الثورة اليمنية (سبتمبر وأكتوبر).. نضالي وطني وحدوي

سبتمبر نت/ تقرير
منذ أن انطلقت شرارة الثورة الأكتوبرية في عام 1963 من جبال ردفان تحوّل الجنوب اليمني إلى ساحة ملتهبة بالنضال والتضحيات شارك فيها الأحرار من مختلف أنحاء اليمن شمالًا وجنوبًا، اجتمعوا تحت راية الحرية ليواجهوا بتوحدهم والتمسك بهويتهم اليمنية أقوى الإمبراطوريات في ذلك الوقت مقدمين أرواحهم ودماءهم من أجل دحر المستعمر البريطاني وتحقيق الاستقلال الناجز في الثلاثين من نوفمبر 1967، كانت التضحيات عظيمة وكان الإصرار على الانتصار أقوى حتى جاء يوم الاستقلال ليكون تتويجًا لنضال استمر لسنوات، وليعلن نهاية الاستعمار وبداية عهد جديد من السيادة الوطنية.
واليوم وبعد مرور أكثر من ستة عقود على هذه الملحمة التاريخية تزداد الحاجة إلى أن يستلهم الجيل الجديد نضالات الأجداد والآباء ويستوعب دروس التضحية والتلاحم من أجل نيل الحرية والكرامة والمساواة وسيادة الوطن ففي ظل التحديات الراهنة التي تعصف باليمن والمنطقة يصبح توحيد الجهود والعمل بروح وطنية واحدة هو السبيل الأمثل لتحقيق الاستقرار والسلام تمامًا كما وحد الأجداد صفوفهم في الماضي بعد ان رفضوا العبودية والارتهان للخارج بكل اشكاله وارادوا الانتصار الكامل لوطنهم وشعبهم ليعيش حياة كريمة وآمنة ومستقرة.
في هذه المساحة سنذهب في رحلة لقراءة التاريخ المضيء لليمنيين الذين سطروا ملاحم نضالية رائعة مجسدين واحدية النضال اليمني شمالا وجنوبا ليصيغوا بذلك التوحد قوة فولاذية ضد النظام الإمامي الكهنوتي والمستعمر البريطاني البغيض حاملين في كل توجهاتهم ورؤاهم حلم الوحدة اليمنية والتي تحققت في ٢٢ مايو ١٩٩٠م كنتاج طبيعي لتلك النضالات والتضحيات الجسام لشعبنا اليمني العظيم …
وقد وجدنا من ندوة الثورة اليمنية (سبتمبر – أكتوبر – نوفمبر) بعض من ذلك الألق النضالي واستخلصنا من ورقة “التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية” للدكتور احمد قائد الصايدي بعضا منها ..فإلى تلك الأحداث التاريخية المهمة…..
احتلت بريطانيا مدينة عدن عام 1839 واتخذت منها قاعدة لتأمين طريق مواصلاتها إلى مستعمراتها في الهند والتزويد سفنها بالوقود، وقد حرصت منذ البدء على إعطاء مدينة عدن وضعاً متميزاً عما حولها، فخلقت سياجاً من السلطنات والمشيخات، التي عرفت بـ (محميات عدن) ربطتها بسلسة من معاهدات الحماية، لتشكل عازلاً بين مستعمرة عدن وبين مملكة الإمام في الشمال . وقد أبقت بريطانيا من المحميات على أوضاعها المتخلفة، فلم تعمل على شق طرق حديثة فيها أو إيجاد إدارة منظمة أو تشييد مدارس ومستشفيات فبقيت جميع المحميات تعيش الحياة التقليدية البائسة أما مستعمرة عدن فقد أنشأت بريطانيا فيها إدارة حديثة وطرقاً معبدة ومستشفيات ومدارس ابتدائية ومتوسطة تمد الجهاز الإداري بالكتبة والموظفين الذين يحتاجهم وبسبب وجود القاعدة البريطانية في عدن وللدور الذي لعبته المستعمرة في مجال التجارة حيث أصبحت بفضل مينائها البحري المركز التجاري الأول في اليمن، بل وفي الجزيرة العربية كلها وأصبحت معظم واردات المحميات ومملكة الإمام تمر عبرها وكل هذا جعل من عدن مركز استقطاب وتجمع بشري يأتي إليه الباحثون عن فرص للعمل من شمال اليمن وجنوبه ومن خارج اليمن أيضا وكان الطابع السائد للنشاط الاقتصادي، هو الطابع الخدمي ومن أبرز مجالاته خدمات الميناء (شحن وتفريع السفن – وكالات الاستيراد وإعادة التصدير – المصارف – الفنادق والمطاعم – الطيران والمواصلات البرية – المقاولات – المواصلات السلكية واللاسلكية – شركات التأمين). أما الـجانب الصناعي فلم يكن له وجود باستثناء تكرير النفط المستورد من الخارج في مصفاة عدن واستخراج الملح البحري وبعض المشروبات الغازية.
