الباحث الدكتور ثابت الأحمدي لـ«26سبتمبر»: لا كرامة لأي يمني إلا بثورة 26 سبتمبر ولا حياة له إلا بها

سبتمبر نت/ حوار – منصور الغدرة
اليمن الذي وصفه الله من سابع سماء بالبلدة الطيبة، وأسماه الرحالة الأوروبيين بالعربية السعيدة، منذ أن وطئت أقدام الإرهابيين يحيى الطبطبائي وإبراهيم الجزار، في نهاية القرن الثاني هجرية، لم يعرف اليمن الامن والاستقرار، وشعبه في حالة احتراب وحرب ضد سلالة فارس التي تريد ان تغير دينه بدينها المجوسي لكي تستعبده وتخرجه من دين الاسلام إلى دين الشركيات، وعبادة نار فارس، حتى جاء فجر الخميس الـ٢٦ من سبتمبر ١٩٦٢، لينتصر الشعب اليمني على هذه السلالة الفارسية الامامية، وبذلك استطاع اليمنيون الأحرار تتويج نضالاتهم التي دامت لأكثر من ١٢٠٠سنة والقضاء على كهنة العصر، بثورة ٢٦ سبتمبر المجيدة، ودفن أحلام الإمامة تحت الانقاض، بقيام النظام الجمهوري، والدفاع عنه في حرب استمرت لأكثر من سبع سنوات.
وفي مناسبة احتفالات شعبنا الأبي بعيد ثورته (الـ63 لثورة 26 سبتمبر والـ62 لثورة 14 من أكتوبر)، تجدها صحيفة «26سبتمبر» فرصة في مشاركتهم الاحتفاء بهذه المناسبة العظيمة، ومعرفة اسباب عودة الآفة والسرطان الخبيث الذي ينهش جسد الثورة والجمهورية، ومعها تساؤلات كثيرة تبحث إجابة عنها، لاشك أنها ستجدها لدى الباحث والمؤرخ الدكتور ثابت الأحمدي، مستشار مكتب رئاسة الجمهورية؛ فإلى تفاصيل الحوار:
– بداية- وبمناسبة الذكرى الثالثة والستين لثورة السادس والعشرين من سبتمبر- فضلا، لمحة موجزة عن حال اليمنيين قبل الثورة وبعدها؟
مرحبًا أخي العزيز، أحييك، وأحيّيْ صحيفة “26 سبتمبر”، وسبتمبر مجيد أولاً، عليك وعلى كل يمني في الداخل والخارج.
في الواقع، الحديث عن مرحلتي ما قبل سبتمبر، قياسًا إلى ما بعدها حديث عن الظلمة والنور، عن المرض والصحة، عن الجهل والمعرفة، عن العدم والوجود. ولعل أوجز وأجمل مقارنة بين العهدين هي مقارنة رائي اليمن وشاعرها الأكبر الاستاذ عبدالله البردوني، في بيت واحد، ورد ضمن قصيدته الشهيرة: “ذات يوم” التي نظَمها بهذه المناسبة العظيمة آنذاك، في قوله:
فولى زمانٌ كعِرضِ البَغيّ وأشرقَ عهدٌ كقلبِ النبي
هذه إجابة مختصرة، مختزلة، وجيزة ودقيقة، ولك أن تتخيل الفارق بين الصورتين! ولن أزيدَ على هذا.
الإمامة سرطان
– مزيدًا من التوضيح لنضع القارئ أمام صورةٍ أشمل وأوضح؟
لا بأس؛ الإمامة سرطان اليمن، وداء عضال، وما يفعله السرطان الخبيث بالجسد، فعلته وتفعله الإمامة باليمن، تمامًا، لا فرق، منذ جاء المجرم الأول إبراهيم الجزار إلى اليمن مطلع القرن الهجري الثالث، ومنذ جاء بعده أيضا السفاح يحيى حسين الرسي، نهاية القرن نفسه، وتبعه أيضا أبناؤه وأحفاده من بعده، ولا يزالون إلى اللحظة، لا يزال السرطان ينهش في هذا الجسد المنهك إلى اليوم.
تأمل معي أخي العزيز، من أول يوم لوصول الرسي إلى اليمن في صفر 284هـ، لم تتوقف رحى الحرب اليمنية سنة واحدة قط. بين كل حرب وحرب حربٌ ثالثة، بين كل معركة وأخرى، معركة جديدة، جماجم تساقطت، ودماء سالت، إما مغرر بهم مع هذه السلالة البغيضة، أو مدافعين عن عدالة قضيتهم، كما هو الشأن اليوم، المشهد يعيد نفسه من جديد.
