مقالات

في الفكر الشرطي الحديث قراءة في جغرافية الجريمة

 

سبتمبر نت: عميد ركن/ نجيب سعد الناصر

تُعد جغرافية الجريمة من المفاهيم الحديثة في الفكر الأمني، إذ تؤكد أن الجريمة لا تحدث في فراغ، بل في سياق مكاني وزماني تتفاعل فيه الدوافع والفرص وغياب الرقابة.
ويقصد بجغرافية الجريمة دراسة توزيع الجرائم في المكان والزمان وتحليل علاقتها بالبيئة المحيطة
وقد أسهمت عدة نظريات في تفسير هذا التفاعل، من أبرزها نظرية النشاط الروتيني التي قدّمها كوهين وفيلسون عام 1979، وتفترض أن وقوع الجريمة يعتمد على اجتماع ثلاثة عناصر في الوقت نفسه: جانٍ لديه الدافع، وهدف مناسب، وغياب الرقابة الأمنية الفاعلة، كما جاءت نظرية الأنماط الجنائية لبرانتنغهام وبرانتنغهام عام 1993 لتوضح أن الجرائم غالباً ما تتركز في أماكن مألوفة للجناة، حيث يختلط الاعتياد بالمخاطرة المدروسة في اختيار المواقع. أما نظرية نوافذ كسر الزجاج التي طوّرها ويلسون وكيلينغ عام 1982، فترى أن الإهمال البيئي، مثل انتشار القمامة أو تدمير الممتلكات العامة، يبعث برسالة ضمنية بأن الفوضى مقبولة، مما يشجع على ارتكاب مزيد من الجرائم.

وتُبرز هذه النظريات جميعها أهمية المكان في تفسير السلوك الإجرامي، وتوجّه الجهود الأمنية نحو الوقاية الاستباقية بهدف منع وقوع الجريمة بدلاً من الاكتفاء بمعالجتها بعد ارتكابها. لذلك، يتناول هذا المقال ماهية جغرافية الجريمة وأهميتها وأبعادها والعوامل المؤثرة فيها على النحو الآتي:

أولاً: ماهية جغرافية الجريمة

الجريمة في جوهرها فعل يخالف القانون ويستوجب العقاب، لكنها لا تُرتكب في فراغ، بل تتجذر في بيئة مكانية وزمانية محددة تتفاعل فيها العوامل الاجتماعية والاقتصادية والبيئية.
وتُعرَّف جغرافية الجريمة بأنها: فرع من الجغرافيا البشرية يدرس الأنماط المكانية والزمانية للجريمة، ويربطها بخصائص المكان وظروفه المحيطة.

فالجريمة لا تتوزع عشوائياً؛ فكما يختار المستثمر موقع مشروعه بعناية، يختار المجرم المكان والزمان اللذين يحققان له فرصة النجاح بأقل قدر من المخاطرة.

ثانياً: أهمية دراسة جغرافية الجريمة

تبرز أهمية هذا العلم في كونه ينقل العمل الأمني من رد الفعل (الإجراءات العلاجية) إلى الفعل الاستباقي القائم على التحليل والبيانات (الإجراءات الوقائية).
ومن أبرز فوائده ما يلي:
١- تحديد البؤر الساخنة:
من خلال التحليل الإحصائي والمكاني يمكن رسم خرائط حرارية تُظهر المناطق التي تتركز فيها الجرائم، مما يمكّن الأجهزة الأمنية من توجيه مواردها بكفاءة.

٢- من التدابير العامة إلى الإجراءات الأمنية الموجَّهة: يمكن تصميم تدخلات أمنية خاصة وفق طبيعة وخصائص كل منطقة بناءً على الأنماط المكانية المكتشفة.

٣- دعم التحقيقات الجنائية: حيث أن الأنماط المكانية تساعد المحققين على بناء فرضيات دقيقة حول تحركات الجناة وربط الجرائم ذات النمط الجغرافي المشترك.

٤- التخطيط الحضري الآمن: وتُعد نتائج جغرافية الجريمة أداة مهمة للمخططين الحضريين عند تصميم المدن والأحياء الجديدة، لتضمين عناصر الوقاية من الجريمة عبر التصميم البيئي الوقائي مثل الإنارة الجيدة، والرقابة الطبيعية، وتخطيط الممرات المفتوحة.

ثالثاً: أبعاد جغرافية الجريمة والعوامل المؤثرة
١- البعد المكاني:
يدرس مواقع وقوع الجريمة: هل تقع في مركز المدينة أم في أطرافها؟ في مناطق تجارية أم سكنية؟ في أحياء منظمة أم عشوائية؟
ويُظهر التحليل أن الجرائم لا تتوزع عشوائياً، بل تتركز في بؤر محددة تتأثر بخصائص المكان مثل استخدامات الأراضي وقربها من الطرق الرئيسة أو ضعف الرقابة الأمنية، كما في الأسواق والمخيمات المكتظة والأطراف المفتوحة للمدن.

٢- البعد الزماني:
يركّز على متى تقع الجريمة — ليلاً أم نهاراً؟ في عطلات نهاية الأسبوع أم في أيام العمل ام في المناسبات الدينيةوالوطنية؟
ويتيح البعد تحليل لتوزيع الجرائم على مدار اليوم أو الأسبوع أو العام للكشف عن الأنماط الزمنية المتكررة.

٣- البعد البيئي والحضري:
يدرس تأثير الخصائص العمرانية والتخطيطية في النشاط الإجرامي، مثل سوء الإضاءة، ووجود المباني المهجورة، وضعف الرقابة الطبيعية، وغياب العنوان و الترقيم للشوارع والاحياء والمساكن والمنشآت التجارية ، وهي جميعها عوامل تخلق بيئة خصبة للجريمة وتحدّ من فعالية الاستجابة الأمنية.

٤- البعد الاجتماعي والاقتصادي:
ترتفع معدلات الجريمة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية أو التي تعاني من الفقر والبطالة أو عدم التجانس السكاني . وهذه ليست مبررات للجريمة، بل مؤشرات تساعد على فهم بيئتها الحاضنة وتحليل العلاقة بين معدلات الجريمة والخصائص الاجتماعية والاقتصادية للسكان.

ختاماً:
إن دراسة المكان والزمان في وقوع الجريمة يعد ضرورة استراتيجية لتحقيق أمن واستقرار مستدام.
حيث أن قراءة جغرافية الجريمة تمنح صانع القرار الأمني القدرة على تجفيف منابع الجريمة، وتحويل الأمن من ردّ فعل بعدي إلى تخطيط استباقي.
كما تُحوِّل الخرائط من صور جامدة إلى أدوات حيّة لفهم الإنسان وسلوكه.

فبدلاً من أن نسأل فقط: من الفاعل؟
علينا أن نسأل أيضاً: ما الذي يجعل هذا المكان، وفي هذا الزمان بالذات، بيئة خصبة للجريمة؟
والإجابة لا نجدها في ملفات التحقيق وحدها، بل في قراءة وتحليل جغرافية الجريمة.

زر الذهاب إلى الأعلى