بين فِكرة الدولة ودولة الفكرة ثمة صراع لا ينتهي .. الصراع الرسولي الإمامي أنموذجًا (4-6)

سبتمبر نت/ بلال الطيب
بين فِكرة الدولة ودولة الفكرة ثمة علاقة عكسية من الصعب اختزالها، والتنافس الذي حصل خلال القرنين السابع والثامن الهجري- بين الرسوليين كدولة، والإماميين كنظرية وفكرة- ما هو إلا صورة مُصغرة لصراع لا ولن ينتهي، يتكرر في حاضرنا كعناوين، أما التفاصيل فهي مُختلفة تمامـًا.
كان عهد السلطان الرسولي الخامس المُجاهد علي بن المُؤيد داؤود الذي تَولى الحكم أواخر عام 721ه/ 1321م مَليئًا بالتمردات الصادمة، وكان أقساها تمرد عدد من أبناء عمومته، ثم ثلاثة من أولاده عليه، ليتشجع بعض مشايخ الدولة ورجالاتها الفاعلين على رفع راية العصيان، استغل الإماميون ذلك، دعموا بعض الأمراء المُتمردين، وبدأوا يُخططون للتوسع على حساب الدولة المُنهكة أكثر فأكثر، وتأكيدًا لذلك أفاد الدكتور محمد عبدالعال أنْ سلاطين بني رسول منذ عهد هذا السلطان قد تحاشوا بقدر الإمكان الدخول في صراع مع الإماميين، في حين لم يفوت الأخيرون أي فرصه تسنح لهم للتوسع على حساب الدولة الرسولية.
تنافس إمامي إسماعيلي
وقد صور صاحب (مسالك الأبصار) ذلك العصر بقوله: «واليمن مفرق الملك، بعضه بيد الشرفاء المطيعين لإمام الزّيدِيّة لا يطيعون إلاّ لأئمتهم القائمين منهم إمام بعد إمام، وقاعدة مملكته صنعاء، وبعضه بيد أكراد عصاة على ملوك اليمن، وبعضه بأيدي عرب لا تطيع».
قويت في المُقابل شوكة المهدي محمد، وذلك بعد 22 عامًا من إمامته، تحول من الدفاع إلى الهجوم، وحارب الإسماعيليين مُنافسيه التقليديين، وخَرَّب مَنازلهم، واستولى على عدد من حصونهم، وأخذ صنعاء من تحت أيديهم شعبان 723ه / أغسطس 1323م.
كانت صنعاء حتى بداية ذلك العام خاضعة للرسوليين، إلا أنَّه عندما توفي واليها الأمير الأسد بن نور الدين استدعى العسكر علي بن إبراهيم الأنف أحد دعاة الإسماعيلية، وعينوه أميرًا عليهم. وما يجدر ذكره أنَّه وأثناء حصار المهدي محمد بن المُتوكل المُطهَّر لصنعاء قام العساكر الرسوليون في حصن ذي مرمر بقتل أميرهم ابن عوسجه، وخانوا دولتهم، وراسلوا ذات الإمام، وسلموه ذات الحصن.
كان التنافس بين أئمة الزيدية ودعاة الإسماعيلية قائمًا حينها وعلى أوجه، وكل طرف كان يسعى جاهدًا لميراث أراضي الدولة الرسولية الشمالية بأسرع وقت، وبأيسر التكاليف، وقد قام الأخيرون في أواخر العام التالي بشراء حصن كوكبان من نائبه الرسولي؛ الأمر الذي أغضب المهدي محمد، فحاول السيطرة على ذلك الحصن الحصين، ولكن دون جدوى، وكانت الغلبة إجمالًا وفي غالبية المحاور لذات الإمام، وقد أنهى بالفعل السيطرة الرسولية على معظم المناطق الشمالية.
لم يكن للمجاهد علي المُنشغل حينها بكبح تمرد ابن عمه الظاهر عبدالله قدرة على إيقاف التوسعات الإمامية، ولمُحاربة ذلك الأمير المُتمرد توجه إلى عدن على رأس قوة عسكرية 19 صفر 726ه/ 24 يناير 1326م، لتصله أثناء المُواجهات الأولى على مشارف ذات المدينة، التي كان فيها مُنتصرًا، وبعد 20 يومًا من مقدمه أخبار بقدوم قوة عسكرية إمامية قوامها 13,000 مُقاتل بقيادة المهدي محمد لمُناصرة ذلك الأمير المُتمرد، فما كان منه وبعد أن حل الاضطراب في عسكره الذين كان معظمهم من الأكراد إلا أن آثر الانسحاب شمالًا، تاركًا عدن لمصيرها المحتوم.
