الأخبار الرئيسيةتقارير

انتفاضة طلاب المدرسة الوسطى في غيل باوزير أنموذجاً .. صفحات من نضال الحركة الطلابية ضد الاستعمار البريطاني

 

سبتمبر نت/ محمد الحامدي

 

منذ نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات دخلت الحركة الوطنية اليمنية مرحلة جديدة في نضالها من أجل إنهاء نظام الإمامة وإجلاء الاستعمار البريطاني وتوحيد الوطن، وكان أن تأثرت حركة الطلاب والتلاميذ بهذه التطورات وتجلى هذا التأثير في تحول نضالها من النضال المطلبي التعليمي الى النضال الوطني واصطفافها مع القوى الشعبية الأخرى في الساحة الوطنية.

أسهم الطلاب والتلاميذ في حركة التحرر الوطني بشكل فاعل، ويمكن تسجيل البدايات الأولى لبروز الحركة الطلابية بالمسيرة الطلابية في عدن عام 1947م.

كانت مدينة غيل باوزير بحضرموت المدينة التعليمية، حيث توجد بها المدرسة الوسطى ومدرسة ثانوية صغرى ومعهد ديني ومدرسة ابتدائية نموذجية.. وفر هذا العدد من المدارس مجالا خصبا للنشاط الثقافي والسياسي والاجتماعي، الأمر الذي كان له تأثير واضح في تنمية الوعي السياسي في المدينة.

والمدينة التعليمية كانت تشهد تقليدا سنويا وهو تنظيم احتفالات للمدارس ويجري  أبرز هذه الاحتفالات في المدرسة الوسطى- تحديدا.

في العام 1958م تزامن الاحتفال السنوي للمدرسة الوسطى بغيل باوزير مع احتفال شعوب البلدان العربية بحدث سياسي مهم في تاريخها المعاصر وهو اعلان الوحدة المصرية-السورية جاء هذا الاتحاد والشعوب العربية لاتزال تعيش نشوة الانتصار على العدوان الثلاثي ضد مصر، وعودة قناة السويس الى اصحابها، شعب مصر عام 1956م.

 

بداية الانتفاضة

انعكس تأثير هذه الاحداث السياسية بشكل واضح على برنامج احتفالات المدرسة الوسطى بشكل غير مباشر حيث بدأت الاحتفال السنوي للمدرسة الوسطى يوم الخميس 13 مارس 1958م وجاء لمشاهدة وقائع الاحتفال الآلاف من أبناء حضرموت ومن قرى ومدن عديدة كما حضر إلى مدينة غيل باوزير كبار الشخصيات الرسمية حينها ومنهم: المستشار البريطاني ووزير السلطنة القعيطية الحضرمية وأعضاء مجلس السلطنة.

بدأت الاحتفالات بمباراة في كرة القدم بين فريقي نادي الكواكب وفريق المدرسة الوسطى وبعد وقت قصير من انتهاء المباراة أي في الساعة السابعة والنصف من مساء ذلك اليوم الخالد في حياة المدينة وتاريخ الحركة الطلابية اليمنية بدأ الاحتفال المسائي في حديقة المدرسة.

ومع بدء الاحتفال بدأ العرس السياسي الوطني بموسيقى تعبيرية حماسية صاحبها ارتفاع لوحة كبيرة على المسرح رسمت عليها قبضة يد حديدية وعلى جانبي اليد علم مصر وسوريا وفي أعلى اليد انتشرت ألوان الفجر وتحت اليد كتب (الجمهورية العربية المتحدة) وتوالت بعد ذلك فقرات برنامج الحفل بكلمة ترحيبية ألقاها المدرس بالمدرسة فرج سعيد بن غانم وقال في كلمته:

«إن العيد يأتي متوافقا مع ميلاد الجمهورية العربية المتحدة وكانت الفرحة فرحتين وهذه الفرحة تعبر بحق عن آمال وأحاسيس شعبنا الطيب والمغلوب على أمره».

ثم بدأت فقرات الحفل الثقافي الفني ذي الهوية السياسية الواضحة حيث عالجت فقرات البرنامج عددا من قضايا حركة التحرر الوطني العربية في ذلك الوقت مثل ثورة يوليو وعبد الناصر، ثورة شعب الجزائر وقضية فلسطين وحقيقة أنه لم تتم معالجة قضايا شعب جنوب اليمن بشكل واضح وهذا الامر فرضته قوانين الاستعمار الكابتة لحرية الكلمة. ولكن الحديث عن قضايا التحرر العربية كان ضمنيا هو حديث عن شعب اليمن وقضاياه فالعدو مشترك وهو الاستعمار، وتضمن برنامج الحفل قضية البترول في حضرموت الذي كان مثار اهتمام الكثير حينها لوجود شركة اجنبية (بان امريكان) تنقب عنه. وفي هذه الندوة التي شارك فيها طلاب وشخصيات اجتماعية في البلاد طرح موضوع استغلال الاستعمار للموارد الاقتصادية للبلاد.

