لبوزة.. حكاية ثائر وثورة واجهت وطردت أعتى مستعمر من جنوب الوطن

سبتمبر نت/ بلال الطيب
منذ الـوهلة الأولى لانـدلاع ثـورة 26سبتمبر 1962م، هب أبناء ردفان، كغيرهم من ثوار الجنوب، لمساندتها، وكـان الشيخ الثائر راجح بن غالب لبوزة الاسم الأشهر في تاريخ اليمن النضالي في الصفـوف الأولى للمُواجهة، وبقرار اتُخذ من صنعاء والأعبوس اشتعلت جبال ردفـان بالمقاومة، قام الإنجليز بعدة حملات عسكرية لإخضاعها، بـاءت جميعها بالفشل، وبالفعل كانت تلك الثورة نواة الكفـاح المـُسلح، والضربة القاصمة التي أجبـرت المـُحتل على المـُغادرة.
مُقدمات نضالية
تعود المـُقدمات النضالية لأبناء ردفان إلى العام 1881م، وهو العام الذي احتل فيه الإنجليز منطقة الضالع، رفضوا عام ذاك الضرائب الجائرة التي فُرضت عليهم من قبل الأخيرين، فأرسل المـُحتل بحشد من عساكره لتأديبهم، تصدى الثوار لهم ببسالة، وشهدت سائلة حردبة فصول تلك المواجهة، أذعن الإنجليز حينها للأمر الواقع، وطالبوا على غير عادتهم بالحوار.
بعد تلك الواقعة بـ 61 عامًا قام أبناء ردفان بانتفاضة أخرى 1942م، تولى الشيخ الثائر راجح بن غالب لبوزة مهمة قيادتها، نجح بالهجوم على ثكنة عسكرية في جبل الحمراء، تمكن من القضاء عليها، ذاع حينها صيته، وصار الجمَّال النحيل الذي امتهن جلب الحبوب من الضالع وقعطبة بطلًا لا يشق له غبار.
استغل الشيخ لبوزة الخلاف بين الإنجليز والإمام أحمد يحيى حميد الدين، وتوجه ومعه أفراد من قبيلته (آل قطيب) إلى منطقة السخنة لمقابلة الأخير 1956م، حظي وأصحابه بدعم منه محدود، ليقوم الإنجليز بعد عودتهم بقصف قراهم، تصدى الثوار ببنادقهم الألمانية التي حصلوا عليها للطائرات الإنجليزية، وأسقطوا منها اثنتين.
طلقة رصاص
أواخر مارس 1963م هبَّ أكثر من 300 مُقاتل ردفاني لمساندة الثورة السبتمبرية على مجموعتين – مجموعة بقيادة الشيخ لبوزة، وأخرى بقيادة سيف مقبل القطيبي، سطروا في عبس والمحابشة صفحات ساطعة من الإقدام، وفي قريتي الوعيل ومفتاح سجلت مجموعة الشيخ لبوزة أروع انتصاراتها.
كان قتال أبناء ردفان في جبال حجة مُشرفًا، شهداء وجرحى كُثر سقطوا منهم، ليعودوا بعد ثلاثة أشهر إلى صنعاء، وذلك بعد أنْ أعلن من ذات المدينة عن تأسيس الجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمني المحتل، أصدرت الأخيرة بيانها التحرري يونيو 1963م، كان الشيخ لبوزة، والشيخ سيف مقبل من جملة الموقعين عليه، التقوا بعدها بالرئيس عبدالله السلال، والمناضل قحطان الشعبي، وتم الاتفاق على فتح جبهة في ردفان على أن يتولى الشيخ لبوزة قيادتها.
تنفيذًا لذلك الاتفاق، عاد الثوار إلى ردفان نهاية أغسطس 1963م، وبحوزتهم أسلحتهم الشخصية، وبعض القنابل، وحين علم ني ميلن الضابط السياسي البريطاني بذلك، أرسل إلى الشيخ لبوزة ومجموعته، وطلب منهم تسليم أنفسهم، وأسلحتهم، ودفع 500 شلن غرامة على كل فرد؛ كضمانة لعدم عودتهم إلى الشمال مرة أخرى، رد بطلنا الثائر عليه برسالة قوية، وأرفقها بـطلقة رصاص.
