمن.
رحل الشهيد بطلاً كما عاش، تاركاً خلفه رتبةً عسكرية مرصعة بالكرامة، وسيرةً عطرة ستظل تُروى في مجالس الأحرار. ترجل الشهيد لتحيا الجمهورية اليمنية، وغاب الجسد ليبقى الرمز منارةً لكل من آمن بأن اليمن أغلى من الروح، فما ضاع حقٌ وراءه “هداله” ورفاقه الأبطال.
٧