تَواصل سِلبي

img
مقالات 0

بلال الطيب

 

«إن موقف الطاغية كذلك الذي يَقطع الشجرة لكي يَقطف الثمرة»، حِكمة قالها الفيلسوف الفرنسي شارل مونتيسكيو قديمًا، فجسدها الأئمة من بيت حميد الدين وأسلافهم في حُكمهم الكهنوتي، وكما كانت اليمن بالنسبة لهؤلاء قرية للجبايات الكبيرة، كان الشعب تلك الشجرة الغنية بالثمار، التي سقطت في الأخير فوق من اعتدى عليها، وأردته قتيلًا.

 

فقه سياسي

تعددت أسماء الجبايات الإمامية، والسلب في النهاية واحد، تارة كانوا يسمونها زكاة، وتارة واجبات، ومرة عُشر، وأخرى حق بيت المال، وكُله في الأول والأخير يتم باسم الله، ويُنهك عباد الله.

 

جعلوا، أي الأئمة السلاليين، من الرعية المُستضعفين مصدرًا رئيسيًا لدخل الدولة، ولم يبحثوا عن مصادر أخرى لذلك الدخل، وعن ذلك قال الأستاذ أحمد محمد نعمان: «لقد بات من المـُقرر أنَّه ليس للحكومة مورد من موارد المال إلا من أرض الفلاح، ومزرعة الفلاح، وعناء الفلاح، وكد الفلاح، فهو قُوتُها، وقوتها، وكنزها، ومتجرها الذي لا تعرف سواه».

 

وبلغ الأمر بالإمام يحيى أنَّه كان يحدد مقادير الزكاة بنفسه، ويؤكد ذلك هذه الرسالة التي بعثها لأحد عماله 9 فبراير 1926م، حيث قال: «قد سبق الأمر إليكم بقبض علف الذرة من نفس شبام، بعد كل قدح ربع ريـال، وحيث تحقق بأنَّ ذلك موافق للحق، نأمركم بالقبض من جميع ما تحت نظارتكم من المحلات، بعد كل قدح ربع ريـال من ذرة وغيرها، فخرج ما لم يستفاد بعلفه مثل الخردل، والحلبة، والقلا، والعدس، والسعتر، والذرة. وهذا اعتبار من الصراب الحاصل بهذه السنة، واجروا الضم على التزام ما يقاوم الثمن، ريال الزائد على الدرهم، فلا بد من ضمه، حيث كان الالتزام بشرط أن القبض بعد كل قدح ثمن ريـال، فاعتمدوا هذا».

 

أوغلت تلك السلطات الغاشمة في تفتيت وتمزيق الشعب الواحد على قاعدة العصبية المذهبية والعرقية السلالية، وصيروهم – تبعاً لذلك – رعية وعساكر، ولقد عرَّف الشهيد محمد محمود الزبيري الإمامة: بأنَّها فكرة مذهبية طائفية يعتنقها من القديم شطر من الشعب، وهم الزيدية – أي الهادوية – وأنَّ باقي اليمنيين لا يدينون بها، ولا يرون لها حقًا في السيطرة عليهم، مُشيـرًا إلى أنَّ التَحكم الإمامي خلق شعـورًا مَريرًا لدى الغالبية، وأبقى الانقسام ظلًا قاتمًا رهيبًا يخيم على البلاد.

 

وأكد القاضي الزبيري أنَّ سكان المناطق الشمالية العُقلاء منهم أبرياء من هذا الافتئات والظلم، وأنَّهم لبثوا الدهر الطويل يعانون مرارة الطغيان، ويرون فيه حكمًا طارئًا عليهم، دخيلًا على حياتهم، يفرض عليهم إلى جانب السُلطة السياسية سلطة روحية تعيش في دمائهم كالكابوس الرهيب، وتُجرعهم المـُعتقدات المسمومة، ثم تُطلقهم على الفريق الآخر كالذئاب المسعورة.

 

مـارس الإماميون العبث على عباد الله، في حياتهم وممتلكاتهم، فالاستبداد المُطلق، كان عنوان حكمهم، وهويته اللصيقة به، والطغيان الأحمق، كان سُلوكهم اليومي الذي يتباهون به، قـادوا البلاد والعباد بما أملته عليهم رغباتهـم الفجَّة، وفَصّلوا فقهاً سياسيًا يشملهم بكل الخيرات، ويستثني كل اليمنيين.