وعلى هذه القاعدة الاقتصادية أخذت طبقة من العمل والمستخدمين تـتشكل وتنظم نفسها، شيئاً فشيئاً، حتى أصبحت ذات وزن مؤثر في الحركة الوطنية، خاصة بعد إنشاء مصفاة عدن، في مطلع الخمسينيات من القرن الماضي، حيث استوعبت أعداداً كبيرة من العمال، من مختلف مناطق الـيمن والى جانب العمل تكونت طبقة من البرجوازية التجارية المحلية، إلى جانب البرجوازية الأجنبية.
الاستعمار وطبقات المجتمع
لقد أصبح المجتمع في مستعمرة عدن ذا تركيب يختلف عن تركيب المجتمع اليمن التقليدي، سواء في محميات عدن أو في شمال اليمن فقد ضمت الموظفين الإداريين بمختلف شرائحهم، كانت الوظائف الكبيرة تمنح للأجانب وحدهم، وخاصة للبريطانيين والهنود، والتجار الكبار والمتوسطين والصغار والعمال إضافة إلى أساتذة المدارس وعدد محدود من الصحفيين والكتاب والمحامين والأطباء ومقاولي البناء والجنود والشرطة .
وكان هذا المجتمع الصغير، المتعدد الفئات، يتكون من جنسيات مختلفة (عرب- هنود- باکستانيين- يهود أجانب- إضافة إلى البريطانيين وقد عمل البريطانيون على تشجيع الهجرة الأجنبية ليحدثوا تغييراً في التركيبة السكانية يخدم مصالحهم . حيث أن الاجناس العربية كانت تشعر بأن وجودها مرهون بوجود الاستعمار البريطاني لذلك كانت اكثر ولاء له واستأثر أفرادها بالمواقع العليا في الادارة والامن والتجارة.
نشوء الحركة الوطنية
وقد ارجع المؤرخون نمو الحس الوطني وتبلوره في تنظيمات وطنية اخذت تتطور حتى اصبحت حركة وطنية ذات تأثير تجاوز حدود مستعمرة عدن الى محمياتها والى الشمال، يعود الى هذا التشجيع الذي جعل من مستعمرة عدن مدينة استقطاب لكثير من الاجناس العربية والأجنبية والتي شعرت بأن وجودها مرهون بوجود الاستعمار البريطاني لذلك كانت أكثر ولاء له، واستأثر أفرادها بالمواقع العليا في الإدارة والأمن.
حراك اجتماعي
ولعل أولى التجمعات ذات الأفق الاجتماعي والسياسي في مستعمرة عدن كانت الجمعية الإسلامية الكبرى التي تكونت عام 1949م من بعض كبار علماء الدين وبعض المثقفين ثقافة حديثة من أمثال محمد سالم البيحاني وعلى محمد باحميش وسالم الصافي وعبد الله بن صالح المحضار ومحمد على الجفري، ورأسها محام باكستاني الأصل اسمه محمد عبد الله ووضعت لنفسها أهدافاً تدور حول الاهتمام بتدريس المواد الدينية واللغة العربية والسعي لجعل اللغة العربية لغة التعامل الرسمي بدلاً من اللغة الإنجليزية ومن أهداف الجمعية أيضاً العمل على تحقيق الإخاء بين المسلمين في العالم الاسلامي ورفع شأنهم.