لهذا توقف الإنتاج، وتوقف العمل، وانتشر الفقر والجهل والمرض؛ لأنّ التنمية لا تقوم إلا في بلد آمن ومستقر، التجارة لا تزدهر إلا في السّلم، الزراعة لا تتوسع إلا في الأمان.
جاءت هذه الإمامة وحولت اليمني من تاجر يجوب البحار والمحيطات بسفنه، ومن مزارع يتعهد أرضه بكل أنواع الحبوب والفواكه بمنجله، إما إلى محارب قاتل، أو إلى مدافع عن أرضه وعرضه، إلى حد تمجيد الحرب، وتمجيد رجل الحرب، مقابل الحط من شأن العامل أو المزارع، وما التهوين والحط من شأن الحرفيين والعمال والمهنيين إلا ملمح من ملامح الثقافة الإمامية، حيث أشاعت بين الناس أن هذه المهنة أو تلك عيب وفيها نقصان وخرم مروءة، ليتركها اليمني ويلتحق بصفها قاتلا أو مقتولا.
المقابر السوق الرائج الوحيد
– هل ما يجري اليوم امتدادُ لسياستها القديمة؟
نعم، تمامًا. الحال من بعضه، دمرت الاقتصاد، مسخت التعليم، قوضت الأمن المجتمعي، شردت المواطنين في الداخل والخارج، فرضت تعاليمها المذهبية “الكنسية” على الناس، أشاعت الخوف والذعر بين المواطنين، أوجدت الأزمات الاقتصادية والنفسية، لم يعد من سوقٍ رائج اليوم إلا سوق جبهات القتال والمقابر. كسدت كل الأسواق عدا سوق المقابر، ووحدهم حفارو القبور اليوم الذين لا يتوقفون عن العمل ليلا ونهارًا، هذه هي الحرفة الوحيدة الرائجة التي تبقت لا غير. وانظر حجم المقابر التي توسعت في اليمن منذ العام 2014م وحتى اليوم. لا يوجد بلد في العالم لديه مقابر كاليمن، ولمحة واحدة على مقبرة الهجرين التاريخية في صعدة، والتي تزيد عن مد البصر تؤكد لك حقيقة هذه الجماعة ومشروعها الخبيث قديمًا وحديثا. مشروع مقابر، مشروع موت، مشروع فناء. هذه هي الإمامة، وهذه حقيقتها.
اليمنيون لم يقبلوا بها
– ما دام والإمامة بهذا السوء وهذا الخطر، برأيك لماذا قبل بها اليمنيون؟
ومن قال لك: إن اليمنيين قبلوا بها؟! لم يقبلوا بها قطعا من أول يوم، وبتتبع تاريخ الإمامة في اليمن من أول يوم لها ستجد أن حياة اليمنيين معها حرب، وحربهم معها حياة. تستل الإمامة سيف البغي، ويشرع اليمنيون سيف الدفاع عن أنفسهم في كل جولة من جولات الحرب، وكل حياة اليمنيين معها حرب، كما أسلفنا.
تأمل في تاريخ كل إمامٍ من أئمتهم من لدن الرسي، وحتى الحوثي، هل خلت سنة واحدة من الحروب؟ قطعا لا. كل إمامٍ منهم خاضَ مئات الحروب، وسياسية الحوثي اليوم امتداد لسياسة آبائه وأجداده، لا فرق.
لا تعايش بين الجلاد والضحية
– ألم يقولوا أن الزيدية والشافعية متعايشة في اليمن؟
فرق بين القول والواقع. هذا شعار يرفعه كرادلة الإمامة دائما، وينطلي على البسطاء من عامة الناس- للأسف- عن أي تعايش نتحدث؟ لا تعايش بين الجلاد والضحية، لا تعايش بين الأفعى القاتلة وحمامة السلام.
التعايش الذي يزعمونه سابقا هو نفسه التعايش الذي نعيشه اليوم، وانظر المشاهد كلها أمامك. منذ انقلاب هذه الجماعة على الدولة في 2014م واليمنيون في رعب وخوف وحروب، إضافة إلى الفقر والمرض والتجهيل الحاصل منذ تلك اللحظة، ناهيك عما تسبب به الحوثي من كوارث بحق الوطن وما جلبه من حروب خارجية، آخرها اليوم الحروب الإسرائيلية ضد اليمنيين.