لبوزة الثائر الأمي الذي لا يجيد الكتابة إلا بلغة البندقية، أملى لكاتب رسالته عبارات مُختزلة خالية من مفردات المهادنة الاستسلام، قال للضابط الإنجليزي: «عُدنا إلى بلدنا، ولم نعترف بكم ولا بحكومة الاتحاد المزيفة، وإن حكومتنا هي الجمهورية العربية اليمنية، ونحذركم من اختراق حدودنا».
استشاط الضابط الإنجليزي غضبًا، وتقدم في اليوم التالي صوب ردفان، ألقى القبض على مجاميع قبلية عائدة لتوها من الشمال، فما كان من الثوار إلا أنْ تمترسوا فوق جبل البدوي المـُـطل على الحبيلين، لتدور في صبيحة يوم الاثنين 14أكتوبر1963م مواجهات شديدة بين الطرفين، استمرت لأربع ساعات، انتهت قبل أن ينتصف نهار ذلك اليوم بسقوط الثائر لبوزة شهيدًا عن عمر يناهز الـ 64 عامًا، متأثرًا بثلاث شظايا لقذيفة مدفعية اخترقت جسده الطاهر.
أذاعت إذاعتي صنعاء، وصوت العرب من القاهرة النبأ الفاجعة، وبعد مواراة جثمان الشهيد، فتيل الثورة وفارسها المقدام، تعاهد الثوار فوق قبره على مواصلة المشوار، اختاروا ولده بليل قائدًا لهم، وجعلوا من وادي دبسان مسقط رأس الشهيد مقرًا لعملياتهم العسكرية.
مثلت لحظة استشهاد لبوزة بداية حقيقية لمرحلة الكفاح المسلح، جميع الكيانات الجنوبية المسلحة اعتبرتها كذلك، أصدرت الجبهة القومية لتحرير الجنوب بيان حماسي نعت فيه الشهيد، وأكدت مواصلة النضال، جاء فيه: «ونعاهد راجح بن غالب أن نخوض المعركة حتى النصر، مهما كانت التضحيات».
حكومة الاتحاد من جهتها أصدرت بياناً طويلاً مليئاً بالأكاذيب تم بثه عبر إذاعة عدن، جاء فيه: «أن فرقة مؤلفة من الجيش والحرس الاتحادي تعرضت لنيران فريقين من رجال العصابات، كانوا يطلقون النار من مراكز تقع في الجانب الجبلي، ويتألف الفريقان من ثمانية وثلاثين رجلًا، بقيادة قائد رجال العصابات الرجعي المـُـفسد راجح بن غالب لبوزة، ولم يصمد أتباع اللص لبوزة أمام القوات الاتحادية المدربة تدريبًا عاليًا، التي أرغمتهم على الفرار».
نهاية ذات العام أصدرت قيادة الشرق الأوسط البريطانية في عدن تقريرها الفصلي عن الموقف القبلي وتقييم الامكانيات، رفعته إلى وزارة الدفاع في لندن، جاء فيه: «أن الشيخ راجح غالب لبوزة قد قاتل قوات الحكومة، وقُتل على يد قوات الحكومة الاتحادية، وكان رجلًا شجاعًا، وصادقًا، ويستحق الاحترام».
كسارة جوز الهند
سعى الإنجليز لكبح الثورة في مهدها، قاموا خلال العام 1964م بخمس عمليات كبيرة، شارك فيها آلاف الجنود، وعدد كبير من الأسلحة الثقيلة، أطلقوا على حملتهم الأولى (نتكراكر)، ومعناها كسارة جوز الهند، تكونت من الكتائب الثانية، والثالثة، والرابعة لجيش الاتحاد، معززة بكتيبة مصفحات، وبعض القوات البريطانية المسنودة بالدبابات والمدفعية والطائرات، وكانت منطقة الثمير نقطة تجمعها.