ثم جاءت بعد تفكك الجمعية الاسلامية الجمعية العدنية التي رفعت شعار (عدن للعدنيين) وقصدت بذلك تحقيق الحكم الذاتي لمستعمرة عدن وربطها بالكومنولث البريطاني.
وكما يرى الدكتور احمد قائد الصايدي في بحثه بعنوان “التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية” المنشور ضمن وثائق وأدبيات ندوة الثورة اليمنية (سبتمبر- أكتوبر- نوفمبر) التي عقدت صنعاء ٢٣-٢٤ نوفمبر ٢٠٠٨م انه في عام 1954 حل حزب الشعب محل الجمعية العدنية ولكنه ظل محافظا على الخط السياسي للجمعية نفسه وظل دون مستوى الأفق الوطني العام وسرعان ما انبثق عن الحزب الوطني الاتحادي الذي صاغ اهدافا اوسع افقا وطموحا في النصف الثاني من خمسينات القرن الماضي منقسما الى حزبين الحزب الدستوري الذي مثل امتدادا للجمعية العدنية والحزب الوطني الاتحادي الذي وضع لنفسه برنامجا منسجما مع السياسة البريطانية الجديدة التي اخذت تخطط لإنشاء كيان سياسي في جنوب اليمن يتجاوز حدود مستعمرة عدن ليضم جميع محمياتها ويصبح في المستقبل دولة مرتبطة ببريطانيا، تحت اسم (اتحاد الجنوب العربي). وهكذا وضع الحزب الوطني ضمن أهدافه تحقيق اتحاد سياسي، يضم عدن ومحمياتها، على أن تحتفظ عدن في داخله بوضع متميز، بحكم مستواها المتطور. وكان على رأس هذا الحزب حسين علي بيومي وعبد الرحمن جرجرة، اللذين توليا فيما بعد مناصب وزارية في حكومة (اتحاد الجنوب العربي). ومع أن الحزب الوطني الاتحادي قد وضع لنفسه أهدافاً تشمل الجنوب اليمني كله، إلا أن تركيبته لم تختلف عن تركيبة الجمعية العدنية . فقد ضم إفراداً ينتمون إلى بعض الأسر الارستقراطية العدنية، وأكد على تميز عدن، وظل مرتبطاً بالخط السياسي البريطاني . ولهذا لم يستطع أن يوجد له امتدادات خارج حدود مستعمرة عدن.
تطور الفكر السياسي الوطني
وكان لابد من نشوء إطار سياسي يستوعب هموم وطموحات أبناء المحميات ويستجيب لتطور التفكير السياسي، الذي أصبح يمثله شباب من مناطق المحميات المختلفة، حصلوا على قدر من التعليم خارج اليمن وداخله وعلى رأسهم أشخاص ينتمون إلى الأسر السلاطينية والأسر الغنية في مناطق الريف وقد كان هذا الإطار هو (رابطة أبناء الجنوب العربي)، التي أسست عام 1951م، بأفق سياسي أوسع وبموقف من الوجود الاستعماري في الجنوب، أكثر تحديداً، عما كان عليه أفق وموقف الجمعية العدنية وتفرعاتها اللاحقة.