بين اليمنيين والإمامة
– حبذا لو توقفنا عند الدوافع النظرية، أو الأصول النظرية والدينية لهذه الجماعة..؟.
حسنًا هذا السؤال.. ثمة خلاف على الصعيد النظري قبل العملي بين الإمامة واليمنيين. خلاف عقائدي بالمقام الأول، يرجع إلى كون الإمامة/ الحكم/ البطنين/ عليٌّ وبنوه أصل من أصول العقيدة عن الهادوية الجارودية، والشيعة بشكل عام، فيما هذه مسألة الحكم عند أهل السنة بشكل عام مسألة دنيوية، لا تدخل في باب العقائد أساسا، لا ميزة كبرى للإمام علي إلا ميزة الصحبة، كأي صحابي من صحابة رسول الله، فيما هو عندهم غير ذلك. هذا هو جوهر الخلاف والاختلاف الذي يُعتبر في حقيقته عقائديا، لا فقهيا. ومن هنا يكفّرون اليمنيين قاطبة، ويكفرون كل من لم يقل بإمامة البطنين، وكتبهم موجودة، تقرر ذلك، ولا نقول هذا من عند أنفسنا. كتبهم الدينية تطفح بلعن الصحابة، كبتهم تطفح بالعنصرية، تطفح بالتكفير. كل يمني في نظر الإمامة مباح الدم، مباح المال. وما يمارسونه اليوم ضد أي يمني هي عقيدة دينية قبل أن يكون خلافا سياسيا.
نحن أمام نسخة قاعدية، داعشية، إنما شيعية، بل وأسوأ من ذلك. ولهذا تم تصنيفهم جماعة إرهابية من قبل الحكومة اليمنية، ومن قبل الإقليم، ومن قبل المجتمع الدولي.
كلمة باطل أريد بها باطل
– يردد بعضهم اليوم-وإن بلغةٍ خجولة وغير صريحة-بأن نظام الجمهورية قد فشل خلال العقود الماضية، وبالتالي لا بدّ من عودة نظام الإمامة.. ما رأيك؟
كلمة باطل أريد بها باطل لا أكثر. من اليوم الثاني لقيام ثورة السادس والعشرين من سبتمبر تحقق الكثير لليمنيين، وإن لم يكن بحجم أحلامهم وتطلعاتهم. يوم 26 سبتمبر 62 خرج اليمنيون فيه من الظلمات إلى النور، وُلدوا من جديد، ولن أكون مبالغًا إذا قلت عرفوا دينهم الحق الذي نزل من السماء، وقد قد أشرك الإماميون بالله أصنامًا بشرية أخرى. سبتمبر طوق النجاة لليمنيين قديما وحديثا.
وتأكد أخي الكريم أنه لا كرامة لأي يمني إلا بسبتمبر، لا حياة له إلا بها، لا استقرار لها إلا بها. بغير 26 سبتمبر لن يعرف اليمنيون طعم الحياة. نتكلم عن سبتمبر القيم، سبتمبر المشروع، سبتمبر الروح اليمنية الجامعة التي قادها أحرار وعظماء اليمن آنذاك.
أعدل ثورة في التاريخ
– هل تحققت أهداف 26 سبتمبر؟
نعم، تحققت كاملة، وإن كانت منقوصة في بعضها، وذلك لخيانة هؤلاء الكهنة الذين كانوا سببا مباشرًا في ذلك، لقد مارسوا التقية الشيعية وتظاهر بعضهم بالولاء للدولة وللنظام الجمهوري، ولكنه عمل في نفس الوقت على نخره وتدميره من الداخل.
بعد سبتمبر عرفنا النظام الجمهوري العادل، عرفنا التعليم، عرفنا الصحة، عرفنا الجامعات، عرفنا العالم من حولنا، وقد كانت مدينة صنعاء تغرق في الظلام، وتُغلق كل يوم من بعد المغرب.
