في الذكرى الرابعة لاستشهاده.. العميد/ مسعد الصيادي إرث نضالي وتضحيات ملهمة

سبتمبر نت/ نواف البتول
تتزامن ذكرى ثورة 14اكتوبر 1963م مع ذكرى رحيل أحد قادة الجيش الوطني الأبطال الذين خطّوا بدمائهم أنصع صفحات التضحية والفداء في سجل الدفاع عن الوطن والجمهورية، ففي السادس عشر من أكتوبر عام 2021م، ارتقى العميد الركن/ مسعد الصيادي شهيدًا مجيدا وهو يقف في الصفوف الأولى يقود رفاقه في معركة مقدسة بجبهة الجوبة بمحافظة مأرب، بعد مواجهةً شرسة ضد مليشيا الحوثي الإرهابية، وهو يردد بإيمان راسخ: «نموت لتبقى اليمن حرةً جمهوريةً عزيزة».
سطور من نور
ولد الشهيد مسعد أحمد الصيادي، المكنّى بـ«الرايد»، عام 1962م في قرية مارش بعزلة حدة في مخلاف العود بمديرية النادرة، محافظة إب، في أسرة أصيلة مشبعة بروح الوطنية والولاء للجمهورية.
نشأ في بيئة متواضعة لكنها غنية بالقيم الأصيلة، فغُرس في نفسه منذ الصغر حب الوطن، ورفض الظلم، ومقاومة الاستبداد، والإيمان بأن الحرية لا تُوهب بل تُنتزع بالتضحية والإصرار.
تلقى العميد الصيادي تعليمه الأولي في معلامة قريته كبقية أبناء جيله، لكنه كان يختلف عنهم بطموحه الكبير وحلمه بأن يكون جندياً في خدمة الوطن.
تاريخ حافل
في عام 1975م، التحق الصيادي بالسلك العسكري، ليبدأ مسيرة طويلة من البذل والعطاء، ومنذ خطواته الأولى، برزت شخصيته القيادية، فانضم إلى دورة الصاعقة عام 1976م وتخرج منها بامتياز، محققًا المركز الأول على دفعته، ونال جائزة الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي تكريمًا لتفوقه، لقد كان انضباطه، والتزامه، وحبه للمؤسسة العسكرية دليلاً على وعيه المبكر بأن الجيش هو حارس الوطن ودرعه الحصين.
بعد اغتيال الرئيس الحمدي عام 1977م، غادر الصيادي إلى المهجر متأثرًا بتحولات المرحلة، لكنه لم يلبث أن عاد إلى أرض الوطن في عام 1980م، ليشارك في صفوف ما عرف بالجبهة في المناطق الوسطى، شارك في معارك مخلاف خبان والعود إلى أن اضطر للنزوح إلى جنوب اليمن عام 1982م ضمن اتفاق السلام بين سلطة صنعاء والجبهة الوطنية الديمقراطية، ليواصل هناك مسيرة نضاله الوطني والعسكري.
في عام 1986م، التحق بالكلية العسكرية في عدن (صلاح الدين) ضمن الدفعة الخامسة عشرة، وتخرج عام 1987م برتبة ملازم ثانٍ، متخصصًا في العلوم العسكرية والسياسية، حاصلاً على دبلوم في العلوم العسكرية، ومنذ ذلك الحين، بدأ مشواره العملي، فكان ضابطًا مثقفًا وملتزمًا بمهنيته العالية، متميزًا بحنكته القيادية وحسه الوطني الرفيع.
تقلد الشهيد خلال مسيرته العسكرية عددًا من المناصب القيادية في سلاح الدفاع الجوي، أبرزها: نائب سياسي للكتيبة الخامسة دفاع جوي في اللواء 28 بقاعدة العند، ثم أركان الكتيبة الخامسة، ومدير دائرة الأشغال في اللواء 160 دفاع جوي بصنعاء، ثم قائد معسكر اللواء 160 بقاعدة الديلمي الجوية، ومدير دائرة النقل، ثم قائد كتيبة صواريخ دفاع جوي في الفريجة، وأخيرًا رئيس عمليات اللواء 160 دفاع جوي بصنعاء.
