الأخبار الرئيسيةتقارير

«عـــبــود الــشــرعــبــــي».. أذاق الاحتلال البريطاني كأس العلقم

 

 

سبتمبر نت/ تقرير

 

كما شارك اليمنيون من أبناء الجنوب بشكل عام وأبناء عدن على وجه الخصوص اشقاءهم في شمال الوطن ثورة السادس والعشرين من سبتمبر، التي أسقطت حكم الإمامة وثم إعلان الجمهورية، وشارك الشماليون بشكل عام وأبناء تعز خصوصاً اشقاءهم الجنوبيين في ثورة 14 أكتوبر في العام 1963 ضد الاحتلال البريطاني، والتي استمرت طيلة 4 سنوات إلى 30 نوفمبر من العام 1967 ويوم الجلاء طرد المستعمر، وشهد على رحيل آخر بريطاني من أرض عدن، عقب احتلال استمر لقرن وأكثرمن 27عاماً.

كثيرةٌ هي النماذج من هنا وهناك تستحق تسليط الضوء عليها والتفتيش في سطور بطولاتها الوطنية، التي جسدت أروع الأعمال الفدائية والبطولية، سواءً من أبناء الجنوب ضد الإمامة، أو من أبناء الشمال ضد الاحتلال البريطاني، لتُحكَى على مسامع اليمنيين وتروى جيلاً بعد جيل، فما صنعه الأجداد من البطولات العظيمة ومشاهد الشجاعة والدهاء والبسالة، حُق على الأبناء والأحفاد الاحتفاء والافتخار والاقتداء بهم.

ومن تلك النماذج والصور البطولية، شاب لم يتجاوز الثانية والعشرين من عمره، ليترجل هذا الفارس من صهوة جواده، برصاصة خرجت من فوهة بندقية قناص محتل بريطاني كان يعتلي إحدى بنايات مدينة الشيخ عثمان في عدن، لتستقر في جسد “عبود الشرعبي”، ليكتب النهاية على قصة شاب صال وجال واثخن في قتل جنود المحتل الغاصب والقيادات العسكرية الإنجليزية في عدن، وأذاقهم كأس العلقم وألهب قلوبهم من عظيم ما فعل بهم وأراهم الويلات والثبور ومن فعله لقوا عظائم الأمور.

الرصاصة التي أطلقها القناص البريطاني، في 11 فبراير من العام 1967، لم تتسبب سوى برحيل “عبود الشرعبي” جسداً، إلا أنها عجزت عن حجب تخليده وتخليد ذكراه وكافة الشهداء الذين ارتقوا رفقته في ذلك اليوم شهداء وكان عددهم 10 شهداء، ليعبّدوا بدمائهم التي روت تراب عدن، الطريق أمام زملائهم الفدائيين والمناضلين حتى رست بهم سفينة الكفاح والنضال في الـ30 من شهر نوفمبر من نفس العام على بر الحرية والكرامة والاستقلال.

غادرت بريطانيا الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، بجنودها وترسانتها العسكرية وآلياتها الحربية المتطورة، عدن وهي صاغرة غير مأسوف عليها، وانمحى ذكراهم في الآفاق، وخلّد التاريخ “عبود” ورفاقه الأحرار ليخلد التاريخ يوم استشهادهم يوماً للشهداء، يتذكر فيه اليمنيون صنيعهم كل عام.

فمن هو عبود الشرعبي؟

هو مهيوب علي غالب الشرعبي، اشتهر باسم “عبود الشرعبي” ولد في العام 1945، وكانت قرية الجبّانة في عزلة الدعيسة بشرعب الرّونه شاهدةً على مسقط رأسه، ليقضي سنواته العشر الأولى فيها، ليبقى في كنف والده 3 سنوات فقط ليغادر دنيانا تاركا بطلنا ليكمل سنوات طفولته السبع التي قضاها في مسقط رأسه يتيماً، ليغادر محيطه وقريته التي ولد بها مرتحلاً إلى عدن باحثاً عن عمل يقيه هو وأفراد أسرته من تغيرات الزمن وتقلبات الحياة.

