أمن مصر من أمن اليمن

img

عميد دكتور. جلال فضل العودي

 

مقدمة

في اللقاء التاريخي بين الأخوين فخامة الرئيس الدكتور رشاد العليمي، وأخوه الرئيس عبد الفتاح السيسي يوم السبت الموافق 10 يونيو 2022م، بقصر الاتحادية في العاصمة المصرية القاهرة، أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي في المؤتمر الصحفي أن “أمن اليمن من أمن مصر”، لأهمية تلك العبارة كررها الرئيس الدكتور، رشاد العليمي.

 

وقبل الحديث عن تكامل الأمن المصري والأمن اليمني سنحدث عن الأمن القومي العربي، لذا سنقوم بتقسيم هذا المبحث إلى مطلبيين على النحو التالي:

المطلب الأول: الأمن القومي العربي.

المطلب الثاني: علاقة الأمن المصري بالأمن اليمني.

 

 

المطلب الأول: الأمن القومي العربي

 

تواجه الدول العربية تحديات خارجية وداخلية كثيرة تؤثر على الأمن القومي العربي، وقد ازدادت هذه التحديات اعتباراً من منتصف الثمانينيات نظراً للمتغيرات الدولية والإقليمية والمحلية، التي حدثت والتي لها أثارها على العالم العربي، كذلك بروز الكيانات والقدرات الاقتصادية كأحد المؤثرات الرئيسة في الأمن القومي بعد أن كانت القدرة العسكرية هي التي تحتل المرتبة الأولى في هذا الاتجاه ، ونجد أن ظاهرة الأمن القومي قد ارتبطت بخصائص النظام الدولي من جانب، ومقومات أطرافه من جانب أخر، كما ارتبطت أيضاً بظاهرة العنف على المستويين الدولي والمحلي، ولا تقتصر هذه الظاهرة على حدوث عدوان فعلي، ولكن امتلاك أحد الأطراف لقدرة عسكرية متفوقة والانفراد بها يشكل أيضا تهديداً للأطراف الأخرى، وهذا يظهر بوضوح في احتكار إسرائيل لقدرة نووية.

 

فعلى سبيل المثال ما حدث من اجتياح العراق للكويت كان من المستحيل حدوثه في ظل مظلة صغرى تحقق الأمن القومي لأن أعضاء مثل هذه النظم يُكًونون عائلة واحدة تتفق مصالحها وتسعى فيما بينها إلى بناء الأمن المتبادل بينها، فمثل هذه الأنظمة يتحرك الأعضاء بإرادات ناقصة ليحققوا معظم أغراضهم ويوزعون فيما بينهم الأدوار ويعملون كجهة واحدة لمواجهة التهديدات الخارجية أو التحديات الداخلية ويحاولون حل مشاكلهم وتناقضاتهم دون استخدام القوات المسلحة لأننا في عصر يتجه إلى السلام الواقعي الذي يعترف بوجود المتناقضات مع حلها دون اللجوء إلى القوة .

 

لذلك فإن من يقول إن الأمن القومي العربي قد ثبت فشله أمام الأزمات المتلاحقة بين دول الجامعة العربية لا يتحدث الحقيقة لأن الاتفاق على مفهومه أو منظماته لم يتحقق في يوم من الأيام إلا على حبر على الورق، ومسؤولية ذلك تقع على أصحاب القرار في الوطن العربي وهم بصراحة الملوك والرؤساء والأمراء بدرجات متفاوتة فهم مركز القوة الوحيد في بلادهم يتركز في أيديهم مرحلتي صناعة القرار وإصداره حتى مع تواجد بعض المؤسسات التنفيذية والتشريعية والاستشارية في بعض الأقطار.

 

تحديات الأمن القومي العربي:

 

يتعرض العالم العربي للعديد من التهديدات والتحديات الخارجية وهي التي توجه له من الخارج، وكذا التهديدات والتحديات الداخلية أي التي توجه إليه من داخله، ولاشك أن هذه التهديدات الداخلية تكون أثارها أكثر خطورة من تلك الخارجية، وإذا ما تناولنا التهديدات الخارجية، وهي مجال موضوعنا الراهن ، فسوف نجد أن تلك التهديدات تهدف إلى تفتيت العالم العربي وقدراته الشاملة حتى لا يشكل كتلة واحدة لها مقوماتها وقدراتها التي تمكنها من التحكم في المنطقة كليا والتأثير على القوى الكبرى، ويمكننا هنا أن نوجز أهم القضايا التي تؤثر على الأمن القومي العربي في القضايا الآتية:

1-  الأهداف والغايات القومية الإسرائيلية واستراتيجيتها حيال العالم العربي.