 

ألسنا مُسلمين؟!

كانوا – أي أولئك الأئمة السلاليين – يقولون أنَّهم يَحكمون بأمر الله، وباسم الحق الإلهي، وما من استبداد سياسي – كما قال الكواكبي – إلا ويتخذ لنفسه صفة قدسية يُشارك بها الله، والطغاة – كما قال علي الوردي – يعبدون الله، وينهبون عباد الله في آن واحد.

 

ولتوضيح هذه الصورة أكثر، أترككم مع هذه المُقتطفات من قصيدة طويلة للشاعر سليمان بن عبدالرحمن الكحيلي الصلوي، عدد فيها تلك الجبايات التعسفية بمفردات دارجة أكثر شُمولًا، وهي – أي القصيدة – مُرسلة في الأصل للإمام الطاغية يحيى حميد الدين، جاء فيها:

 

بلغــــــــوا عــــنا أميـــــر المؤمنين

أنَّ هــــذا الظـــــلم آذى المســــلمين

تـــــــرك الامـــة في أمــــر مهيــن

مـــــــا جرى منــــــا ألسنـا مسلمين

أولاً يستـــلــــمــون الـــعـــاشـــــرة

وهي في التــــخمين ضربة جائرة

وعــــــوائــدهــــا عليــــها دائـــرة

والرعــــايا مـــن عنـــاياها ذاهلين

بعد هـــــذا طلبـــــوا ثلــــث البــدل

ازعجـــــوا النـــــاس بسهـــل وجبل

ســـلمــــوا فــورًا بغــاية العــــجـــل

وهـــــم إذ ذاك قــهــــرًا باكئــــيـــن

طفقـــــوا يحصــــــون أنــواع الثمار

أول الدفتــــــر اســـم الدجــر صار

والذرة نوعــان بيضـــــاء وصــفار

برهم حنـــــطة واســـم الهند صين

عـــدة الأغــــنــام رابـــــع مـا ذكـر

والمخــــضــر ثـم فــول وعــــتــــر

وكــــــذا البسبـــاس معها قد سطــر

والريـــــاحيــــــن أتـــت واليـاسمين

دمغـــــة باســـم إعــانة حـــــربيــة

والغنـــــي المثــري بحــــاجة ربية

والــــذي قد كــــــان يمـــلك جنبـية

بــــاعها واعتـــاض عنـــها بالسكين

ثـــم قـــــالوا باطنــيـــــة يــــا تـجـار

الفــــقيـــــر منــــهم وأربــاب اليسار

أي وربي ذاك غـــــاية الحــــصــار

يتـــــركـوا المثـــري فقيــرًا بيــقين

بعد ذلك طلـبــــوا عشــــــر الجمال

مـــن ريــــاليــن إلى خمســة ريـال

افــــــزعوا النســوان منـها والعيال

ثم صـــــاحوا يـــــا أمــان الخائفين

اردفـــــوا النــحل وفيــها أشـــركوا

مالكيـــــها والــــذي لــــم يمـــلكـوا

تلف النــــاس وكـــادوا يهلــــكـــوا

يا لطيــف الطف بنا والمسلميــــن

وزكـــاة الفـــطر يبغــوها فــلـوس

قدرها أضعاف أضعاف النفوس

غمــر النــاس بهـــــا هـــم وبؤس

فتــــــراهم كـــــالسكــاري حائرين

وإذا راجـــــعت أهــانوا جــانبــي

أهــــــون الشتـم لـنــا: يا نــاصبي

مــــا درينا ما السبــب يا صاحبي

يستــــحـلـــون دمـــاء المسلـميـــن

هـــــــؤلاء القـوم أنصـار الإمـــام

استــــباحـوا كــــل أمــــوال الأنام

أخــــــذوا المـوجود حلا والحرام

ويقــــــولوا أنَّهــم متـــطــوعيــن

 

وسبق لمحمد بن محمد زبارة أن خاطب الإمام يحيى حميد الدين بقصيدة طويلة أسماها (الدين النصيحة)، ومنها نقتطف:

تنــاهوا تنـاهوا عـــــن عمـــوم التظالم

وتهــــوين أمـــر الظلم عـــن كل ظالم

وتغميــــــض عيـن عـــن فضــــــح آمر

هلـــــوع ولــوع بــــاقتـناص الــــدراهم

وجعل حقــــــوق المسلـــميــن مُبــــاحة

لقــــــاض وســـجـان وجنــــد وخـــــادم

حــــــرام حــــرام أنْ تكـــونـــوا ذريعة

لعمـــــالكم فــــي فعل هـــــذي الجـرائم

يسمــــــونـــها حيــــنًا مصـــارف عسكر

وحيـــنـــــًا هـــدايــــا أو بقـايا لــــــوازم

وحيـــــــــنًا إعـانـــات وحيــنًا بأجــــــرة

وحيــنًا بـــــآداب عــــلى جـــرم جــــارم

وجـــــــل نقــــــــود المســـلميـن بدوركم

بــلا دفــــتـــر فيــــــــها ولا رقـــم راقـــم

كــأن زكـــــاة المسلـــميــــــن ومــــــالهم

تــــــراث أبــــيـــــكم أحضــــرت للتقاسم

ولا تجـــهلـــــــوا نظــــم الأميــــر محمد

(سماعًا) لمـــن في عصــــره المتقـــادم

 

وقد أشار إلى هذا الظلم الفادح، المنافي للحق والعدل القاضي يحيى بن محمد الإرياني بقوله:

تـــأمل في الــــذي يبـــدي الـــزمان

ومــــــاذا قــــــد أتــاح بـــــه الأوان

أمـــورٌ لـــــو تــأمــلـها لبـــيـــــبٌ

بعين العـــــقـــــل حـــار لها الجنان

لقـــــد عــــــمَّ الفســاد بكــل أرض

بمــــــا لا يُستـطــاع لــــه بــــيــان

أحكم العقـل يقضي خرص زرعٍ

وقد أودى وطــــاح بــــــه الزمان

 

كل السبــب عسـاكر الحلالي

كما يحفظ الموروث الشعبي العديد من المهايد التي تصور تلك المُعاناة المتفاقمة، وفي أعالي جبل صبر – حيث أقطن – كان ثمة مُخمن يُدعى (عياش) – لم أجد اسمه كاملًا – اُشتهر بظلمه الشديد، ووصل به الأمر أنْ اعتبر أشجار الزرب الشوكية أشجار بُن، وأحصاها وقيدها في دفاتره على هذا الأساس، وكم عانى المواطنين جراء ذلك، وكُنَّ النساء حال مقدمه يُرددن:

هذي السنة كل المخازن أعطال

عياش خرج بكى الشيب والأطفال

 

أما الرجال فكانوا يهجلون:

لــــــعنــــة عـــــلى عـــيـــــــــاش

تُـــــــــوجــــــشــــه وجــــــــــاش

تنزل عظــــــامـــــه أمــــجـــــاش

 

وقد استجاب الله بالفعل لدعوات أولئك الرعية المظلومين، وأصيب عياش – كما تشير الذاكرة الشفهية – بمرض خطير هدَّ عظامه، وكان سبب وفاته.

 

وفي ناحية بلاد الطعام بمحافظة ريمة، كان هناك – كما أفاد الباحث علي حسين الزبير – مُخمن يُدعى عثمان دبش، وقد هجاه الشاعر الشعبي علي محمد جريد بقصيدة طويلة عرَّج فيها على تلك المظالم، ومن تلك القصيدة نقتطف:

يــــا الله تـــزيــــل الطــــوَّاف

طـــــــــوَّاف نــــقـمــة النـــقم

عثمــــان دبش لا قـــد مات

ولا يـــــــــــزوره نـــــــــادم

أبــــوه في المُــــــزدلفــــــات

شيـــــــطـــــان جـــاور الحرم

يُـــــــرمى بقـــعر الجمـــرات

والا بـــــــقـعـــر جــهــــنـــــم

يشتـــي ثــــلاث وأربع قات

وثــــــلاثـــــة أربـــــعــة خـدم

وعَمِّـــــــروا لـــــــه ســــــرات

ولا يــــــــــــنــــادم نــــــــــادم

عســـــــل وسمـــــن وفـــتـات

كــــبــــاش وبــــــر مُتـــــمــم

 