كانت ثورة 26 سبتمبر أعدل ثورة في التاريخ، ثورة إنسانية بالمقام الأول، أنقذت شعبًا كاملا من الانقراض والتلاشي والدمار، تخيل كان عدد اليمنيين “الشطر الشمالي من الوطن” في العام 1900م، أي مطلع القرن العشرين ثمانية ملايين نسمة، وحين قامت ثورة 26 سبتمبر كان عددهم أربعة ملايين ونصف، وانظر حجم التلاشي وحجم الانقراض، بفعل الأمراض والنزوح والتهجير الذي طال اليمنيين خلال ما يزيد عن نصف قرن. والسبب كهنة بيت حميد الدين الذين كانوا امتدادًا لآبائهم وأجدادهم من قبل. اليوم ذات الحال، ما يقارب نصف مليون يمني قتيل تسبب به الحوثي، ولا تزال آلته التدميرية تطحن اليمنيين إلى اليوم.
حقدهم على الثورة لن يزول
– مليشيا الحوثي السلالية تنتهج التدمير لكل ذي صلة بثورة ٢٦ سبتمبر وبالجمهورية، برأيك ما السبب؟ وكيف يمكن مواجهة ذلك؟!
هذا طبيعي بالنسبة لكهنة الإمامة أن يقفوا على النقيض من سبتمبر. الشياطين والملائكة لا يقفون على صعيد واحد، الظلام والنور لا يلتقيان، الجهل والعلم لا يتفقان، العبودية والحرية لا يتصالحان. نعرفهم تماما، ويعرفوننا أيضا، نعرف أننا لا نلتقي معهم، ويعرفون أننا على النقيض منهم.
حقدهم على ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 62م لن يزول حتى قيام الساعة، ونحن نعي ذلك تماما، لهذا حاولوا، ويحاولون استبدال هذا اليوم الأغر بيوم “الضرار” في 21 سبتمبر، ولكن هيهات، هذا يوم العار، يوم أسود في حياة اليمنيين، سيتم محوه بإرادة كل يمني.
سبتمبر رعب للحوثي
– لعلك رأيت وتابعت موقفهم من الشباب المحتفلين بالثورة كل سنة، ومحاولة الحوثي منعهم من ذلك إلى ماذا يعود خوفها من الاحتفاء بعيد ثورة ٢٦سبتمبر؟
نعم، الحوثي مرعوب من هذه المناسبة التي تشكل له كابوسًا سنويا مخيفا، مع أن الأمر يسير جدا، مجموعة شباب سلميين يخرجون حاملين العلم الجمهوري في الشوارع لا أكثر. أغلبهم، إن لم يكن كلهم غير منتمين لأحزاب سياسية، وليسوا مرتبطين بأي جهة، فقط شعور ومزاج شعبي، ومع هذا يرى الحوثي فيهم جيشا جرارًا يهدد وجوده، لا عجب في الواقع. اللص ينتظر دائنه أي وقت. المجرم يتوقع سيف العدالة أي لحظة.
معركة الوعي الوطني
أما عن مواجهة هذه السياسة، فأقول لك :اطمئن أخي، الوعي اليوم بعظمة 26 سبتمبر المعظم، يتنامى ويتزايد يوما بعد يوم، 26 سبتمبر ليس يوما عابرا؛ بل عقيدة وثقافة وروح في وجدان كل يمني، في السهل والجبل، في الريف والمدينة على حد سواء. وهذه أكبر ضمانة شعبية لديمومتها وبقائها واستمرارها. الشعب هو الضامن لمكتسباته التاريخية.
ولا بد مع هذا من آليات لتعزيز هذه العقيدة في نفوس الناشئة على وجه التحديد، وفي وجدان الشعب، من خلال عدة برامج ومصفوفات، تنفذها الجهات ذات العلاقة في الإعلام والثقافة والشباب والإرشاد والتعليم والتوجيه المعنوي، وهكذا.
تحصين الثورة غيب
– برأيك كيف تقيم أداء الفترة العقود السابقة منذ قامت الثورة حتى انقلاب المليشيا الحوثية على الدولة في 2014م؟
في الحقيقة لا مناص من الاعتراف أنّ ثمة تقصيرًا، وتقصيرًا ليس يسيرا من قبل الجميع، لم تحصل عملية تحصين وحماية كاملة للثورة، قامت سبتمبر السياسة، وسبتمبر الثورة، لكن سبتمبر الثقافة لم تكن بالمستوى المأمول، الثورة الثقافية كانت أقل، ولهذا ندفع الثمن اليوم، ولو تم تحصين الشعب والأجيال التحصين الكامل من نفثات الإمامة وهمزها ولمزها لما وقع الفأس في الرأس، ولما كان 80% من اليمنيين اليوم تحت خط الفقر، ولما كان المتشردون بالملايين.