وتواصل وثائق الندوة قراءتها للأحداث في جنوب اليمن بالقول: لقد جاءت الرابطة لتمثل مصالح أغنياء الريف والأسر المشيخية والسلاطينية، والتعبير عن رد فعلهم تجاه استمرار الارستقراطية العدنية والبيوتات التجارية الأجنبية في التمتع بالامتيازات وبالمصالح الاقتصادية، وكذا رد فعلهم تجاه السياسة البريطانية الخاصة بالمحميات، وهي سياسة اتسمت بإهمال مناطق المحميات، رغم إمساك الموظفين البريطانيين بالقرار الإداري والسياسي في السلطنات والمشيخات المختلفة، بموجب معاهدات الحماية ثم معاهدات التشاور، التي منحت بريطانيا فيها لنفسها حق تعيين موظفين بريطانيين . يعملون مستشارين الحكام المحميات فأصبح هؤلاء يمسكون بأيديهم زمام الأمور السياسية والمالية والإدارية، وقد عكست أهداف الرابطة وبنيتها رد الفعل.
تأسيس الرابطة
لقد أسست رابطة أبناء الجنوب لتضم شخصيات من مختلف مناطق المحميات ومن مستعمرة عدن أيضاً ولبعض الوقت كانت الرابطة هي الوعاء الحزبي، الذي ضم جميع الوطنيين، بمختلف مشاربهم الفكرية، إما كأعضاء أو كمتعاطفين، فقد التقوا جميعهم حول أهداف مشتركة، أهمها وحدة (الجنوب العربي واستقلاله)، وإن كان كثيرون منهم قد انشقوا عن الرابطة، فيما بعد بسبب موقفها من فكرة وحدة الأرض اليمنية، وأسسوا أحزاباً أو انضموا إلى أحزاب، ذات أفق سياسي أوسع، وذلك تحت تأثير المناخ السياسي الجديد الذي أسهمت في إيجاده ثورة يوليو المصرية، وكذا تعاظم الوعي بقضية الوحدة اليمنية والإيمان بأن الجنوب جزء لا يتجزأ من اليمن، إضافة إلى تصاعد دور الحركة العمالية الفنية، التي كان معظم قيادييها وأعضائها من شمال اليمن، وكانت قضية الوحدة اليمنية قضية مركزية، في وعيهم السياسي وفي أهدافهم المعلنة وممارساتهم العملية.
نقلة نوعية
ويقول الصايدي: لقد مثلت الرابطة نقلة نوعية في العمل السياسي، من الأفق المحصور في مستعمرة عدن، الذي كانت تمثله الجمعية العدنية، إلى أفق أوسع، ضم مستعمرة عدن ومحمياتها، ولذلك استقطبت إلى صفوفها وطنيين، من ذوي الأفق القومي والديني والماركسي، جنباً إلى جنب مع بعض ممثلي الأسر السلاطينية والعائلات الغنية، المنتمية إلى مناطق المحميات، وسعت إلى تحقيق استقلال عدن وإقامة دولة، تضم عدن ومحمياتها، كما رفعت شعارات قومية ونادت بتحقيق الوحدة العربية، ولكنها وقفت من فكرة الوحدة اليمنية موقفاً سلبياً، وسعت إلى تكريس مبدأ انفصال شمال اليمن عن جنوبه، وعارضت حق أبناء شمال اليمن، المقيمين في عدن، حقهم في الترشيح والانتخاب للمجلس التشريعي، الأمر الذي أدى إلى انشقاق جماعات من أعضائها، أسسوا أحزاباً أو انضموا إلى أحزاب قائمة . وكان من أبرز شخصياتها: رئيسها محمد على الجفري، وأمينها العام شيخان الحبشي . ومن أعضائها عبدالله باذيب، الذي انسحب منها وأسس أول تنظيم ماركسي في اليمن (الاتحاد الشعبي الديمقراطي)، وقحطان الشعبي، الذي أصبح أحد قياديي فرع حركة القوميين العرب في اليمن وأول رئيس الجمهورية جنوب اليمن بعد الاستقلال.
