الأخبار الرئيسيةتقارير

الحركة العمالية اليمنية.. محور ارتكاز ثورة أكتوبر ضد الاحتلال البريطاني

 

سبتمبر نت/ فؤاد مسعد

 

“لم تمثل أية حركة وطنية أو حزب القضية الوطنية – بمعنى الإيمان العميق بوحدة النضال الوطني في عموم الساحة اليمنية، والإيمان بوحدة الوطن اليمني أرضاً وشعباً- كما مثلته الحركة العمالية، وقد شكّلت أهم الدعائم الأساسية للنضال الوطني”.

المؤرخ اليمن الراحل سعيد أحمد الجناحي في كتابه “الحركة الوطنية من الثورة إلى الوحدة”.

تأسيس النقابات العمالية في عدن
اعتمد الاستعمار البريطاني لجنوب اليمن على سلسلة من المؤامرات والمشاريع الرامية لتمزيق اليمن أولاً إلى شمال تحت سيطرة الحكم الإمامي وجنوب تحت سطوة الاحتلال البريطاني نفسه، وتمزيق الجنوب ثانياً إلى أكثر من 20 سلطنة وإمارة ومشيخة ليسهل للاحتلال السيطرة والبقاء لأطول فترة ممكنة.
وفي مقابل ذلك تشكل الوعي الوطني الثوري على أسس متينة ودعائم راسخة تستند على الهوية اليمنية الواحدة بتاريخها المجيد وحضارتها الضاربة بجذورها في أعمال التاريخ لمئات السنين.
وكان لهذا الوعي منطلقاته وركائزه التي كان في طليعتها النقابات العمالية التي تشكلت وبرزت أنشطتها وفعالياتها منذ خمسينيات القرن الماضي، وطالما كانت النقابات هي صوت الجماهير الذي ارتفع في وجه سلطات الاحتلال الأجنبي، كما كانت النقابات تجسد صورة الجماهير وهي تتأهب للثورة وتستعد لمواجهة الاستعمار بكل إمكاناته وسطوته وقوته ونفوذه.
وقد ساهم وجود عدد من المنشئات النفطية والاقتصادية في جنوب اليمن، وخصوصاً العاصمة عدن في تأسيس عدد من النقابات العمالية التي تركزت مطالبها في البداية على المطالب العمالية الأساسية ارتباطاً بطبيعة عملها. ولذلك فقد كان لعدن السبق في تكوين النقابات العمالية لوجود الميناء وشركة المصافي وغيرها من القطاعات الاقتصادية التي ضمت أعداداً كبيرة من العمال وصل عددهم في منتصف ستينيات القرن الماضي إلى أكثر من 80 ألف عامل، كما أن وجود التيارات الوطنية السياسية ساهم في تأسيس ودعم النقابات العمالية في مختلف القطاعات والمنشئات الاقتصادية، خاصة بعدما صارت عدن مقراً لقيادة البريطانية للشرق الأوسط، كما أصبحت مركزاً تجارياً للتصدير والاستيراد للدول المجاورة.
وتتفاوت آراء المؤرخين حول البداية العملية لتأسيس النقابات العمالية في عدن بين من يرى أنها تأسست أواخر ثلاثينيات القرن العشرين، ومن يرى أنها بدأت فعلياً في الخمسينيات، وهو ما بدا واضحاً من خلال الأنشطة الإعلامية والفعاليات الاحتجاجية ضد ممارسات الاحتلال البريطاني وسلطاته وما كان يصدر عنها من قوانين وقرارات وإجراءات تتضمن انتهاك حقوق العمال وتصادر حرياتهم، كجزء من سياسة استعمارية تسعى لإخماد كل توجه وطني مستقل يخرج عن دائرة الاحتلال ويرفض سياساته وممارساته.