اخلاص وطني
عرف عنه زملاؤه وجنوده أنه قائد من الميدان لا من المكاتب، يعيش بين أفراده، ويقاسمهم الصعاب، يسبقهم إلى الخطوط الأولى لمواجهة العدو، ويمنحهم من روحه الصلبة وعزيمته الثابتة ما يعزز معنوياتهم ويضاعف ثقتهم بالنصر، كان صارمًا في الانضباط، لكنه حنون في معاملته، متواضعًا رغم رتبته، مقدامًا في المواقف، مخلصًا لوطنه حتى آخر رمق.
لم يكتفِ الصيادي بخبرته الميدانية، بل واصل تطوير نفسه علميًا ومهنيًا، فالتحق بعدد من الدورات النوعية التي أهلته ليكون من أبرز ضباط الجيش اليمني كفاءةً وكاريزما، منها دورة قادة كتائب في معهد الشهيد الثلايا بعدن عام 1993م، ودورة قادة ألوية في معهد الدفاع الجوي بصنعاء، والدورة الحتمية الثانية عام 2009م، محققًا في جميعها تقديرات ممتازة، إلى جانب حصوله على شهادات تقديرية عدة تثمينًا لجهوده وانضباطه وتفانيه في أداء مهامه الوطنية.
وعند مهاجمة مليشيا الحوثي الارهابية العاصمة صنعاء وانقلابها على اجماع اليمنيين وسيطرتها على الدولة والجمهورية عام 2014م، كان الصيادي في طليعة الضباط الذين لبّوا نداء الواجب الوطني، إذ عُيّن عام 2015م رئيسًا لعمليات اللواء 143 مشاة في مأرب، وهناك خاض سلسلة من المعارك البطولية في مختلف الجبهات، دفاعًا عن مأرب واليمن الجمهوري، كان يؤمن أن المعركة ليست مجرد صراع عسكري، بل قضية مصير بين مشروع وطني جمهوري، ومشروع كهنوتي ظلامي خرافي يريد إعادة اليمن إلى عصور الإمامة والاستعباد.
شموخ وإباء
وفي ميادين مأرب، حيث النار والدخان، وقف العميد الصيادي شامخًا كالجبل، يبعث في جنوده روح الإقدام والثقة، ويقود المعارك بنفسه متنقلا من جبهة الى أخرى وفي جبهة الجوبة، كان موعد القائد البطل مع القدر، ففي السادس عشر من أكتوبر 2021م، وبينما كان يقود إحدى المعارك البطولية، ارتقى شهيدًا مرفوع الرأس، مبتسمًا كما لو كان على موعدٍ مع النصر الأبدي.
ارتقى إلى ربه راضيًا مطمئنًا، بعد حياة حافلة بالعطاء والنضال، حاملاً راية الجمهورية التي لم يفرّط فيها لحظة واحدة.
وبرحيله، فقدت اليمن واحدًا من أنبل رجالها، وودّع الجيش أحد قاداته المخلصين، لكن إرثه النضالي سيبقى حاضرًا في ذاكرة رفاقه وتاريخ الوطن.
قائد ملهم
لقد كان الصيادي نموذجًا للقائد الوطني الملهم الذي جمع بين العلم والخبرة، وبين الإنسانية والقوة، وبين الإيمان بالمبدأ والإخلاص للرسالة.
إن استذكار سيرته اليوم هو تجديد للعهد بأن دماء الشهداء لن تذهب سدى، وأن تضحيات القادة الأبطال أمثال العميد مسعد الصيادي ستظل وقودًا يضيء درب اليمنيين في معركة التحرر واستعادة الدولة والجمهورية.
رحم الله الشهيد العميد الركن مسعد أحمد ناجي الصيادي، وجعل مثواه الجنة، وأبقى روحه خالدة في وجدان الأحرار.
المجد والخلود للشهداء الأبرار… والعزة والكرامة لليمن وأبنائه الأوفياء.