أبناء الشمال.. حضور فاعل
ولقد كان السبب المباشر في انسحاب هؤلاء، وغيرهم من الوطنيين من حزب الرابطة، هو موقفها من انتخابات المجلس التشريعي في عدن . فقد حرمت السلطات البريطانية أبناء شمال اليمن القاطنين في عدن، من حقهم في المشاركة في تلك الانتخابات، مما دفع الحركة الوطنية، المتمثلة بالنقابات العمالية الناشئة والجمعيات والنوادي الرياضية، إضافة إلى الاتحاد اليمني في عدن الممثل للحركة الوطنية في الشمال، دفعها إلى مقاطعة الانتخابات والتحرك لإفشالها، ولكن الرابطة وقفت إلى جانب الانتخابات، مقرة بذلك موقف السلطات البريطانية من أبناء الشمال، وقد كان رد فعل أعضاء الرابطة الوحدويين أن أعلنوا انسحابهم منها ووقوفهم ضد الإجراء البريطاني وتحالفهم مع الأطراف الوطنية الأخرى، لإنجاح مقاطعة الانتخابات.
الجبهة الوطنية والوحدة اليمنية
ومن هذا التجمع المقاطع للانتخابات التشريعية تشكلت الجبهة الوطنية المتحدة، التي كان على رأسها محمد عبده نعمان وعبد الله الأصنج وعبد الله باذيب ومحمد سعيد مسواط وعبده خليل سليمان ومحمد سالم علي وعلي حسين القاضي، وغيرهم من الوطنيين، ذوي الاتجاهات الوحدوية، وقد استمرت الجبهة نشطة في أوساط العمال والطلاب وصغار الموظفين، حتى نهاية خمسينيات القرن الماضي. وكانت منطلقاتها متأثرة، إلى حد كبير، بالفكر القومي، وخاصة فكر البعث العربي الاشتراكي وبالتجربة الناصرية في مصر، فأكدت في أهدافها على الوحدة العربية والوقوف في وجه الاستعمار والرأسمالية والسعي لتوحيد اليمن، تحت نظام جمهوري ديمقراطي مستقل، كما أكدت على مبدأ الحياد الإيجابي، في العلاقات الخارجية، وقد أثمر نشاطها في صفوف الحركة العمالية إنشاء المؤتمر العمالي، عام ١٩٥٦م، الذي ذابت فيه فيما بعد، وحل محلها في قيادة الحركة الوطنية في الجنوب، حتى قيام ثورة أكتوبر المسلحة، عام ١٩٦٣م.
نقابات عمالية
ولقد بدأ ظهور النقابات العمالية في مستعمرة عدن عام ١٩٥٢م، ولعبت الجبهة الوطنية المتحدة دوراً نشطاً في توحيدها، تحت اسم (المؤتمر العمالي) عام ١٩٥٦م، وسرعان ما أصبح المؤتمر العمالي، رغم صفته المطلبية، الممثل الأول للحركة الوطنية اليمنية، حتى ليذهب البعض، عن حق، إلى القول بأن المؤتمر “كان بمثابة الحاضن للحركة الوطنية اليمنية، في عدن، والتي ساعدت على ظهور الأحزاب القومية والوطنية الجديدة، التي ساهمت في عملية التحرير ولها تأثيرها المباشر على ثورة ٢٦ سبتمبر/ ١٤ أكتوبر”، فمنذ تأسيسه وحتى قيام الثورة المسلحة، اضطلع المؤتمر العمالي بقيادة العمل الوطني، وكان له دور مؤثر في الحركة العمالية العربية والعالمية، كما كان يعتبر طوال وجوده من أهم وأقوى التنظيمات العمالية في الوطن العربي، وكانت أبرز قياداته قادمة من شمال اليمن وتنتمي إلى التيار القومي، وقد عبرت عن توجهها السياسي بإصدار صحيفة البعث وتصدير منشوراتها بالشعارات القومية المعروفة (وحدة- حرية- اشتراكية)، ومن أبرز قياداته المؤسسة: محمد عبده نعمان وزين صادق الأهدل وعبد الله الأصنج ومحمد سعيد مسواط وعبده خليل سليمان ومحمد سالم علي والشهيد علي حسين القاضي وعبد الله على عبده وعلي عبد الرحمن الأسودي وأحمد حيدر والشهيد عبدالله عبد المجيد السلفي وصالح محسن وغيرهم، وممن كان لهم دور نشط في المؤتمر، ثم تولى بعد ثورة سبتمبر، مواقع رسمية في الشمال: محمد أحمد نعمان ومحسن العيني وآخرون، أما قاعدة المؤتمر العمالية، فقد كانت تتمثل، بصورة رئيسية، بعمال مصفاة البترول، التي بدأ تشغيلها عام ١٩٥٥م، أي قبل تأسيس المؤتمر بعام واحد تقريباً، وكذا بعمل ميناء عدن، إضافة إلى عمال الفنادق والمطاعم وعمال وموظفي الطيران، ومعظم هؤلاء أيضاً كانوا من شمال اليمن مما جسد وحدة اليمن تجسيداً عملياً، في إطار تنظيمي واحد وفي نضال يومي مشترك.