ما أن أقلت طائرات الهيلوكبتر كتيبة من الجنود فوق الهضاب المشرفة على وادي ربوة، ووادي المصراح حتى انهال الثوار عليها بالضرب من بنادقهم، لتسارع القيادة الإنجليزية بوقف هذه العملية نهاية ذات الشهر، ثم عادت وأمرت باستمرار إنزال الجنود، وبالفعل أنزلت ثلاث فرق، أحاط بهم الثوار وأجبروهم على الرحيل مشيًا على الأقدام.
قام الإنجليز بعد ذلك بحملتهم الثانية رستم، سيطروا فيها على وادي تيم، ووادي ذنبه، نجح الثوار بعد أنْ وصلهم الدعم في استعادة تلك المناطق، وقتل عدد من الجنود، أعلنت إذاعتي صنعاء والقاهرة نبأ ذلك الانتصار، الأمر الذي أغاض الإنجليز، قاموا أواخر مارس بإرسال سرب مكون من ثمان طائرات من نوع هنتر لضرب حريب، وهو التعدي الصارخ الذي أثار سخطًا عامًا في الصحافة البريطانية، وهيئة الأمم المتحدة.
اعترفت تقارير المخابرات البريطانية حينها أنَّ عدد الثوار في ردفان وصل إلى أكثر من 500 مُقاتل، ولأول مرة ذكروا بأنَّ الثوار صاروا يلبسون بدلات رسمية، وأنَّهم في غاية التنظيم، ومسلحون تسليحًا جيدًا.
بعد فشل الحملة الثانية منتصف إبريل من ذات العام، قرر الإنجليز القيام بعملية عسكرية كُبرى بقيادة المأجور جنرال جون كابون، القائد العام للقوات البرية في الشرق الأوسط، وهي قوات خاصة سميت (بقوة ردفوس)، وقد خصص للعملية عدد كبير من الطائرات، وحددت أهدافها بمنع الثورة من الانتشار، وإيقاف الهجمات على طريق الضالع، فيما بلغ عدد الجنود المشاركين بها حوالي 3000 جندي وضابط، واستمرت لحوالي 25 يومًا، وكسابقتها كان مصيرها الفشل الذريع.
الذئاب الحُمر
على الرغم من تمركز قوات الكومندوس البريطانية فوق الجبال المـُـطلة على وادي تيم، ووادي ذنبه، وتهجيرها لسكان قرى الواديين، استمر الثوار المتمركزين شمال وادي تيم، ووادي المصراح، وجبال البكري بمناوشتهم وتكبيدهم الكثير من الخسائر، ولذلك قرر الإنجليز القيام بحملة رابعة بقيادة بلكر، استمرت من 11 حتى 23 مايو من ذات العام.
أراد الإنجليز من خلال هذه الحملة تعريف الثوار بقدرة جنودهم على التغلغل في عمق المناطق الوعرة، والاستحواذ على جبال البكري الاستراتيجية، وقد كان لهم ذلك، دارت المعركة الرئيسية في قرية القطيشي، ليشهد الإنجليز بعد انتهائها بشجاعة أبناء ردفان وبسالتهم.
بعد ذلك تأتي الحملة الخامسة من 24 مايو إلى 23 أغسطس 1964م، بقيادة بلير، ثم بلكر، وكان الهدف منها السيطرة على جبل الحورية أعلى قمة في ردفان، شن جيش الاحتلال هجمات فجائية على وادي تحلين بهدف السيطرة عليه، وقطع طرق قوافل الثوار المـُحملة بالذخائر والمؤن من الشمال، إلا أنَّ الثوار تصدوا لهم، أسقطوا طائرة هيلوكبتر، وأعطبوا طائرتين.
اضطر وزير الدفاع البريطاني دنكن ساندر حينها أن يأتي لجبال ردفان الملتهبة في عز شهور الصيف، محاولًا رافع معنويات جنوده المنهارة، كما اضطرت الحكومة البريطانية أن تستقدم بعض جنودها المتواجدين في جنوب افريقيا وايرلندا، ولقوة وبسالة ثوار ردفان كانت الصحافة البريطانية تطلق عليهم: (الذئاب الحمر).
