سلسلة الفكر الشرطي الحديث.. الرادار الأمني

عميد ركن/ نجيب سعد الناصر
يرى علماء الاجتماع أن الجريمة ظاهرة اجتماعية معقّدة، تمثل خطراً كامنًا يهدد الدماء والأموال والأعراض والممتلكات، ليس بفعله المادي فقط، بل بما يخلّفه أيضًا من ترويع وبثّ للذعر في المجتمع. ومن هنا تتجلى أهمية الحس الأمني باعتباره ملكة تمكّن رجل الشرطة من إدراك الخطورة الإجرامية وتفسيرها بدقة، بل والتنبؤ بمساراتها قبل وقوعها، ليحول دون تحققها فعليًا.
ويعمل الحس الأمني كرادار متقدّم يستشعر التهديد مهما حاول التخفي أو التمويه، فيكشف خفاياه ويتهيأ لمواجهته، حتى إذا تشابه النشاط الإجرامي مع المشروع. كما يتيح هذا الحس متابعة المجرمين في محاولاتهم للتراجع أو التحول، واستعادة زمام المبادرة أمام عنصر المفاجأة، ليبقى رجل الأمن فاعلًا استباقيًا قادرًا على حماية المجتمع وضمان استقراره.
وفيما يلي، نستعرض السمات التي يتسم بها الخطر الإجرامي، وكيف يواجهها الحس الأمني.
١- التمويه
يُعَدّ الإخفاء والتستر من أبرز تحديات الخطر الإجرامي، إذ يسعى المخططون والمنفذون إلى إخفاء نواياهم وأفعالهم بدءاً من تصور الجريمة كفكرة، مروراً بالتخطيط لها، وصولاً إلى تنفيذها. ويتم ذلك عبر تجزئة الأدوار، وتجهيل الشخصيات، وتمييع الهدف الإجرامي، والتدريب المستمر على التخفي والخداع لتضليل الأجهزة الأمنية. تكمن الصعوبة في أنّ المجرمين يستطيعون الاندساس بين الناس بشكل طبيعي، مما يجعل اكتشافهم أمراً شديد التعقيد.
وهنا يتجلى لنا دور الحس الأمني في ملاحظة التفاصيل الدقيقة، والبحث عن التناقضات، وربط المعلومات المتفرقة التي قد تبدو غير مترابطة للوهلة الأولى. كما يعتمد على الفراسة والخبرة لدى رجل الأمن لكشف الأنماط غير الطبيعية أو السلوكيات المشبوهة، فيقرأ ما وراء الظاهر ويلتقط الإشارات الخفية التي تفضح النوايا الإجرامية.
٢- المرونة
يتسم الخطر الإجرامي بمرونة عالية وقدرة على التغيير والتطوير المستمر لمعالمه، بهدف إضفاء طابع المشروعية عليه ليبدو وكأنه تصرف عادي لا يثير الشبهات. يبذل المجرمون جهوداً مضنية لتكييف أنشطتهم مع الظروف المحيطة دون لفت الانتباه.
ويتصدى الحس الأمني لهذه السمة عبر التكيف المستمر والتحليل المتواصل للمعلومات المتغيرة، مما يمكّن رجل الأمن من فهم الأساليب الجديدة التي يستخدمها المجرمون، والتعرف على التعديلات الطارئة في خططهم، وبالتالي وضع استراتيجيات مرنة ومبتكرة لاحتوائها.
٣- التشابه
يمتلك الخطر الإجرامي قدرة على التماثل مع أحداث الحياة اليومية في صورتها الطبيعية، فيبدو وكأنه جزء من السلوك العام. فالمجرمون قد يظهرون بمظهر المارة العاديين، مما يمكّنهم من الانقضاض على ضحاياهم دون إثارة الشكوك.
وهنا يبرز الحس الأمني لدى رجل الأمن من خلال التمييز بين السلوكيات العادية المشروعة وتلك التي تتخذ ستاراً للتنفيذ الإجرامي. إنه يقرأ لغة الجسد والإشارات غير اللفظية، ويدرك ما هو غير طبيعي أو مشبوه، فيكشف المظاهر الخادعة التي تنطلي على عامة الناس.
٤- التراجع
يتميّز الخطر الإجرامي بإمكانية التراجع أو العدول، إذ قد يرجع المجرم عن تنفيذ نشاطه فور شعوره بالخطر أو احتمالية انكشاف أمره. ورغم أن هذا التراجع قد يكون مؤقتاً، فإنه يعقّد مهمة الأجهزة الأمنية ويجعل من الصعب إثبات القصد الإجرامي.