لم يَستمر تواجد المهدي محمد المسنود أيضًا من قبل بعض الأكراد في عدن كثيرًا، غادرها بعد عدة أيام إلى ماوية، ومن الأخيرة عاد مُنكسرًا دون أن يظفر بطائل، ليراسل السلطان المملوكي محمد بن قلاوون طالبًا نصرته ضد المُجاهد علي، مُستغلًا الخلاف بينهما، ممنيًا سلطان مصر بالكثير من الغنائم، لم يحقق الأخير له طلبه، واكتفى بالرد عليه قائلًا: «إنَّه لا رغبة لنا في السلب، وأنَّ النُصرة تكون لله خالصة».
استقر المهدي محمد بعد ذلك في حصن ذي مرمر، وفيه كانت وفاته 22 ذو الحجة 728ه/ 27 أكتوبر 1328م، عن 64 عامًا، وتم بعد مرور 39 عامًا نقل رفاته إلى صنعاء، وهو أول إمام زيدي يدفن في ذات المدينة، وفي حمى جامعها الكبير.
بعد وفاة المهدي محمد أعلن من بلاد شظب (السودة) علي بن صلاح بن المهدي إبراهيم بن تاج الدين نفسه إمامًا، مُتلقبًا ب (الناصر)، وهو كسلفه من نسل الهادي يحيى، تأججت بدعوته نار المُنازعات، وثارت حوله الاعتراضات، ولم يطل بقاؤه كثيرًا.
سيطر الحمزات في تلك الأثناء على مدينة صنعاء، ومن ضواحي الأخيرة، وبدعم منهم، أعلن يحيى بن حمزة بن علي نفسه إمامًا 2 رجب 729ه/ 1 مايو 1329م، تلقب ب (المُؤيد)، وهو ثالث إمام ينتسب للحسين بن علي يتولى الإمامة الزّيدِيّة في اليمن، قدم جده وأبوه من العراق مع الإمام يحيى السراجي، وهذا الأخير جده لأمه، وهو أيضًا كان أحد أنصار الإمام المُطهر بن يحيى السابق ذكره، وكاد أنْ يتعرض للأسر على يد الرسوليين في معركة جبل اللوز الشهيرة، والسابق ذكرها أيضًا.
كان المُؤيد يحيى بن حمزة عالمًا غزير التصنيف، كثير الأنصار، وصلت دعوته إلى بلاد الظاهر، وصعدة، والشرف، وفي حصن هران آثر الاستقرار، وأقسم ذات نهار أمام محبيه: أنَّه «ما يعلم من أمير المؤمنين – يقصد علي بن أبي طالب – إلى وقته من هو أعلم منه».
ومن حرف سفيان أعلن أحمد بن علي الفتحي – من نسل أبي الفتح الديلمي – نفسه إمامًا، مُتلقبًا ب (المُتوكل)، وعارضه في ذات الوقت المُطهَّر بن المهدي محمد، مُتلقبًا ب (الواثق)، كان الاثنان ضعيفين، قليلي الأنصار؛ وقيل أنَّهما تنحيا بسبب ذلك للمُؤيد يحيي، ومن أشعار الواثق التي توضح منهجه العُنصري قوله:
لا ترتضي غير آل المصطفى وزرا
فالآل حق وغير الآل كالآل
فآية الود والتطهير أنزلتا
فيهم كما قد رووا من غيرِ إشكال
وهم سفينة نوح كل من حملت
أنجته من أزل أهواء وأهوال
والمصطفى قال إنَّ العلم في عقبي
فاطلبه ثَمَّ وخل الناصب القالي
رغم انشغال الرسوليين خلال تلك الحقبة بصراعتهم البينية، وجه المُجاهد علي حملة عَسكرية قوامها 11,400 مُقاتل، مسنودة بالمنجنيق للسيطرة على ذمار ذي الحجة 738ه/ يوليو 1338م، نجحوا في ذلك، واقتحموا حصن هران معقل المُؤيد يحيى، واستمر زين الدين قراجا (قائد تلك الحملة) واليًا على تلك الجهة لأقل من عام، تمرد عليه الأكراد، وعادت ذمار لحكم الإمامة الزّيدِيّة من جديد.
