
سبتمبر نت/ مقال – توفيق الحاج
ينصّ الهدف الأول من أهداف الثورة على “التحرر من الاستبداد والاستعمار ومخلفاتهما، وإقامة حكم جمهوري عادل، وإزالة الفوارق والامتيازات بين الطبقات.”
بالنظر في صيغة هذا الهدف نجده ينقسم إلى ثلاث ركائز محورية، تمثل جوهر المشروع الثوري السبتمبري وأساس التغيير الحقيقي، أبرزها التحرر من الاستبداد والاستعمار وقد جعلت هذه العبارة أول العبارات انطلاقا من أن اليمن قد عانى لعقود طويلة من نظام إمامي كهنوتي استبدادي، ومن تبعات الاستعمار المباشر وغير المباشر، فكلاهما رسّخ بنى القهر والتخلف لذلك، كان التحرر من هاتين السلطتين الظالمتين خطوة أولى وأساسية على طريق بناء دولة حديثة، تستمد شرعيتها من إرادة الشعب، لا من إرث سلطوي أو نفوذ خارجي.
أما الركيزة الأساسية في هذا الهدف فهي إقامة حكم جمهوري عادل، وهذا يشير إلى أن الهدف الأول لم يكتف بالدعوة إلى “الجمهورية” كبديل شكلي عن الملكية، بل شدد على صفة العدالة في الحكم، وهذا أمر بالغ الأهمية، وإدراك مبكر من قبل الثوار بأن الجمهورية إن لم تكن عادلة فإنها تتحول إلى نسخة جديدة من الاستبداد.
العدالة هنا تعني المساواة في الحقوق والواجبات، وتكافؤ الفرص بين جميع المواطنين، بغض النظر عن نسبهم أو انتمائهم الاجتماعي، وهذا المفهوم يأتي في مواجهة مباشرة مع الحكم الإمامي الذي اعتبر السلطة حقاً إلهياً محصوراً في سلالة بعينها.
ومن الركائز الأساسية التي تضمنها الهدف الأول “إزالة الفوارق والامتيازات بين الطبقات”, وقد عكست هذه العبارة عمق المظالم التي عانى منها الشعب اليمني في ظل الحكم الإمامي، حيث كانت المناصب والوظائف والتعليم والصحة امتيازات حصرية تُمنح لعائلات وسلالات بعينها، دون سواها.
كان القاضي يتوارث القضاء، والعامل (مدير المنطقة) يرث منصبه، والتعليم والخدمات الأساسية كانت حكراً على قلة من الأسر ذات النفوذ, هذا الشكل من الظلم المؤسسي هو ما سعت الثورة إلى اقتلاعه، بإرساء نظام يقوم على تكافؤ الفرص ويمنح كل مواطن الحق في أن يتعلم ويُعالج ويشارك في الحكم دون تمييز أو توريث.
إن الهدف الأول من أهداف ثورة 26 سبتمبر، يشكّل حجر الزاوية وعمود البناء الذي لا يمكن تجاوزه أو القفز عليه نحو بقية الأهداف الستة، فهو ليس مجرد هدف عابر، وإنما الشرط الأساسي لتحقيق بقية المبادئ، ويتجلّى عمق هذا الهدف في مفرداته الثلاث الأولى: “التحرر من الاستبداد والاستعمار”، وهي كلمات تحمل في طيّاتها الحلم الإنساني الأزلي بالحرية والكرامة، وتعبّر عن الفطرة السليمة التي فُطر عليها البشر، والمنسجمة مع سنن الله في الكون والوجود.
الاستبداد هنا يشير إلى الظلم الداخلي، بينما يمثل الاستعمار وجهاً للظلم الخارجي، وقد اجتمعت الكلمتان لتعبّرا عن واقع مزدوج فرض على اليمن ظلماً من الداخل ممثلاً بالإمامة، ومن الخارج ممثلاً بالاحتلال البريطاني، إلا أن المفارقة التاريخية أن كلا النوعين من الظلم تركزا في كيان واحد، تمثّل في الأسرة الإمامية التي عكست الاستبداد السياسي والديني في آنٍ معاً.