بعد أن وصل “عبود الشرعبي” إلى عدن، بدأ يعد خطواته الأولى بين جنبات المدينة التي سكنت قلبه قبل أن يسكنها، ليلتحق بعد ذلك بـ(نادي الأعروق) الكائن في مديرية المعلا، وفيه تلقى بعضا من العلوم والدراسة واستطاع دراسة قواعد اللغة العربية، وكان التحاقه بهذا النادي، الطريق ليتعرف على عمل الجبهة القومية، أحد المكونين إلى جانب جبهة التحرير التي كانت تقاوم من أجل تحرير جنوب الوطن من المحتل البريطاني.

انخرط “عبود الشرعبي” الذي اخذ عضوية الجبهة القومية، في العمل السياسي والنضالي، ليذهب وهو وعدد من رفاق العمل الثوري والنضالي إلى مدينة تعز ليأخذوا دورات عسكرية وتعلموا التعامل مع الأسلحة وكيفية استخدامها رفقة ثوار سبتمبر، ليعودوا الى عدن ليشاركوا ضمن الكفاح المسلح الذي انطلقت شرارته في 14 أكتوبر من العام 1963.

تفانيه وتميزه في العمل العسكري والكفاح المسلح، ولم لُمس من شجاعته واقدامه وبسالته، الأمر الذي رشحه لابتعاثه من قبل قيادة الجبهة القومية إلى القاهرة عاصمة دولة مصر، ليتعمق بالدراسة العسكرية ويتأهل أكثر في هذا الجانب، وهو ما كان بالفعل، وعند عودته في العام 1965 كان يقود العمل العسكري في الجبهة القومية، واستطاع حينها التجديد في الهجمات العسكرية واستهداف الأفراد والثكنات والآليات التابعة لجيش الاحتلال.

استمر عبود الشرعبي ورفاقه بتنفيذ العمليات تلو العمليات واستهداف جنود الاحتلال الإنجليز وإسقاطهم جماعات وأفرادا، حتى صبيحة 11 فبراير من العام 1967، أعد هو رفاقه البواسل العدة للإغارة على حفل عسكري احتفاءً بعيد اتحاد السلطنات الجنوبية، وكان من المزمع أن يحضره كبار القيادات البريطانية من بينهم المندوب السامي الذي غير وجهته قبيل وصوله إلى موقع الحفل التي كان قادماً إليه جواً عبر طائرة (هيلكوبتر) بعد ان تسربت إليه معلومة بمحاولة استهداف الحفل من قبل عدد من الثوار، الأمر الذي جعله هو رفاقه للتحويل على تنفيذ الخطة (ب)، ليستهدف عبر المتفجرات والعبوات الضباط والجنود الذين قد وصلوا إلى موقع الحفل.

لتشهد في ذلك اليوم عدة مناطق ومدن في عدن اشتباكات ومواجهات مسلحة بين الانجليز والثوار، لينتقل «عبود الشرعبي» مسرعاً إلى مدينة الشيخ عثمان وتحديداً إلى الشارع المحاذي لمسجد النور، للمشاركة في تلك المعارك غير المتكافئة آليات ومركبات عسكرية بمواجهة أشخاص ببنادق بدائية الصنع وقنابل يدوية، ليستطيع “عبود الشرعبي” اعتلاء احدى تلك الآليات العسكرية للمحتل وفجرها بالكامل ليتسبب بمقتل كل من كانوا على متنها، وفور انتهائه من تفجيرها تباغته رصاصة أطلقها قناص بريطاني كان يعتلي سطح إحدى البنايات المجاورة لتكتب البطل «عبود الشرعبي» شهيدا وبطلا خالدا في سجلات الشهداء وذاكرة الأجيال والتاريخ الوطني.

زر الذهاب إلى الأعلى