عقد مجلس العموم البريطاني جلسة خاصة لمناقشة تداعيات ذلك الوضع المـُربك، وذكر أحد المؤرخين – حضر تلك الجلسة – أن أعضاء المجلس تحدثوا عن صمود أبناء ردفان، وتسأل أحدهم: كيف لم تستطيع قواتهم المزودة بأحدث العتاد العسكري من القضاء على المتمردين، وكيف لم تتمكن 1700 غارة جوية من ضرب مواقعهم؟!، وعلق ساخرًا: «لقد أقاموا متحفًا أطلقوا عليه متحف الرؤوس البريطانية، لكثرة قتلانا هناك».
الأرض المحروقة
لم يسترح ثوار ردفان لحظة، تمكن الإنجليز نهاية عام 1964م من تضييق الخناق عليهم، تمترسوا في المرتفعات الوعرة، الصعبة المسالك، ظلوا أيامًا بلا ماء ولا طعام ولا ذخيرة، حتى الهواء لم يكن سوى غلالة كثيفة من رائحة البارود، الأمر الذي زادهم قوة وصلابة، لم يتزحزحوا عن مواقعهم قيد أنملة، تغلبوا على جميع المعوقات، وأثبتوا للجميع أن الثورة مُستمرة، وأنَّ بريطانيا يمكن هزيمتها.
تأكد حينها للقاصي والداني نُبل مطالب الثوار، وقوة شكيمتهم، وقساوة المـُحتل، وحقارة عملائه، خاصة بعد أن مارس الأخيرين جرائم حرب شنيعة في حق ردفان وأبنائها، أخذت طابع الأرض المحروقة. سمموا الآبار، وزرعوا الألغام، وقصفوا المنازل، وتسببوا بكارثة إنسانية فظيعة، نزح بسببها آلاف المواطنين إلى الضالع، وماوية، وعدن، وقد أدان أحد أعضاء مجلس العموم البريطاني تلك الأعمال، وتناقلت تصريحاته وكالات الأنباء العالمية.
وفي عدن وقف أحد السياسيين الجنوبيين يتأمل أفوج النازحين، وقال مُتهكمًا: «هذا ما جنته ردفان من الكفاح المسلح»، وماهي إلا أيام قلائل حتى ضجت شوارع تلك المدينة بالثورة، ولم يكد ينتهي العام 1965م إلا وهناك 12 جبهة مفتوحة في أرياف الجنوب، ساهمت عمليات عدن الجريئة في تخفيف الضغط عليها، وصارت ردفان في فم كل ثائر، حسب أغنية شهيرة للفنان محمد مرشد ناجي، لتكلل تلك التضحيات برحيل المـُحتل نهائيًا 30 نوفمبر1967م.
الثورة الحقيقية رُوح وثابة، تتجدد ما تجدد الظلم، وتنتصر ما توفرت الإرادة، يُحدثنا التاريخ كثيراً أن الثورة – أي ثورة – لا تحظى في بدايتها بالدعم المـُحفز للاستمرار، وأنَّ الثوار – أي ثوار – يكونوا عُرضة للتآمر والاحتقار، من القريب قبل البعيد، إلا أنها مع مرور الوقت تُصبح سلوكاً مُعدياً، وظاهرة مُجتمعية عصية على التشويه والانكسار.
الثورة قضية صادقة، وفعل مُستمر، وهي قبل هذا وذاك انسان حر يُضحي دون مَنّ، وجُغرافيا صامدة تختزل الوطن، وكما لكل صمود ضريبة؛ فإن لكل انتصار ثمناً، وتبقى 14 أكتوبر 1963م ثورة ردفان، واجهت أعتى احتلال، وانتصرت، وهو انتصار محسوب لكل اليمن، والتاريخ يقول: أصحاب الأرض باقون، والغُزاة دوماً إلى زوال.