للشعوب عقائدها الوطنية كما لها عقائدها الدينية، وإن النيل من عقائد الأوطان كالنيل من عقائد الأديان على حد سواء. وبقدر النيل منها والتقصير تجاهها تكون الكوارث. وها نحن اليوم في وسط الكارثة، ندفع ثمن تقصيرنا نحن وأبناؤنا. الرعيل الأول من الأحرار كانوا متسامحين مع الكهنة حد السذاجة، ولو كانوا حاسمين، حازمين، لما دفعنا الثمن اليوم، ولما تشردنا، ولا نريد تكرار المأساة مرة ثانية، لا نريد لأبنائنا أن يدفعوا فاتورة دم جديدة، نريد وضع حد نهائي لهذه الجماعة الكهنوتية البغيضة.
أسباب عودة الإمامة
– هل تعزو عودة فلول الإمامة اليوم إلى المصالحة الوطنية التي اعقبت حرب الدفاع عن الجمهورية؟ أم إلى تسامح الجمهورية؟ أم إلى ضعف مؤسسات الدولة؟ أم يعود إلى الصراع الجمهوري الجمهوري؟!
تستطيع القول: كل ذلك مجتمعًا، مرة واحدة. القضايا الكبرى يصعب حصر مدخلاتها في عامل واحد، ثمة عوامل مجتمعة شكلت هذه الكارثة. وقد ذكرت سابقا أن التسامح الكبير من قبل الرعيل الأول من الأحرار كان مبالغا فيه تجاههم، لهذا استغلوا طيبة اليمنيين وتسامحهم وعادوا من جديد، وفي المثل السائر: “من أمِنَ العقوبة اساء الأدب”. لقد أمِنُوا العقوبة، فتمادوا في طيشهم وحماقاتهم، لكن لن يفلتوا هذه المرة، وأنا واثق أن هذه آخر انتفاشة لهم، وآخر ظهور. سيدفعون الثمن أضعافًا مضاعفة. ثق بذلك. الوعي اليوم متنامٍ ومتزايد. والمرحلة مستقبلا غير المراحل السابقة. الفضاءات المفتوحة أتاحت أبعادًا أخرى وجديدة في الوعي، ليست في صالح الحوثي، والإمامة بشكل عام قطعا.
الإمامة لا تشبه أي نظام
– سؤال خطر على ذهني الآن، كان يجب أن نطرحه في البداية، ما حقيقة نظام الإمامة؟
حسنا، الإمامة نظام ثيوقراطي كهنوتي رجعي متخلف، غارق في الماضي، لا ينتمي لروح العصر، ولا علاقة له به، النظرية الهادوية فشلت في نهاية القرن الثالث الهجري، ما بالك اليوم؟
– أسألك عن طبيعتها السياسية؟
الإمامة ليست جمهورية، وليست ملكية، وليست أميرية، وليست شيئا من ذلك كله، نظام رجعي كهنوتي كما أسلفت، وإن ادعت غير ذلك. يا رجل، ببساطة، لو كان آل حميد الدين ملوكا كما يدعون، كأي نظام ملكي لكانوا يحكموننا إلى اليوم..! لو كان للحوثي مشروع سياسي وطني جامع لكان استقر له الأمر، لكن الشعب متفجر، غاضب، متذمر، كل يوم تتفجر حركة في مكان، كل يوم تندلع مقاومة في منطقة. باختصار.. الإمامة لا تشبه أي نظام، ولا يشبهها أي نظام.
