مقالات

الإصلاحات الاقتصادية.. نَسَمَ الأمل

 

سبتمبر نت/ مقال – عبدالملك السامعي

في ظل سنوات من الحرب، والتدهور المتسارع للعملة الوطنية الممنهج، وانهيار البنية التحتية، وشلل شبه كامل للقطاعات بشكل عام والاقتصادية بشكل خاص، ما جعل من الحياة اليومية تحدياً وجودياً أمام ملايين اليمنيين. ومع تفاقم الأزمة الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة، لم يعد الحديث عن «إصلاح اقتصادي» مجرد خيار تقني، بل أصبح ضرورة وجودية لإنقاذ الدولة من الانهيار الكامل.

ولإعادة بثّ الروح في اقتصادٍ كان على حافة الهاوية، وفي خضم هذا المشهد القاتم، بدأت تلوح في الأفق بوادر أمل حقيقية، مع سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية الاستراتيجية التي أُطلقت بزخم متزايد، وبرؤية تُركّز على استعادة الثقة، وتحقيق الاستقرار المالي، وتمكين المؤسسات الوطنية من استئناف دورها الحيوي..

هذه الإصلاحات، وإن كانت لا تزال في مراحلها الأولى، تمثل نقلة نوعية في مسار إدارة الشأن العام، وتعكس إرادة حقيقية لإعادة بناء الدولة من قاعدتها الاقتصادية.

من بين أبرز الملامح التي أسهمت في تغيير ديناميكية السوق، كانت خطوات البنك المركزي اليمني في عدن لإعادة توحيد السياسة النقدية، وتعزيز الشفافية في إدارة السيولة، فقد أسهمت سياسات ضبط الكتلة النقدية، ووقف طباعة العملة دون غطاء، في كبح جماح التضخم الذي بلغ مستويات كارثية..

كما أدى تعزيز الرقابة على التحويلات المالية، وتنظيم سوق الصرافة، إلى استقرار نسبي في سعر صرف الريال اليمني أمام العملات الأجنبية، ما انعكس إيجاباً على قدرة المواطنين على شراء احتياجاتهم الأساسية. لم تقتصر الإصلاحات على الجانب النقدي، بل امتدت إلى إعادة هيكلة وتفعيل مؤسسات الدولة الاقتصادية، مثل الجمارك، وشركة النفط، وهيئة النقل البري..

فقد تم تطبيق أنظمة رقمية لإدارة الإيرادات، ومحو التعاملات اليدوية التي كانت تُسهّل التهرب الضريبي والفساد المالي. ونتيجة لذلك، شهدت خزينة الدولة ارتفاعاً ملحوظاً في الإيرادات، ما مكّن من تمويل رواتب موظفي الدولة في عدد من المحافظات، وإعادة تشغيل بعض الخدمات العامة.

واحدة من أبرز القفزات النوعية تمثلت في دفع عجلة التحول الرقمي في الخدمات المالية.. فقد بدأت خطوات تعميم الحسابات المصرفية للرواتب، واعتماد الدفع الإلكتروني في بعض الجهات الحكومية، ما يقلل من الاعتماد على النقد اليدوي، والرفع من كفاءة التوزيع، وتقليص فرص التلاعب.

كما لا يمكن إغفال الدور المحوري للإرادة السياسية في دفع هذه الإصلاحات، لا سيما الدعم المالي والفني الذي يقدموه الشركاء الدوليين، وهو ما عزز توفير حزمة تمويلية طارئة ساعدت في تثبيت سعر الصرف، وتمويل المشاريع الصغيرة، ودعم برامج التغذية والصحة..

فمن الطبيعي للشركاء في منح بلادنا أي دعم إذا ما اشترطت والزمت الحكومة تنفيذها إصلاحات حقيقية، وهو ما يشكّل حافزاً داخلياً نحو الجدية في التنفيذ. إلا ان الكثير من التحديات لا تزال قائمة رغم هذه الإنجازات، وذلك نتاج لما شهدته خلال سنوات من الحرب والتدمير الذي عمد الحوثيون إلى تأصيلها بما يحقق أهدافهم، ولا يزال هناك الكثير مما يُعقّد من عملية التوحيد الكامل للسياسات..

كما أن تمويل الخدمات الأساسية، واستدامة الرواتب، لا يزال يعتمد بشكل كبير على الدعم الخارجي، ما يُبرز الحاجة إلى بناء مصادر دخل ذاتية مستدامة.

فها هي الحياة تعود رويداً، فالإصلاحات الاقتصادية في اليمن ليست مجرد معادلات مالية أو تدابير تقنية، بل هي خطوات ملموسة لإعادة بناء الثقة، وإحياء الأمل، وتمكين المواطن من استعادة وإن القليل مما يحفظ كرامته وحقه الطبيعي كمواطن، فبعد سنوات من اليأس، ها نحن نلمس ذلك في الأسواق التي بدأت تشهد نشاطاً، وعادت بعض المنشآت الصغيرة للعمل، وبدأ الناس يشعرون بفرق في قدرتهم الشرائية.

في الأخير، إن مستقبل أي مجتمع لا يُبنى على الانفعالات أو القرارات العاطفية، بل على رؤية استراتيجية مدعومة بالبيانات، ومُرتكزة على مؤسسات قوية، وقيادة واعية، ومجتمع مُشارك، قد تكون هذه الخطوات بطيئة، غير أنها وبلا شك تُعيد لليمنيين شيئاً من «الحياة» التي كادت أن تختفي.

زر الذهاب إلى الأعلى