وفي الحجرية كما في ريمة، وجبل صبر تكرر ذلك الظلم، وقد اهتمت الذاكرة الشفهية بتوثيقة، ومن أهازيج تلك المنطقة المـُتداولة نقتطف:

من قـــل مـــا بيده قالوا له مجنون

أرضه مــع الـدولة وسلاحه مرهون

دولة إمــــام والعـامـــــل الحـــلالي

نهبـــني المـــأمــور قُــــوت عيـالي

 

والحلالي – هنا – هو القاضي حسين الحلالي الآنسي، عامل الإمام يحيى على منطقة الحجرية خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الفائت، وقد تم تعيينه في ذلك المنصب في ديسمبر 1926م، فيما خلَّد الشاعر سعيد الشيباني اسمه في غنائيته الرائعة (يا نجم يا سامر فوق المصلى)، وسجل فيها أيضًا ظلمه، وأماني الرعية في التخلص منه ومن عساكره، جاء فيها:

هجرتني والقـــلب غيـر سـالي

كل السبــب عسـاكر الحلالي

بكر مـــــن التـربة غبــش يلالي

بيـــده سبيل بجيـــبه أمـر عالي

ربي استمـــع يا هادي كل حائر

دعــا الرعية شــــوقها لمـاطـــر

يسقي الجــرب يسلي الخواطـر

يُطــــهر القـــــرية من العسـاكر

 

قضاء مُبرم

وليت أمر الظلم توقف عند ذلك الحد، فبعد التخمين، والكشف يأتي دور بيت المال، وهي الجهة التي تحوي دفاتر تقديرات المخامنة، والكشافين، ومن خلالها تتم المُقارنة بين ما كان وما صار، وإنْ كانت تلك التقديرات أكثر من العام الماضي اعتمدوها، وإنْ كانت أقل رفضوها، وخاطبوا الرعية أنْ يسلموا ما سبق دفعه.

 

وإذا جادت السماء في سنة ما بغيثها، وأخرجت الأرض غلاتها بكثرة، خلافًا عن السنوات السابقة، فإنَّ الزكاة تتضاعف، وتُصبح ثابتة في الدفاتر، حتى لو تغير الحال إلى الأسوأ، وغادر الناس قراهم، وحول هذه الجزئية قال عبدالرحمن البيضاني: «وحتى إذا هاجر بعض أهالي المنطقة فرارًا من الزكاة؛ أمر الإمام بأنْ تضم أنصبتهم منها على جيرانهم، لأنَّ الإمام يريد نفس المقدار من المال»!

 

وخُلاصة هذه المأساة أنَّ ما تم تسجيله في الدفاتر فهو كالقضاء المُبرم الذي لا يجوز نقضه، ولا تخفيفه بحالٍ من الأحوال، حتى لو انقطع الغيث، وعمَّ الجفاف، أو جرفت السيول الأرض، أو أصيبت الزراعة بآفات قاتلة، أو غادر – كما سبق أنْ ذكرنا – الناس قُراهم!

 

وفي حال ما كانت تلك التقديرات مُتساوية، فيضاف لها بعض التعديلات، ويُضاف ما لا بد منه احتياطًا، على اعتبار أنَّ المخامنة قد يكونوا تهاونوا في حق بيت المال، ويلي ذلك ضم العائد، وعُشر العشر، وحق العلف، والرهينة، ثم يجري التسعير، وهو تقدير قيمة الزكوات، لأنَّها في الغالب لا تدفع عينًا؛ بل تؤخذ قيمتها نقدًا، وللمالية سعر مخصوص يختلف كثيرًا عن سعر السوق؛ بل وأكثر منه بثلاثة أضعاف، وهنا يضطر الرعوي المسكين أنْ يبيع جميع مُمتلكاته ليفي بذلك، أو يغادر أرضه فرارًا من ذلك.