كان المُؤيد يحيى مُسالمًا للغاية، ولم يُسجل عليه المُؤرخون أي أعمال عدائية، عدا محاربته بداية حكمه للإسماعيليين، وكان الأخيرون كما سبق أن أشرنا قد تقوى جانبهم، وقد دارت بينهم وأئمة الزيدية حروب مُضنية أنهكت الجانبين، ليجنحوا بعد ذلك للصلح، إلا أنَّه – أي الصلح – وكما ستكشف الأحداث الآتية لم يستمر طويلًا.
تفرَّغ المُؤيد يحيى بعد ذلك للتأليف والعبادة، وذكر المُؤرخون أنَّه كان إمام علم أكثر مما هو إمام قتال وسياسة، وتوفي في 29 رمضان 749ه / 20 ديسمبر 1348م، عن 82 عامًا، ودفن في حصن هران.
طراز العترة الأهول
جَدد الواثق المُطهَّر بداية العام التالي دَعوته، وذلك بِالتزامن مع إعلان علي بن محمد بن علي من ثلا نفسه إمامًا ربيع أول 750ه / يونيو 1349م، تلقب الأخير ب (المهدي)، وهو من نَسل الهادي يحيى، كان قَويًا عكس أسلافه، عارضه الحمزات، وناصره كثيرون، وتَفرَّدَ المُؤرخ عبدالله بن علي الضمدي بِذكر حادثة توليه، حيث قال: «ولما توفي الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة قدس الله روحه، أظلمت الأمصار، وتوحشت الأقدار؛ فاجتمع علماء صعدة، وظفار، وحوث، ومذحج، نحو ثلاثمائة أو يزيدون، وكان اجتماعهم إلى مدينة ثلا، فطالبوا الإمام المهدي بالقيام».
المُؤرخ الضمدي أفاد أيضًا، أنَّ المهدي علي كان في لحظة اختياره إمامًا طريح الفراش؛ بفعل إصابته بإحدى المعارك التي قادها ضد الإسماعيليين في حراز، وتعرضه فيها لأكثر من 30 طعنة، كاشفًا أنَّ أنصاره تعرضوا خلال تلك المعركة للخديعة، وقُتل منهم كثيرين.
تنحى للمهدي علي الواثق المُطهَّر بعد أشهر من دعوته، وقال في خطبة تنحيه: «فأبى الله أنْ يجعل البسط والقبض، والإبرام والنقض، والرفع، والخفض، وإقامة السنة والفرض، إلا في مستودع سره، وترجمان ذكره، وولي نهيه وأمره، ومنفذ تهديده وزجره، علم الشرف الأطول، وطراز العترة الأهول، وصفوة المصطفى، وسبط الأئمة الخلفاء، الخليفة الولي، المهدي لدين الملك العلي، علي بن محمد بن علي صلوات الله عليه وسلامه».
كعادة أي إمام زيدي، طلب المهدي علي من أنصاره بذل أنفسهم وأموالهم لنصرته، وحين رأى من أهالي صعدة فتورًا، وعدم استجابة، طلب من القاضي جمال الدين علي بن محمد الدواري أن يكتب إليهم قصيدة شعرية يحرضهم فيها على الجهاد، فقال الأخير:
تخاذل أهل الدين عن نصر دينهم
وأجمع أهل المنكرات على النكر
فأين حماة الدين من آل أحمد
وشيعتهم أهل الفضائل والذكر
وأين ليوث الحرب من آل حيدر
وأبناء قحطان الجحاجحة الزهر
وأين الكرام المنفقون تضرعًا
لكسب المعالي والمحامد والذكر
ولإكمال المشهد أترككم مع ما قاله صاحب (مآثر الأبرار): «فبكى عند سماعها – يقصد القصيدة – جَماعة من القوم حتى اخضلت لحاهم، وتعاقدوا في ذلك الوقت، وتعاهدوا عنده على بذل الأموال والأرواح بين أيدي إمامهم.. وجعلوا ما يحتاجون إليه من ذلك على مقاسم، وألزموا أنفسهم في ذلك مائة ألف درهم».