2-  الأطماع الإقليمية في المنطقة (إيران – إسرائيل ).

3-  قضية المياه.

4-  قضية التخلف التكنولوجي.

5-  قضية الحد من التسلح ومنع انتشار الأسلحة النووية.

6-  قضية الديون الخارجية .

7-  الاختراق الأمني.

8-  القرصنة البحرية.

 

وبالعودة إلى منتصف القرن العشرين والعمل على الوقوف أمام وضع الدول العربية سنجد أن  مؤتمر القمة العربية  بالقاهرة  عام 1964م يعد الأول في تاريخ المؤتمرات العربية  الذي أوصى “بإنشاء قيادة عربية موحدة للقوات الموحدة للقوات المسلحة للدول العربية ” وهو أول مؤتمر للأمن القومي العربي ، يليه القمة العربية الثانية التي عقدت بنفس العام -1964م – بالإسكندرية والتي بينت “أن الهدف القومي النهائي هو تحرير فلسطين من الاستعمار الصهيوني”، كما أن مؤتمر القمة العربية السادسة بالجزائر عام 1972م والتي كان من توصيتها ” أنه لا يجوز لأي طرف عربي التنازل عن القضية الفلسطينية، وأنها قضية العرب جميعاً” ، كما جاءت قمة بغداد عام 1978م لتؤكد أنه لا يجوز انفراد أي طرف عربي  بأي حل للقضية الفلسطينية خاصة والصراع العربي الإسرائيلي بصفة عامة.

المطلب الثاني..

علاقة الأمن المصري بالأمن اليمني

قامت ثورة 26 سبتمبر عام 1962 التي فجرها تنظيم الضباط الأحرار في الجيش اليمني بعد أن أكدت مصر استعدادها الكامل لدعمهم. وأحيطت الثورة اليمنية منذ قيامها بنفس أعداء ثورة 23 يوليو عام 1952م، ورأت مصر في حينه أن انتصار ثورة اليمن هو انتصار لها ودحر لأعدائها.

 

وانطلاقاً من هذا الربط المصيري بين ثورتي البلدين دفعت مصر بإمكاناتها البشرية والمادية إلى جانب الثورة اليمنية فامتزج الدم اليمني والمصري على الجبال وسفوح الأودية وسهول اليمن في معركة المصير الواحد. وأسهمت مصر في بناء الدولة الحديثة من خلال بناء الهياكل التنظيمية والإدارية للعديد من أجهزة الدولة المختلفة. كما أقدمت على بناء المدارس الحديثة والمستشفيات والبنوك والعديد من المؤسسات الخدمية والإنتاجية. وأستمر الدعم المصري لليمن، حتى تمكنت الثورة اليمنية من بناء قوتها الذاتية وأصبحت قادرة على الدفاع عن نفسها. وعندما انسحبت القوات المصرية من اليمن عام 1967 ظل الدعم المدني لليمن مستمراً وتمثل في المدرسين وأساتذة الجامعة والخبراء في كافة الميادين”، واستطاعت الثورة اليمنية أن تصمد في مواجهة حصار السبعين يوم معتمدة على قواها الذاتية وفي مقدمة ذلك وحدتها القتالية التي تلقت تدريباتها العسكرية في مصر وانتصرت الثورة اليمنية في السبعين يوم معتمدة على الجماهير اليمنية التي أسهمت مصر إسهاماً كبيراً في إنضاج وعيها وزيادة إدراكها لمصالحها في بقاء الثورة والجمهورية. ولم يقتصر دور مصر على دعم ثورة 26 سبتمبر عام 1962 في المحافظات الشمالية “سابقاً” بل تعدي ذلك إلى الإسهام في تفجير الثورة في 14 أكتوبر عام 1963 ضد المستعمر البريطاني في المحافظات الجنوبية وقد قامت مصر بتدريب الثوار وتسليحهم وتقديم الخبرة لهم. ولم تترك القوات المصرية المحافظات الشمالية حتى كانت ثورة المحافظات الجنوبية قد حققت أهدافها وتزامن انسحاب القوات المصرية من المحافظات الشمالية   مع تحقيق المحافظات الجنوبية استقلالها عن المستعمر البريطاني.