 

ماذا نريد أنْ نفعل؟

كان الإمام يحيى دائم الاتصال والتواصل برعيته، عبر عساكرة المُتوحشين طبعًا، لا ليتفقد أحوالهم، ويُنفذ مَطالبهم، عملًا بقول – من يدعي أنَّه جده – النبي محمد صلى عليه وسلم: «كُلكم راعٍ، وكُلكم مَسؤول عن رعيته»، وإنما لكي ينهب أموالهم، ويتفنن في أذيتهم، ويُمعن في إذلالهم، عملًا بالمقولة الاستعبادية الدارجة: «جَوع كَلبك يتبعك»، وهي العبارة التي هذبها بقوله: «غبر الشميل إذا لم يُظلموا ظَلموا»!

 

وقد تَحدث الشاعر عبدالله البردوني عن ذلك التواصل السلبي، وصور تلك العلاقة الاستغلالية بقوله: «كان الإمام يحيى لا ينقطع عـن قرية أو منطقة إلا مدة قصيرة، فقد كان مأموروه وجنوده يمسحون البلاد طولًا وعرضًا، يتحسسون ما يجري، ويتحصلون ثمرة ما ينبت وما يتحرك، يأتي المُخمن عند بزوغ الثمرة، يليه القباض عند حصادها، يليه الكاشـف على القباض، يليه العسكري لتحصيل البواقي، يتبعه عَدَّاد المواشي، ثم مُثمر الخضر والفواكه، فيدوم اتصال الإمام بالشعب علــى طِيلــة العام، عن طريق المأمورين والعساكر، ويزيد اتصاله أعنف إذا نجمت أحداث، واحتدم شِجار».

 

وحين قام أحد أصدقائه – أي أصدقاء الإمام يحيى – بمُراجعته في التخفيف من جور الضرائب التي كان يَفرضها على المُواطنين، خاطبه بقوله: «هل رأيتهم يحملون البصائر ويعرضون أرضهم للبيع؟!».

 

وقد عَمل الأحرار الأوائل على تحسين تلك العلاقة الشائكة، وإيجاد قانون رادع ينظمها، ولو عدنا إلى أدبياتهم الحافلة بتلك المآسي، لوجدنا أنَّ رفع الظلم عن الرعية المساكين كان البند الأول في سلسلة مطالبهم الإصلاحية التي قدموها للإمام يحيى حميد الدين 1934م، ليتعمق الأستاذ أحمد محمد نعمان في ذات الأوجاع والمطالب في رسالة شهيرة أسماها (الأنـَّة الأولـى)، موجهة لـولي العهد أحمد يحيى حميد الدين 1937م، سبق وأنْ اقتطفنا فقرات منها، وأثرينا بها موضوعنا بشمول.

 

وقد جاء في مُقدمة تلك الأنَّة: «يا صاحب السمو، إن أشد آلام الإنسان هو الألم الذي لا يستطيع أن يشكوه فما أشد آلام رعيتكم، وما أعجزهم عن الشكوى؛ بل ما أخوفهم من الأنين والتوجع والتأوه، هؤلاء رعيتكم يناشدونكم العدل والإنصاف، فقد انقطع أملهم بعد الله إلا منكم، وقلَّ رجاؤهم إلا فيكم، فهل لكم أن تجعلوا حداً للمصائب النازلة بهم، والمظالم التي أقضت مضاجعهم، وسلبت راحتهم، وأقلقت بالهم، وكانت هي أكبر عامل في تفضيلهم البلاد الأجنبية على وطنهم، والهجرة على الإقامة».

 

وفي ذات العام أرسل التاجر ناشر عبدالرحمن العريقي بمجموعة مطالب مُتصلة باسمه وباسم الجالية اليمنية بمستعمرة شرق أفريقيا، والأخير كان فيما بعد وأخوه شاهر من أكبر الداعمين لحركة الأحرار الدستوريين، وتعرض للسجن، وخسر في سبيل ذلك جُلَّ أمواله، ونجا من الموت بأعجوبة، والمطالب التي بين أيدينا قدمها إلى ولي العهد أحمد، ومنه إلى والده الإمام يحيى حميد الدين.