ذكر مُؤرخو الزّيدِيّة أنَّ المهدي علي «أزال سبع عشرة دولة ظالمة»، وقد بدأ عهده بمحاربة الإسماعيليين، وعن ذلك قال المُؤرخ الضمدي: «وقام بالأمر، وشن الغارات على الباطنية، وأخرب قُراهم، وهي قريبة من ثلا»، ودانت له غالبية المناطق الشمالية عدا صنعاء، سيطر على الأخيرة لسبعة أشهر فقط، وخَرج منها بعد اتفاقية صلح مع مُنافسيه الحمزات.
تعمق الخلاف بعد ذلك بينه وبين الحمزات، فعمل على استئصال شأفتهم، وأجبر مُعظمهم على الهروب جنوبًا، بعد أن أخذ عددًا من حصونهم، ثم كانت بعد ذلك سيطرته على ذمار، جاعلًا إياها مَقرًا لحكمه؛ والسبب: مصاهرته لأكرادها، وليسهل له التمدد جنوبًا وغربًا على حساب الدولة الرسولية.
دار الكفر
وبالعودة إلى أخبار الدولة الرسولية، فقد تولى السلطان الأفضل عباس بن المُجاهد علي زمامها، وذلك بعد وفاة أبيه في عدن 25 جمادى الأولى 764ه/ 11 مارس 1363م، وبوصية منه، رغم وجود من هو أكبر منه سنًا، ورث عن سلفه تلك الأوضاع المضطربة، وانفتح له – حد توصيف المُؤرخ الخزرجي – في كل ناحية باب فساد.
لم يستسلم السلطان الرسولي الجديد لليأس، اهتم ببناء الجيش، وعمل بكل ما أوتي من عزيمة وصبر وقوة على تهدئة الأوضاع، أعاد السيطرة خلال الثلاث السنوات الأولى من حكمه على كثير من المناطق التهامية التي سبق أن سيطر عليها قبل عامين من توليه الحكم الأمير المُتمرد ووالي والده على حرض محمد بن ميكائيل، لتستعيد الدولة بذلك بعضًا من عافيتها.
وكان ابن ميكائيل هذا قد أعلن نفسه سلطانًا، وضرب السكة باسمه، وتسمى في الخطبة ب (الشريف الحسيب النسيب من أسري بجده ليلة الاثنين إلى قاب قوسين..)، وحظي بدعم من المهدي علي، وذكر المُؤرخ الخزرجي أنَّ بعض الأمراء الإماميين – بشقيهم الحمزي والهادوي – ومعهم الأكراد وقفوا ضده، وساندوا السلطان الرسولي في حربه تلك، وأجبروا الأمير المُتمرد على الالتجاء بداعمه.
لم يشر المُؤرخ الخزرجي إلى وجود تحالف بين السلطان الأفضل وبين الواثق محمد ضد المهدي علي كما ذكر بعض المُؤرخين، وللإمام المُتنحي – أقصد الواثق محمد – قصائد كثيرة تؤكد طبيعة علاقته مع الجانبين، وتثبت أنَّ تحالفه الأخير كان وقتيًا، انتهى بانتهاء ذلك القتال، حيث قال في إحدى قصائده:
فلما استوى العباس في الملك وانجلت
دياجير للنظار في جنحها أعشى
دعانا فلبينا نداه بعصبة
ترُش الثرى من ضربها رشا
بهاليل من أبناء فاطمة التي
قضى فضلها في الخلق من خلق العرشا
وفي المقابل، كانت علاقة المهدي علي مع الرسوليين شديدة التوتر، تربص بالأفضل عباس وبدولته شرًا، ساند ابن ميكائيل، وعمل على دعم المُظفر يحيى ضد أخيه السلطان، وأمد الأمير المُتمرد بالمقاتلين الأشداء صفر 766ه/ نوفمبر 1364م من أجل الاستيلاء على مدينة حرض، إلا أنَّ محاولتهما وتحالفهما باءا بالفشل.
وحين أعلن أشراف المخلاف السليماني بعد خمس سنوات تمردهم على الدولة الرسولية، أرسل المهدي علي بقوات كثيرة لمساندتهم، أسقطوا حرض، ثم واصلوا تقدمهم جنوبًا حتى زبيد، حاصروها جمادى الأولى 771 ه/ ديسمبر 1369م، لينسحبوا بعد أن عجزوا عن السيطرة عليها إلى الكدراء، وفي الأخيرة استقروا لخمسة أشهر.