وتعمل ملكة الحس الأمني هنا على استشعار سلوكيات المشتبه بهم، وفهم دوافعهم، وتوقع عودتهم المحتملة لمحاولة التنفيذ لاحقاً. ويتطلب ذلك يقظة دائمة، وقدرة على قراءة الإشارات التي تكشف عن نية مبيتة، مما يتيح إحباط المحاولة الثانية أو الثالثة.
٥- التحويل
قد لا تسعف الظروف المجرم لإتمام جريمته، فيلجأ إلى تحويل نشاطه من مجال غير مشروع إلى مجال آخر يبدو مشروعاً تماماً، لتجنب الانكشاف. ويُعد التحول والإبدال عنصرين رئيسيين في التخطيط الإجرامي تحسباً للظروف الطارئة.
ويواجه الحس الأمني هذه السمة عبر توقع التحولات في الأساليب والمسارات الإجرامية، وتحليل السيناريوهات البديلة المحتملة، مما يسمح بتطوير خطط طوارئ واستراتيجيات استباقية قادرة على احتواء أي تغيير.
٦- المفاجأة
ينفرد الخطر الإجرامي بقدرة على اختيار ساعة الصفر لتنفيذ عملياته، مستغلاً لحظات الاسترخاء الأمني. ورغم التحسب المستمر، فإن ردود الفعل قد تخبو مع مرور الوقت، مما يمنح المجرمين فرصة للمبادأة وتحقيق عنصر المفاجأة.
ويتصدى الحس الأمني لذلك من خلال تعزيز القدرة على التنبؤ، واستشعار الظروف المواتية للجريمة، وتحديد الأوقات والأماكن التي قد يختارها المجرمون، مع رفع مستوى الجاهزية والاستعداد المستمر، بما يضمن تقليص فرص نجاحهم.
٧- السيطرة
قد يحقق الخطر الإجرامي سيطرة مؤقتة على موقف ما، مستفيداً من سمة المبادأة والمفاجأة، وما يقابلها من تراخٍ أمني نسبي.
لكن الحس الأمني لدى القيادة الأمنية وأفرادها يمكّنهم من استعادة زمام المبادرة بسرعة، وتقييم الوضع، ومعالجة نقاط الضعف، واتخاذ القرارات الحاسمة لاستعادة السيطرة. كما يُنمّى هذا الحس بالتدريب وتعميم الخبرة، لتجاوز أي تفوق مؤقت قد يحققه المجرمون.
٨- الاستغلال
يتسم النشاط الإجرامي بالقدرة على استغلال الزمن واختيار التوقيت الأمثل للتنفيذ، سواء في أوقات الذروة أو الفتور الأمني. وعلى عكس الخطط الأمنية، يستغل المجرمون الفترات التي ينخفض فيها الأداء الأمني نتيجة الطبيعة البشرية.
وهنا يلعب الحس الأمني دوراً محورياً في إدراك ديناميكيات الزمن، وتوقع استغلال المجرمين للثغرات الزمنية، مما يستدعي تخطيطاً دقيقاً للخدمات الأمنية وضمان استمرار اليقظة، بحيث يُحبط أي مسعى لاستغلال الوقت لصالحهم.
ختامًا، نؤكد أنّ مهارة الحس الأمني تُعد ملكة أساسية لرجل الشرطة والأمن في مواجهة الخطر الإجرامي بكل أشكاله المتغيرة والمتطورة، إذ تمنحه القدرة على الرؤية ما وراء الظاهر، واستشعار المخاطر قبل وقوعها، والتنبؤ بتحركات المجرمين، والتكيف مع أساليبهم المستحدثة، فتجعل منه فاعلًا استباقيًا قادرًا على إحباط الجريمة وحماية المجتمع.
ولا تقتصر أهمية هذه الملكة على الأداء الفردي، بل تمتد لتشمل المنظومة الأمنية بأكملها؛ فكلما تعززت لدى الأفراد، ازدادت فعالية الأجهزة الأمنية في ترسيخ الأمن والاستقرار. ومن هنا يبرز الدور المحوري للقيادات الأمنية في نقل خبراتهم الميدانية وتوثيقها وتوفيرها للضباط والأفراد.
إن تحويل تلك الخبرات إلى معرفة منظمة يسهم في تسريع اكتساب الحس الأمني وتعميق فهمه، ويضمن بناء قدرات مستقبلية قادرة على مواجهة التحديات المتصاعدة وفهم العقل الإجرامي بوعي أشمل، ليبقى الحس الأمني رادارًا متقدّمًا يحافظ على استمرارية التفوق الأمني في معركة لا تنتهي ضد الخطر الإجرامي.