الثورة تاريخ ومصير..

سبتمبر نت/ مقال – رائد / أيوب الكهالي
قد نختلف وقد لا نتفق حول العديد من المسائل والأمور وقد تتصادم الآراء وتنشب الخلافات وقد تتطور الأزمات بل قد تصل لحد الصراعات فيما بيننا كـ يمنيين، كل ذلك قد يحدث إما في إطار التعبير عن الرأي أو اختلاف الرؤى وتضارب المصالح أو تشعب الاتجاهات والمسارات سياسياً أو اجتماعياً او قبلياً أو حتى شخصياً، وهذا ينطبق على العديد من المسائل التي تخص مستقبل الدولة او غيرها من القضايا المختلفة.
لكن هناك نقاط وصل جامعة يلتقي عندها الشعب اليمني بمختلف مكوناته واطيافه، وبغض النظر عن أي خلافات أو قضايا أو مسائل أخرى، وعندها فقط يمكنك تقييم الوضع وتمييز الأبيض من الأسود ومعرفة من يقف إلى جانب هذا الشعب ويبحث عن مصلحة البلد ومن هو ضد الشعب والوطن ومستقبل الأجيال.
نقاط الوصل تلك أو المحطات الجامعة لهذا الشعب تتمثل بالثورات الخالدة التي قام بها أجدادنا لدحر الظلم وإزالة الحاجز البغيض الذي كان يحجب النور ويمنع الشعب اليمني من رؤية المستقبل المشرق ويحرمه من عيش الحياة الكريمة التي تليق به وبحريته وكرامته وعزته وأصالته.
لقد عانى الشعب اليمني مختلف أنواع وأصناف الظلم والعذاب والقهر والبطش والتنكيل وسلب الحقوق والممتلكات ومصادرة الحريات واُرغم على العيش حياة لا تليق بالبشر لصالح ثلة من المتغطرسين الذين جثموا على صدور هذا الشعب المستضعف والمغلوب على امره، لكن وبرغم ذلك الطغيان والجبروت والحكم الجائر بالحديد والنار إلا ان الشعب اليمني انفجر كالبركان الذي يستحال إطفاؤه أو إيقافه عند حد معين، كان ذلك في ستينيات القرن الماضي وتحديداً عام 1962 ذلك العام الخالد في تاريخ اليمن والمخلد في ذاكرة كل يمني حر، حينها هب الثوار الأحرار وكانت هبة الشعب المكلوم والمغلوب والمتجرع لويلات الحكم الأمامي الجائر لذلك كانت انطلاقة حاسمة وقاصمة ولم يستطع الطغاة إيقافها او التعامل معها برغم امتلاكهم كل إمكانيات ومقومات القمع والبطش والتنكيل.
ذلك الانفجار الشعبي المهول حقق أهدافه بنجاح وأعلن انتشال وإنقاذ الشعب اليمني من مصيدة الإمامة إلى عالم آخر تماماً، عالم الجمهورية والحرية والديمقراطية والكرامة، وقد كانت تلك اللحظات التي حملت معها بشائر النصر عبر البيان التاريخي ليلة 26 من سبتمبر 1962م كانت لحظات اسطورية شكلت محطة هامة ومفصلية في تاريخ الشعب اليمني، هذا النجاح والانتصار التاريخي العظيم كان العامل الرئيسي والحافز الأهم للثورة التالية في جنوب البلاد سابقاً والتي اشتعل فتيلها بعد عام فقط على نجاح الثورة السبتمبرية في الشمال، وقد كانت انتفاضة شعبية صلبة اطاحت بالمستعمر البريطاني واجبرته كرهاً على مغادرة البلاد أعلنت من خلالها الاستقلال الخالد في 14 من أكتوبر للعام 1963م.
الحصيلة – ثورتين خالدتين خلال عامين متتاليين، الأولى اطاحت بحكم الإمامة الجائر والثانية طردت المستعمر البريطاني من البلاد، تلك هي نقاط الوصل والعناوين الرئيسية التي تجمع الشعب اليمني من أقصاه إلى أقصاه.
وتعتبر هاتان الثورتان العظيمتان وما تبعهما من أحداث مؤيدة لهما ومساعدة على استمرار نجاحهما والمحافظة عليهما من الخدش والتشوية ومحاولات الإلغاء – تعتبر المعيار الرئيسي لمعرفة التوجهات والميزان الأساسي لكشف الحقائق والمعادلة الأهم لتحديد موقعك من هذا الشعب وما اذا كنت تقف بجانبه محافظاً على مصالحة ام أن لك نوايا ومكائد لإعادة البلاد إلى عهود الظلم والظلام والتخلف والاستبداد والاستعمار، وهذا ما لا يقبله شعبنا اليمني غير المستعد للتفريط بهذه الإنجازات العظيمة والخالدة مهما كلفه الثمن ومهما بلغت التضحيات والدليل ما يجري اليوم من مقاومة وصد لتلك المحاولات التي تهدف للعبث بالمنجزات وشطب التاريخ والعودة بعجلات الزمن إلى ما قبل الثورة السبتمبرية الخالدة.
هذا الشعب يعي جيداً معنى التفريط بالثورة والتخلي عن أهدافها ولن يقبل أبداً بتكرار التجربة المأساوية التي تجرعها المواطن اليمني في ذلك العهد، لذلك فان الشعب اليمني من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه تجده يقف صفاً واحداً عندما يتعلق الأمر بتلك الإنجازات التي يعتبرها خطوطا حمراء لا يمكن تجاوزها او المساس بها، وهذا الاصطفاف هو الضامن الرئيسي للبقاء بعيداً عن أهوال العصور المظلمة.
سنحتفل وسنحيي ذكرى ثوراتنا ولن نفرط بتلك الأحداث التاريخية التي انصفت الشعب اليمني ودونت تاريخه وحددت ولازالت تحدد مصيره وبكونها الضامن الرئيسي والوحيد لمستقبل الأجيال.
ولن ترى الدنيا على ارضي وصيا.