أرسل السلطان الأفضل حملة عسكرية كبيرة لمطاردتهم بقيادة الأمير أمين الدين أهيف المجاهدي، والأمير ابو بكر السنبلي، أدرك الإماميون حينها أن لا طاقة لهم بمواجهة تلك القوات، ولوا هاربين إلى المهجم، وعادوا قبل أنْ ينتهي ذلك العام من حيث أتوا.
أعاد الإماميون بعد عامٍ وبضعة أشهر الكرة على تهامة، تصدى الرسوليون لهم بحزم هذه المرة، هزموهم هزيمة مُنكرة، وقتلوا قائدهم محمد بن إدريس، و100 من أصحابه، وأجبروهم ومعهم الأمير المُتمرد محمد بن ميكائيل على الهروب، التجأ الأخير إلى المهدي علي، أعطاه حصن المفتاح في حجة، وظل واليًا عليه حتى وفاته.
كما تبادل شعراء الدولتين خلال تلك الحقبة مُساجلات شعرية فيها الكثير من التحريض، وهي بمجملها توضح مرارة ذلك الصراع، وفظاعة العداء المستشري بين الجانبين، وحين قال الشاعر الرسولي محمد بن الراعي مُخاطبًا الإمام الزيدي:
أبى الرحمن إلا أن ترانا
لأهل السنة البيضاء سناما
ومن مدح الملوك ينال عزًا
ويَلقى الذُل من مدح الإماما
وما كالأفضل العباس تلقى
مليكًا لا وراء ولا أماما
عدمنا خيلنا إن لم تروها
على أبواب صعدتكم قياما
وكل جدوده لكم استباحوا
فسوف يكون في هذا لزاما
رد عليه الشاعر الإمامي يحيى بن الحسن الصعدي بقصيدة طويلة، خاطب فيها السلطان الرسولي على لسان سيده الإمام قائلًا:
فيا ابن التركمان بأي وجه
تحوز الفضل خلفا أو ظأماما
تطاولني وباعك في المعالي
قصير ما بلغت به مراما
أنا وجه المفاخر حين تبدو
أنا ساق الهدى حين استقاما
أنا السيف المهند قد علمتم
إذا طلع الضلال إلي هاما
فإن أحببت تشبه عبد عبدي
فسر نحو العلى سبعين عاما
فكم من وقعة دارت عليكم
تركنا المحصنات بها أياما
ويوم زبيد خيمنا عليها
وأقعدنا معاقلها القياما
وأخربنا المساكن حين كنا
بدار الكفر لا نهوى المقاما
ولمَّا كان المهدي علي جاروديًا مُتعصبًا؛ صرح بعض فقهاء الزّيدِيّة وبتحريض منه بتكفير مُخالفيهم، وكتب الفقيه يحيى الصعدي رسالة طويلة مليئة بالمفردات المُقززة، خاطب بها أتباع المذهب الشافعي قائلًا: «تركتم سفن النجاة، وسلالة الرسول، وتسميتم بأهل السنة والجماعة، من الوقاحة، وكثرة الخلاعة»، وأضاف: «أليس مذهبكم التجويز والجبر، فأخبرونا ما معنى النهي والأمر.. مقالات أخذتموها عن أرسطا طاليس، وعقائد شيخكم فيها إبليس، لتهجمن بكم طرق الغواية إلى النار، وسيعلم الكافر لمن عقبى الدار».
كما شبه أولئك الغلاة المُتعصبون إمامهم بالملاك الآتي من السماء، «لما خصه الله به من البهاء، وأتم له من النور»، حد توصيف أحدهم، وألصقوا به معجزات خارقة، منها: أنَّه مسح على رجل يبست يده حتى أعاد لها الحياة، والمفارقة الصادمة أنَّه – أي الإمام – أصيب في آخر عمره بالشلل، ولم تُغن مُعجزاته الخارقة عنه شيئًا!
أثناء مرضه الأخير، وفي نهاية عقده السابع، أناب المهدي علي ولده، وقائد جنده، وولي عهده الأمير صلاح الدين محمد بدلًا عنه، وحين أثر المرض على عقله؛ أعلن نائبه من ذمار نفسه إمامًا صفر 773ه/ أغسطس 1371م، مُتلقبًا ب (الناصر)، وذلك قبل عام واحد من وفاة سلفه، نقل جثمان والده المتوفى إلى صعدة، ودفنه بوصية منه جوار الهادي يحيى، وكان بشهادة كثير من المُؤرخين أسوأ منهما بكثير.