تقصير في التنوير
– أين تقف المؤسسات التعليمية والأكاديمية اليمنية اليوم مما يتعرض له التعليم من تجريف من قبل مخلفات الإمامة السلالية؟ ألا ترى أنها مقصرة في مهمتها الوطنية في هذا الجانب؟
إلى حد كبير ساهمت المؤسسات التعليمية والأكاديمية من وقت مبكر في التنوير والتثقيف والوعي، مع الاعتراف ببعض التقصير كما أسلفت، وما الوعي الحاصل اليوم في مختلف مناطق اليمن إلا نتاج هذا التنوير الكبير، سواء من خلال هذه المؤسسات، أم من خلال الأحزاب السياسية، والمنتديات والمراكز، كلها ساهمت في خلق مشهد ثقافي يمني كبير، لن ننسى بالمناسبة الدور التنويري الكبير الذي قام به الدكتور عبدالعزيز المقالح رحمه الله من خلال مركز الدراسات والبحوث اليمني، ومن خلال جامعة صنعاء، لن ننسى الدور التنويري الكبير لمؤسسة الجمهورية والجمهورية الثقافية وصحيفة الثقافية، وتحديدا من خلال رئيسها، ثم رئيس مجلس إدارتها لاحقا الأستاذ القدير سمير اليوسفي، لن ننسى الدور التنويري الكبير الذي لعبه الأستاذ القدير خالد الرويشان في وزارة الثقافة، لن ننسى الدور التنوير والفكري الذي لعبه أستاذ كبير ومعلم محترم هو الأستاذ نصر طه مصطفى من خلال وكالة الأنباء اليمنية سبأ، في فترتها الذهبية. لن ننسى الدور التنويري الكبير لشاعر اليمن الأول عبدالله البردوني في مختلف مؤلفاته. لن ننسى دور اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، ورؤسائه المتعاقبين من الاستاذ المناضل المرحوم عمر الجاوي، والمرحوم الاستاذ حسين علي هيثم، وغيرهم.. هذه قلاع ثقافية كبرى، كانت لها مساهماتها الكبيرة، ودورها مشهود إلى اليوم.
مسألة وقت لا غير!
– هل نستطيع القول أن الجمهورية فشلت أو انها تواجه خطر فلول الامامة؟
قطعا لا. لم تفشل أبدا. الدولة موجودة من خلال مركزها الدستوري، برئاسة رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد محمد العليمي-حفظه الله- وإخوانه في المجلس، وأيضا من خلال الحكومة، وبقية مؤسسات الدولة، المؤسسة العسكرية والأمنية تقاوم اليوم وبشدة، الجبهة الثقافية والإعلامية على أشدها، برئاسة معالي وزير الإعلام والثقافة والسياحة معمر الإرياني.
جبهة الوعظ والإرشاد الديني قائمة برئاسة معالي الوزير محمد عيضة شبيبة، القبائل اليوم حائط صد ضد هؤلاء الكهنة. هيهات أن تنال القوارض الإمامية من جمهوريتنا هيهات.
صحيح أن ثمة ترنحا، وهزة من الهزات، لكني أجزم أن شعبنا العظيم سيتجاوزها، وسيعبر المضيق. يا أخي العزيز الإمامة سقطت وهي دولة قائمة يوم ٢٦سبتمبر 62م، فهيهات أن تعود اليوم وهي عصابة مذمومة في القرن الواحد والعشرين.
الجبهة السياسية قائمة، الجبهة العسكرية قائمة، الجبهة الثقافية والإعلامية قائمة، شعبنا حي ومدرك لخطر السرطان الإمامي الخبيث. والمسألة مسألة وقت لا أكثر.
٢٦ سبتمبر ثورة إنسانية
– كان للالتفاف الشعبي حول ثورة ٢٦ سبتمبر و١٤ أكتوبر دورٌ بارزٌ في نجاح الثورة وقيام الجمهورية.. أين يقف هذا الدور في ظل محاولة مليشيا الحوثي “الامامة الجديدة” التي تعمل بكل بقوتها لطمس معالم تلك الثورة وسلخ الهوية اليمنية عن عروبتها؟!
لا شك، ثورة السادس والعشرين من سبتمبر أعدل ثورة إنسانية في تاريخ كل الثورات قاطبة، نظرا لطبيعةِ النظام الكهنوتي الإمامي، المغرق في التخلف، وهي التتويج الختامي لمئات المحاط النضالية الإمامية ضد هذه السلالة الخبيثة التي نكلت باليمنيين وشردتهم من وقت مبكر، ولا تزال.
منذ الإعلان الجمهورية الأولى في السادس والعشرين من سبتمبر هبت صقور الجمهورية، وهبّ الشعب اليمني معلنًا ولاءه للنظام الجمهوري الجديد، ولهذا نجحت الثورة رغم المكائد، ورغم الثورة المضادة التي قادها الكهنة ضد ثورة الشعب، واستمرت حتى العام 1970م.
وعلى أية حال، لن تستطيع جماعة الحوثي الكهنوتية طمس أنوار وفكر وعقيدة 26 سبتمبر من وجدان الشعب اليمني.