 

وهكذا كان الدور المصري في ثورة 26 سبتمبر كبيراً، تلك الثورة التي كان لها مفعول السحر على اليمن فحولتها من دولة الكهنوت والظلم والطغيان إلى عهد الحرية والديمقراطية ونقلتها من الحكم الفردي المستبد المبرر بالدين إلى دولة تقوم على الجمهورية والنظام وأوصلتها مع دول العالم بعد أن كانت معزولة عن كل تطور في البلدان.   إن الشعب اليمني من الشعوب القلائل التي ما زالت تحفظ للشعب المصري حقه في العروبة وتأثيره القوي على الدول العربية وتحترم أي مصري، وإن النصب التذكاري في صنعاء الذي يهتم به اليمنيون اهتماماً بالغاً يؤكد مدى حب اليمنيين للمصريين واعترافهم بالجميل في تحويل دولتهم من مملكة كانت تعيش في عصور الظلام إلى جمهورية معاصرة دخلها العلم والتكنولوجيا والتطوير.

 

إن ثورتي يوليو وسبتمبر لم يكن ترابط الوجدان والانتماء لمرحلة زمنية فقط، ولكنه يتميز بخصوصية فريدة في الانصهار النضالي والتضحية الواحدة بلا حدود من أجل المبادئ الناصعة والرائدة. ولهذا، قدمت ثورة يوليو إلى اليمن ما تعتقد أنه واجبها ومسئوليتها. ومن ذلك الدعم في التخطيط للثورة والدعم في التنفيذ بالمال والسلاح والرجال، وأصبحت جبال اليمن شاهدة على حكاية تضحية وارتواء بالدم الطاهر لشهداء مصر واليمن من أجل الحرية. وتشهد مقابر الشهداء في صنعاء والعديد من المحافظات اليمنية على النضال المشترك لأبناء الأمة ضد أعدائها وخصومها.

 

ففي 26 سبتمبر عام 1962 أعلنت الجمهورية في اليمن وكانت مصر أول دولة اعترفت بها، وبعدها بيومين وصلت أول طائرة عسكرية مصرية إلى اليمن، وتوالت بعدها الإمدادات العسكرية المصرية في التدفق على اليمن حيث وصلت أولى طلائع القوات المصرية لمساعدة “الجمهورية يوم 15 أكتوبر 1962م.

كما قامت الشقيقة مصر برفد اليمن بقوافل من المعلمين، والذي تخرج على أيدي المعلمين الكثير من القادة العسكريين، والأطباء، والمهندسين، …إلخ.

 

أهمية مضيق باب المندب لجمهورية مصر العربية:

 

يعتبر مضيق باب المندب هو أهم ممر مائي مع قناة السويس ومضيق هرمز، وهو المضيق الذي يربط بين البحر الأحمر وخليج عدن وبحر العرب، والذي تمرّ منه كل عام 25 ألف سفينة تمثّل 7% من الملاحة العالمية، ويشحن منه يومياً نحو ثلاثة ملايين برميل من النفط متجهة إلى أوروبا والولايات المتحدة.

 

“باب المندب” صاحب الأهمية (الجيوإستراتيجية) للدولة المصرية، برزت أهميته في حرب التحرير الوطنية التي خاضتها مصر ضد الكيان الصهيوني عام 1973، حين اتفقت مصر واليمن على إغلاق باب المندب جزئيا ومؤقتا أمام الملاحة الصهيونية، والذي توقف إغلاقه عقب توقيع اتفاقية وقف إطلاق النار بين الكيان الصهيوني والدولة المصرية.

 

وبعد انقلاب مليشيا الحوثي على السلطات الدستورية في 21 سبتمبر 2014م، تمكنت مليشيا الحوثي من السيطرة على مضيق باب المندب وجزء من البحر الأحمر، الأمر شكل تهديداً حقيقياً لأمن الملاحة البحرية في البحر الأحمر – بصفة عامة، وفي نفس الوقت دق ناقوس الأمن القومي المصري للخطر، الأمر الذي دفع بجمهورية مصر العربية بالمشاركة في عاصفة الحزم باستعادة الشرعية الدستورية والقضاء على الانقلاب الحوثي، وكان أول هدف حققته عاصفة الحزم قطع ذراع إيران في مضيق باب المندب وفي الجزر اليمنية.

 

فباب المندب وأمن الملاحة في البحر الأحمر يكشف مدى تكامل الأمن القومي المصري واليمني، وهذا ما أكده كلٌ من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وأخوه رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي، في اللقاء التاريخي الذي جمعهما بقصر الاتحادية في العاصمة المصرية القاهرة يوم السبت الموافق 11 يونيو 2022م.

مواضيع متعلقة

اترك رداً