أدوار وطنية وقومية
وقد برز الدور القيادي المؤثر للمؤتمر العمالي في مناسبات وطنية وقومية عديدة: فقد قاد الحركة الوطنية في وجه المخططات الاستعمارية، الهادفة إلى مضاعفة أعداد المهاجرين الأجانب إلى عدن، من أجل إحداث تغيير في التركيبة السكانية وتغليب العنصر الأجنبي، المضمون الولاء، على العنصر اليمني، وناضل ضد القوانين الاستعمارية، المتضمنة منع الإضرابات العمالية واستبدالها بمبدأ التحكيم، بين العمال وأرباب العمل، وقاد انتفاضة ضد الانتخابات التشريعية عام ١٩٥٩م، عندما أصرت الإدارة الاستعمارية على استبعاد أبناء الشمال منها، وناضل ضد نظام الإمامة في الشمال، بدعم الحرية الوطنية في الشمال والدعوة، في صحفه ومنشوراته، إلى إزالة ذلك النظام، وخلق موقف شعب معارض لمشروع اتحاد الجنوب العربي، الذي سعى الاستعمار البريطاني إلى تحقيقه، ووقف وقفة مشهودة ضد العدوان الثلاثي على مصر، عام ١٩٥٦م، وامتنع عمال الميناء، وفقاً لتوجيهاته، عن تفريغ حمولة البواخر التابعة للدول المعتدية، وعمل على تعميق الوعي، في أوساط الشعب، بالأخطار التي يمثلها الاستعمار والصهيونية، ودعم لجنة مقاطعة البضائع الإسرائيلية، التي كان على رأسها أحد نشطاء الحركة العمالية، وهو الشهيد عبدالله عبد المجيد السلفي، وأسهم المؤتمر في مجال التعليم، فسعى إلى توفير المنح الدراسية، إلى بعض البلدان العربية، كمصر وسوريا والعراق وعن طريقه تمكنت أعداد كبيرة من الطلاب اليمنيين، من شمال اليمن ومن جنوبه، من مواصلة دراساتها الثانوية والجامعية، مما كان له أكبر الأثر في توفير القيادات اليمنية المؤهلة، التي تبوأت فيما بعد مناصب رفيعة في الشمل والجنوب.
