26 سبتمبر.. مشروع وطني صاغته ذاكرة شعب عريق

سبتمبر نت/ مقال – د. محمد علي مفتاح
في الذكرى الثالثة والستين لثورة السادس والعشرين من سبتمبر يقف اليمنيون أمام لحظة كونية أعادت صياغة تاريخهم وأعادت تعريف هويتهم وأعادت بناء علاقتهم بذواتهم وبالعالم من حولهم فليست هذه الثورة حدثا سياسيا عابرا أو انتفاضة محلية محدودة بل هي نقطة تحول تاريخية صنعت انقطاعا جذريا مع ماض طويل غارق في العزلة والتخلف والاستبداد إذ أطاحت بنظام الإمامة الكهنوتي الذي حوّل اليمن قرونا متطاولة إلى سجن كبير يرزح فيه الشعب تحت أثقال الجهل والفقر والمرض وأبقى البلاد في عزلة مقصودة عن مسارات التحول التي شهدها العالم الحديث فجاء سبتمبر ليكسر تلك العزلة ويعلن ولادة اليمن الجمهوري حاملا معه بشائر الحرية والعدالة والمساواة وممهدا الطريق لالتحام الشعب بمسيرة الحضارة الإنسانية الحديثة
لقد كان السادس والعشرون من سبتمبر زلزالا سياسيا واجتماعيا وثقافيا لم تقتصر ارتداداته على حدود اليمن الجغرافية بل امتدت إلى المنطقة بأكملها إذ تزامن اندلاع الثورة مع صعود المد التحرري في الوطن العربي والعالم الثالث ضد الاستعمار فشكلت اليمن بذلك جزءا من حركة كبرى لإعادة رسم موازين القوى الدولية وأربكت حسابات الإمبراطورية البريطانية في جنوب الجزيرة وفي عدن التي كانت تتوهم خلود سيطرتها على المضايق والموانئ الاستراتيجية غير أن اليمنيين الذين فجّروا ثورتهم أكدوا للعالم أنهم ليسوا هامشا في التاريخ بل فاعلون فيه صناع له يقررون مصائرهم بأيديهم.
إن هذه الثورة لم تكن فعلا سياسيا مجردا بل كانت مشروعا وطنيا شاملا صاغه الدم والتضحيات وأنتجته ذاكرة شعب عريق خبر مرارات الاستبداد وذاق قسوة الحرمان فكانت سبتمبر تتويجا لمسار طويل من النضالات والانتفاضات منذ أربعينيات القرن العشرين مرورا بثورات ثمانية وأربعين وخمسة وخمسين وتسعة وخمسين وواحد وستين لتجيء اللحظة الفاصلة في اثنين وستين حيث تداعت إرادة الضباط الأحرار والعلماء والطلاب والفلاحين والعمال والمثقفين والمشايخ والأعيان لتعلن انتهاء زمن الطغيان وبدء عهد الجمهورية.
إن عظمة هذه الثورة أنها لم تكتف بإسقاط رأس النظام الاستبدادي بل استهدفت جذوره الفكرية والاجتماعية والسياسية فنسفت أسطورة الحق الإلهي وحررت الإنسان اليمني من فكرة أنه مخلوق لخدمة أسرة أو سلالة أو جماعة وأكدت أن الوطن لكل أبنائه وأن السلطة عقد اجتماعي ينبثق من إرادة الشعب لا من وصاية دينية أو عرقية أو سياسية ولذلك فإن سبتمبر ليست ذكرى للاحتفال العاطفي فحسب بل هي عقد مستمر يضع على كاهل الأجيال الحاضرة مسؤولية حماية مبادئها وتجديد أهدافها في مواجهة أشباح الماضي ومحاولات إحياء الكهنوت بأسماء جديدة وأدوات مختلفة.
إن هذه الثورة التي لم تعرف الانتقام ولم ترفع شعارات الثأر جسدت إنسانيتها منذ لحظاتها الأولى ففتحت أبوابها لجميع أبناء الوطن وأعادت الاعتبار لمن ظلمهم النظام البائد وأرادت أن تبني جمهورية جامعة تسع الجميع وتحقق المساواة والعدالة وتحفظ كرامة الإنسان وتبني الدولة المدنية الحديثة إننا ونحن نستحضر هذه اللحظة التاريخية العظيمة ندرك أن دماء الشهداء التي روت تراب الوطن لم تسفك عبثا وإنما صنعت عهدا جديدا وأطلقت مسارا حضاريا لن يتوقف وسيبقى السادس والعشرون من سبتمبر يوما ترتجف له القلوب وتخشع له الأرواح يوما كتب فيه اليمنيون بأيديهم وبدمائهم وبأصوات مدافعهم ولادة وطن جديد وأمة جديدة وميلاد حلم سيظل متجددا ما دامت الأجيال تتعاقب وما دام هناك من يؤمن بأن الحرية قدر الشعوب وأن الاستبداد إلى زوال وأن اليمني الذي انتفض بالأمس قادر على أن يواصل ثورته اليوم وغدا دفاعا عن الجمهورية وعن الدولة وعن الكرامة الوطنية ليظل سبتمبر مشعلا أبديا في تاريخ العرب ومعلما خالدا في ذاكرة الإنسانية.