 

نص أول بند من بنود تلك الوثيقة الأربعين على رفع الظلم عن الرعايا، فيما دعت باقي المطالب إلى توظيف ذوي الكفاءة، ومحاربة الرشوة، وتفعيل الرقابة الإدارية، ونشر التعليم، وفتح مدارس على الأسلوب الحديث، وفتح مدارس صناعية وزراعية، وإرسال البعثات الطلابية إلى أوربا، وإيجاد مكاتب صحية، وتشييد مستشفيات بعموم المدن اليمنية، وتوفير المياه، وفتح مكاتب بريدية، وتعزيز حضور العملة الوطنية، وغيرها من المطالب.

 

وفي بداية العام 1941م ذهب القاضي محمد محمود الزبيري إلى صنعاء لتقديم برنامج (جمعية الأمر بالمعروف) إلى الإمام يحيى، وهو برنامج إصلاحي شامل يقع في 22 صفحة من القطع الصغير، ومقدمة كتبها بنفسه، متبوعة بـ 37 مادة تحت عنوان: (ماذا نريد أنْ نفعل)، وكانت جميع المواد تدور حول التمسك بالإسلام الصحيح، والدعوة إلى تطوير جميع مرافق البلاد المالية، والصناعية، والإدارية، وإزالة الظلم عن الرعية المساكين، وهو الأمر الذي أغضب الإمام الطاغية عليه، فشكل لجنة لمـُـحاكمته برئاسة القاضي زيد الديلمي، وحين تأخر الأخير في إصدار الحكم، وجه بحبسه وعدد من الأحرار في سجن المشبك في جبال الأهنوم.

 

كان القاضي الزبيري لا يعرف شيئًا عن تلك المظالم، حتى رآها أثناء تواجده في لواء تعز بأم عينيه، عبر حينها عن امتعاضه الشديد، وقال مُتألمـًا: «أول نبضة من نبضات الوطنية أحسستها جياشة في قلبي، فوارة في دمي، كانت في قضاء “القماعرة” حيث رأيت مشاهد من الظلم، والاضطهاد، والسلب، والنهب، تشمئز لها نفس الحر الكريم.. لقد كان ما رأيته مُفاجأة لم أكن أتصورها، فأخذت لأول مرة أكتب رسالة عما شاهدته من فظائع، وأندد بالأوضاع القائمة.. ومن هنا كان في مقدمات مطالب الأحرار إلغاء الخطاط، والتنافيذ، والتخمين، وجعل الزكاة أمانة».

 

وعلى صدر صحيفة (صوت اليمن) استمر الأحرار بنشر مطالبهم ومطالب غيرهم الإصلاحية، وقد حوى أحد أعدادها نصائح ومطالب علماء صنعاء، والموجزة في النقاط الآتية:

– جعل الواجبات المالية أمانة على أصحابها يؤديها الرعايا والمواطنين من أنفسهم.

– إسقاط الجبايات (الضرائب) الجمركية الغير شرعية، والمنهي عنها، مثل المكس، وزكاة الباطن، وعائدات بيت المال.

– إلغاء نظام البقايا التي أرهقت كثير من الفلاحين، والذي نتج عنها هجرة الكثير من الرعايا إلى خارج الوطن.

– منع أبناء الإمام والأمراء من مضايقة الناس في معايشهم.

– تحسين رواتب الموظفين، ومنع الرشوة التي انتشرت بشكل كبير؛ وذلك نظرًا لقلة رواتب القضاة.

 

مطالب الأحرار الأوائل الإصلاحية كانت داعية في الأساس إلى المساواة والعدالة الاجتماعية، وتطبيق شرع الله، لتُركز مُقترحاتهم الاقتصادية فيما بعد على إيجاد مصادر أخرى لدخل الدولة، تخفف من حدة تلك الجبايات التعسفية التي اثقلت كاهل الرعية، وهي مطالب – للأسف الشديد – لم يُعرها الأئمة الطغاة أي اهتمام؛ بل ازدادوا عُتوًا ونفورا، وظُلمًا وفجورا، حتى أنَّ زوال ذلك الطغيان كان بنظر الرعية المساكين ضربًا من المـُحال، وحين تبدد بفعل الثورة السبتمبرية المُباركة، التي كان أبناؤهم ركيزتها الأساسية، كانت دعوة أولئك المكلومين على أي ظالم مُستجد تلخصها هذه العبارة: «زالك ما أزال بيت حميد الدين».

مواضيع متعلقة

اترك رداً