واحدية النضال
لقد أثر، تباين الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، في كل من شمال اليمن وجنوبه، على بنية وفكر وعمل الحركة الوطنية في كل منهما، فقد عرف الجنوب التعدد الحزبي والتنظيم النقابي واستطاعت التنظيمات السياسية والعمالية فيه التعبير علناً عن آرائها ومواقفها، في ظل إدارة استعمارية، ذات نهج ليبرالي متحرر، مقارنة بنهج الإمام الاستبدادي، وعلى قاعدة اقتصادية حديثة إلى حد ما، سمحت بنشوء فئات اجتماعية أكثر وعياً وتحرراً (موظفون وتجار وعمال وصحفيون وطلاب ومدرسون ومحامون .. إلخ)، في حين وجدت الحركة الوطنية نفسها في الشمال تتحرك تحت ظروف قاسية، فالنظام السياسي نظام فردي استبدادي جاهل، حرم على المواطن أن يشتغل بالسياسة أو حتى أن يفكر تفكيراً مغايراً للتفكير الرسمي، لا يطيق المعارضة ويبطش بمعارضيه، دون كابح أو رادع من نظم أو قوانين . والوضع الاقتصادي وضع متخلف، لا يمكن من نشوء فئات اجتماعية حديثة، ذات وزن مؤثر: كالبرجوازية أو العمال، تستطيع أن تضطلع بدور معارض من داخل الشمال نفسه، يفضي إلى إحداث تغيير في النظام السياسي وفي البنى الاقتصادية والاجتماعية.
عدن.. قبلة الثوار
ونتيجة لسياسة الاضطهاد والبطش، التي انتهجها النظام الإمامي، تجاه معارضيه، وعدم وجود قاعدة شعبية عريضة مساندة، يستطيع المعارضون الاعتماد عليها والاحتماء بها، لم يجد الكثيرون منهم مناصاً من الفرار إلى مستعمرة عدن، يلوذون بها من جور الإمام وقهره ويتنفسون فيها نسيم الحرية المحدودة، التي أتاحها الاستعمار البريطاني هناك . وفي مستعمرة عدن التقى احرار الشمال برجال الحركة الوطنية في الجنوب، فامتزجت الحركتان، وإذا بهما، من الناحية العملية تغدوان حركة واحدة، ذات مهمتين رئيسيتين، مهمة تخليص الشمال من النظام الإمامي وإخراجه من سجن تخلفه، ليلج حياة العصر الحديث، بعد طول احتباس في كهف الإمامة، ومهمة تحرير الجنوب من الاستعمار البريطاني، مهمتان تتجهان منذ البداية نحو هدف واحد، وهو إعادة توحيد الوطن اليمني، تحت نظام حكم ديمقراطي مستقل، وقد بلغ اندماج وامتزاج الحركتين درجة انعدمت عندها الحدود بين نشاطاتهما اليومية، فقد استوعبت الحركة الوطنية الشمالية، الممثلة في عدن بحزب الأحرار ثم بالجمعية اليمنية الكبرى ثم بالاتحاد اليمني، استوعبت بين صفوفها الكثيرين من رجال الحركة الوطنية في الجنوب، كما انخرط رجال الحركة الوطنية الشمالية في خضم الحياة السياسية في الجنوب، من خلال الأحزاب الحديثة ( البعث، حركة القوميين العرب، اتحاد الشعب) ومن خلال الجبهة الوطنية المتحدة، ثم المؤتمر العمالي، وعندما انفجرت ثورة ٢٦ سبتمبر ١٩٦٢م في صنعاء، غادر آلاف العمال والتجار والموظفون والفلاحون، مستعمرة عدن ومناطق المحميات، غادروها على عجل، لا يلوون على شيء، باتجاه صنعاء، ليقذفوا بأنفسهم في أتون المعارك الدائرة، دفاعاً عن النظام الجمهوري الوليد، ولم يطل الأمر كثيراً، حتى أدركت ثورة سبتمبر أن الوجود الاستعماري في جنوب الوطن والوجود الإمامي في شمال كانا وجودين متلازمين، وأن بقاء أحدهما كان دائماً يشكل ضماناً لبقاء الأخير، وأن انتصار النظام الجمهوري في الشمال، أصبح مرهوناً بزوال الوجود الاستعمار في الجنوب، ولهذا جهزت ثورة سبتمبر ودربت ومولت وخططت لتفجير ثورة ١٤ أكتوبر ١٩٦٣م في الجنوب، بعد عام واحد تقريباً من قيام الثورة في الشمال.