المستشار البريطاني يغادر ساحة الاحتفال غاضبا

إلا أن أبرز فقرات الحفل التي اثارت غيظ وغضب المستشار البريطاني بوستيد هي مسرحية (بور سعيد) وكلمة ممثل جمعية الادب الإنجليزي التي القاها الطالب مصطفي عبود بعنوان (يقظة العرب).

ومما جاء في هذه الكلمة التي ألقيت باللغة الإنجليزية ما يلي: «بغير ثقتنا بأنفسنا وتضحياتنا وايماننا بقدرتنا في ان نحقق وحدتنا لا نستطيع ان نبني مستقبلنا الزاهر، لقد ذدنا عن حقوق الانسان ونشرنا المعرفة وحمينا السلام. إن الحق والأمانة والكرم والشجاعة كانت على مر العصور تحسب بعضا من مناقبنا ونحن الآن نتأهب لنستعيد مكانتنا ، ففي كل أرض تسمع صيحات جريئة تنادي بالحرية، إن خيرة شبابنا يقذف بهم في أعماق السجون القاسية الحالكة، إن بركا من الدم العربي الحر تراق وتهدر، إننا نكافح كل قوى الشر ولكن مع كل شروق للشمس يشرق الأمل في قلوبنا…إنها معركة، النصر فيها أكيد ونحن على استعداد لأن نحارب لننتصر».

عقب اكمال الكلمة غادر ساحة الاحتفال المستشار البريطاني (بوستيد) وعلامات الغضب بادية على محياه، ومنذ لحظة المغادرة بدأت ردود الفعل من إدارة المستشار البريطاني والسلطة المحلية تجاه الطابع السياسي لاحتفال المدرسة الوسطى بغيل باوزير.

وفي اليوم الثاني من عيد المدرسة أي يوم الجمعة 14 مارس 1958م أقيم معرض لإبداعات الطلاب العلمية والثقافية وفي المساء عرضت مسرحية بعنوان (مصرع الخيانة) وعالجت المسرحية الدور الخياني لبعض الأنظمة العربية تجاه قضايا الأمة العربية وذلك من خلال الارتباط بالاستعمار وتنفيذ خططه وحذرت المسرحية هذه الأنظمة من النهاية المحتومة لها وهي السقوط تحت ضربات شعوبهم، وهذه المسرحية عنت أيضا مشيخات وسلطنات جنوب اليمن المرتبطة بالاستعمار البريطاني والمنفذة لخططه في البلاد.

القمع والتصدي

بعد أقل من ثلاثة أيام من انتهاء احتفالات المدرسة الوسطى دعي المجلس السلطاني بالعاصمة المكلا ومجلس الدولة للانعقاد بإيعاز من المستشار البريطاني وذلك لمناقشة موضوع احتفالات المدرسة الوسطى التي رأى فيها المستشار البريطاني بوستيد عملا معاديا لدولته ويتعارض مع معاهدة الحماية والاستشارة الموقعة مع السلطنة القعيطية الحضرمية وأقر في اجتماع المجلسين عزل مدير المدرسة الوسطى الأستاذ سالم يعقوب باوزير وذلك كإجراء أولي ضد احتفال المدرسة.

وصل ناظر المعارف في اليوم التالي الى مدينة غيل باوزير لإبلاغ مدير المدرسة بالقرار وصحب معه شخصا آخر لإحلاله محل المدير المعزول وبالطبع لم ينس ناظر المعارف أن يصحب معه فرقة من الشرطة تحسبا لأي شيء يحدث.

حاول ناظر المعارف عند لقائه مع الطلاب اقناعهم بالقرار إلا انه جوبه برفض الطلاب للقرار وشتمه شخصيا وتلا ذلك خروج طلاب المدرسة الوسطى في مسيرة سلمية جابت شوارع مدينة غيل باوزير مرددة هتاف: (نريد مديرنا، لا عودة إلا بالمدير، يسقط عملاء الاستعمار).

السلطات تغلق المدرسة الوسطى

اتنشر خبر عزل المدير في جميع انحاء المدينة وبعد ساعات قليلة شهدت مدينة غيل باوزير تضامنا مع طلاب المدرسة الوسطى وبسبب محاولات الشرطة التصدي للمسيرات تمت عملية مجابهة بين رجال الشرطة والطلاب أدت الى جرح عدد من المتظاهرين وأشعل الطلاب النار في عدد من السيارات والمباني الحكومية.