المؤتمر العمالي: الإطار الجامع للنقابات العمالية في جنوب اليمن
في العام 1955 وصل عدد النقابات التي تم تشكيلها 12 نقابة أبرزها نقابة عمال الطيران المدني ونقابة العمال الفنيين ونقابة المصافي والميناء وكالتكس والملاحة.
بعدما بدأت النقابات تشكل ترفع صوتها في المطالبة بحقوق العمال شرعت الإدارة البريطانية في اتخاذ إجراءات لقمع الحركة العمالية والقضاء على النقابات، غير أن القيادات النقابية أدركت خطورة المساعي البريطانية فتوافقت النقابات – من خلال اجتماع ممثليها -على تشكيل هيئة قيادية للمؤتمر العمالي في مارس 1956، وكانت الهيئة برئاسة زين صادق.
ولم تقتصر عضوية المؤتمر العمالي على النقابات المشاركة في تشكيله بل واصلت النقابات انضمامها إلى المؤتمر حتى وصل عدد النقابات المنضوية نحو 30 نقابة، فيما بلغ عدد الأعضاء من العمال أكثر من عشرين ألف عضو. وبحسب بعض مؤرخي الحركة العمالية فقد شكل هذا المؤتمر أول إطار للوحدة الوطنية اليمنية. وفيما بعد توسعت الحركة العمالية في نضالها وفي مطالبها لتتجاوز قضايا العمال وحقوقهم إلى المشاركة في القضايا الوطنية ومنها مواجهة الاستعمار البريطاني في جنوب اليمن والحكم الإمامي في شماله، كما صارت الحركة العمالية شريكاً فاعلاً في دعم القضايا القومية العربية والثورة ضد الاستعمار ومواجهة العدوان الثلاثي ضد مصر عام 1956، والدعوة للتحرير والثورة والوحدة العربية.
وفي العام 1958 شكّل المؤتمر العمالي مع الأندية والجمعيات والشخصيات الوطنية إطاراً جديداً حمل اسم (الاتحاد الشعبي)، وتغير اسمه في العام التالي إلى (التجمع القومي) بعدما التحق به عناصر من حركة القوميين العرب وحزب البعث، وقد لعب دوراً رئيسياً في مواجهة الاستعمار البريطاني والحكم الإمامي وعمل على ترسيخ قضايا الوحدة اليمنية والقومية العربية في الوعي الوطني. وأخذ يطور وسائله وإمكاناته النضالية في مواجهة الاحتلال الأجنبي ومشاريعه والحكم الإمامي ومؤامراته.

صحيفة “العامل”: صوت الحركة العمالية اليمنية
أصدر المؤتمر العمالي صحيفة “العامل”، بدأت في العام 1958، وتوسع حضورها في العامين 1959 و 1960، وحملت شعار (الحرية والخبز والسلام)، وكان لها دور محوري في بلورة الوعي الوطني الذي يستند على أساس الوحدة اليمنية ومناهضة مشاريع الإمامة والاستعمار التي استندت في بقائها على تمزيق اليمن وابتكار هويات مزورة وأشكال مزيفة تهدف إلى إبقاء اليمن ممزقاً تتقاسمه أطماع الغزاة جنوباً وأوهام الأئمة شمالاً. وكانت صحيفة العامل تتبنى النضال الوطني اليمني في مواجهة الاستعمار والحكم الإمامي، كما تتبنى النضال العربي ضد الاستعمار الغربي وكل ما يهدد الوطن العربي.
أبدت الإدارة البريطانية في عدن انزعاجها من الصحيفة والعمال الذين تصدر عنهم، فقامت بمحاكمة محرريها (عبده سليمان ومحمد سالم)، والحكم عليهما بالسجن بتهمة مهاجمة القضاء، فثارت ثائرة العمال الذين هبوا لمناصرة صحيفتهم وقضيتهم فأعلنوا الإضراب الشامل، وأخرجوا المظاهرات التي جابت شوارع عدن للتنديد بالحكم القضائي والمطالبة برحيل الاستعمار، وصلت المظاهرات إلى مبنى الشرطة حيث تم اعتقال الصحفيين وهناك تصدت لهم الشرطة البريطانية لكنها لم تتمكن من كبح جماح الجماهير الغاضبة فاستعانت بالجيش لتتحول المواجهة إلى انتفاضة استمرت يومين، وقامت قوات الجيش والشرطة بإطلاق الرصاص والقنابل المسيلة للدموع ما أدى إلى استشهاد 5 متظاهرين وإصابة عشرة آخرين، واعتقلت الشرطة أكثر من 500 متظاهر، كما تم نفي وإبعاد نحو 250 عاملاً خارج عدن.
ورغم ذلك لم تتوقف وتيرة العمل الوطني والثوري الذي قادته الحركة العمالية، بل توسع ليشمل محافظتي أبين ولحج في فترة لاحقة وتواصلت الاحتجاجات والإضرابات الشاملة في عدد من القطاعات والمؤسسات الاقتصادية ما جعل الإدارة البريطانية في مواجهة مستمرة مع الحركة الثورية المتصاعدة، سيما بعد قيام ثورة يوليو 1952 في مصر، وانحسار النفوذ الاستعماري البريطاني في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
تآزرت الحركة العمالية مع المكونات السياسية الوطنية في شمال اليمن وجنوبه، وحملت على كاهلها مهمة دعم الحراك الثوري ضد الحكم الإمامي والاحتلال البريطاني، ولم تقتصر مشاركة الحركة العمالية في مشوار النضال الوطني على البدايات الأولى ومرحلة التأسيس بل امتدت هذه المشاركة وبشكل فاعل خلال مراحل النضال التالية للتأسيس، حتى قامت ثورة سبتمبر 1962 ضد الحكم الإمامي في شمال اليمن، وثورة أكتوبر 1963 ضد الاحتلال البريطاني في جنوب اليمن، وتوجت الثورة نضالها بالاستقلال الوطني في 30 نوفمبر 1967.

زر الذهاب إلى الأعلى