أظهر المدرسون تضامنهم مع مدير المدرسة وذلك بإعلان الاضراب عن العمل وكمحاولة من إدارة المعارف للإيقاع بين المدرسين وايهام الرأي العام المحلي بأن قلة من المدرسين هم الذين ساندوا المدير أصدر ناظر المعارف قرارا قضى بإيقاف أربعة من أساتذة المدرسة الوسطى وهم:

فرج بن غانم، فيصل بن شملان، سالم محمد عبد العزيز، صالح لرضي.

وامام زيادة شدة انتفاضة طلاب مدينة غيل باوزير وتحول مضمونها من حركة تضامن مع مدير وأساتذة وطلاب المدرسة الوسطى الى حركة مناهضة للوجود الاستعماري ورافضة لسياساته التعليمية. اتخذت السلطات المحلية قرارا بإغلاق المدرسة الوسطى وترحيل الطلاب الى منازلهم وارادت السلطات المحلية من خلال هذا القرار إرهاب الطلاب والضغط على اسرهم.

الا ان السيارات التي أقلت الطلاب كانت بمثابة مسيرات متحركة منددة بالاستعمار البريطاني والحكومة القعيطية الحضرمية، وساعد عودة الطلاب الى مدنهم وقراهم المختلفة في نشر أخبار الانتفاضة الطلابية في عموم حضرموت الامر الذي وسع دائرة التضامن مع مدير وأساتذة وطلاب المدرسة الوسطى.

تضامن واسع مع انتفاضة الطلاب

أوجدت أحداث الانتفاضة في مدينة غيل باوزير والإجراءات القمعية تجاهها حركة تضامن واسعة داخل حضرموت وخارجها الأمر الذي منح الانتفاضة الطلابية بعدا محليا وعربيا ، كما أكد على ترابط حركة النضال الوطني رغم عدم وجود التنظيم الموحد لنضالهم حينها وتجزؤ البلاد الى عدد كبير من السلطنات والمشيخات.

أولى بيانات التضامن كانت من أبناء مدينة غيل باوزير الذين وجهوا رسالة الى وزير السلطنة دعوا فيها الى إعادة فتح المدرسة الوسطى وأبدوا أسفهم للإجراءات التي اتخذتها إدارة المعارف.

وعقدت الهيئة الإدارية للنادي الثقافي بالمكلا اجتماعا في 23 مارس 1958م نوقش فيه موضوع إجراءات إدارة المعارف ضد الطلاب ومدير وأساتذة المدرسة الوسطى واقر الاجتماع رفع مذكرة الى وزير السلطنة يتم من خلالها:

التعبير عن الاستياء الشديد للعمل الذي قامت به إدارة المعارف.

إعادة فتح المدرسة الوسطى

كما تقدم شيوخ قبائل حضرموت بعريضة وقع عليها أكثر من عشرين شيخا طالبوا فيها بإعادة الدراسة وإيقاف قرار فصل مدير المدرسة الأستاذ سالم يعقوب باوزير.

وأصدر الكتاب الأحرار في عدن بيانا تضامنيا مع مدير وأساتذة وطلاب المدرسة الوسطى ومن الشخصيات التي وقعت على البيان: عبد الله باذيب، أحمد عوض باوزير، محمد علي الاكوع.

وأصدر طلاب كلية عدن بيانا تضامنيا مع زملائهم الطلاب في غيل باوزير.

وكرست عدد من الصحف الصادرة في عدن والمكلا بعض صفحاتها للحديث عن انتفاضة طلاب المدرسة الوسطى بغيل باوزير ومن هذه الصحف:

صحيفة الفكر، الجنوب العربي، الرقيب.

انتصار إرادة الطلاب

تحت ضغط التضامن الواسع مع مدير وأساتذة وطلاب المدرسة الوسطى وكمحاولة من السلطة لامتصاص النقمة الشعبية بسبب الإجراءات التعسفية التي اتخذتها ضد المدرسة الوسطى أصدرت إدارة المعارف قرارا بإعادة الدراسة في المدرسة الوسطى بعد توقيف دام أكثر من شهر.

وبذلك انتصرت إرادة الطلاب أثر تلاحم وتكاتف وطني واسع ومنظم على تعسف المستشار البريطاني وصلفه وعززت انتفاضة طلاب المدرسة الوسطى بمدينة غيل باوزير 1958م مسار الحركة النضالية الوطنية على امتداد الساحة اليمنية لتكون بذرة خيرة على طريق الثورة اليمنية الخالدة.

 

المراجــــع:

– دراسات في تاريخ حضرموت الحديث والمعاصر- د. صالح علي باصرة.

– دراسات في تاريخ الثورة اليمنية.

– حضرموت والاستعمار البريطاني 1937-1967م – أحمد عبيد بن دغر.

زر الذهاب إلى الأعلى