تقارير

تحليل لـ” 26 سبتمبر”.. القرارات الأخيرة للبنك المركزي وجدواها الاقتصادية

سبتمبر نت/ محمد الجماعي

 

في كل مرة تبذل الحكومة والبنك المركزي اليمني، المركز الرئيس في عدن جهدا لتحييد العملة الوطنية والاقتصاد اليمني، أو محاولة لإعادة توازنه، تواجهها مليشيا الحوثي الانقلابية بهجمة مضادة لإثبات مزعومها في تثبيت أسعار العملة، وهو ما سنفنده في هذه الزاوية، بناء على استقراء دقيق ومتابعة يومية لخطوات المعركة الاقتصادية في البلاد.

 

سحبت الحكومة كل أعذار الحوثيين منذ قيامها مطلع العام ٢٠١٧ بطباعة عملة جديدة لسد فجوة السيولة عامي ٢٠١٥ – ٢٠١٦، وما بعده من قرارات وخطوات. ولم يبارح الريال قيمته الفعلية منذ نهاية ٢٠١٤ إلى ما بعد قرار نقل البنك إلى عدن في ١٨ سبتمبر ٢٠١٦.

 

وحين كان يتذبذب بين ٣٠٠ و٥٠٠ ريال للدولار الواحد متأثراً بالعرض والطلب وقرارات التعويم للمشتقات في صنعاء والعملة في عدن، وقبل ذلك تمرد فرع مركزي صنعاء على رئيسي عدن، وعوامل أخرى ناشئة عن الحرب ونضوب الاحتياطي وانعدام موارد العملة الصعبة وتوقف تصدير النفط والغاز وغيرها… إلخ، فجأة أغرق الحوثيون الأسواق في ٢٠١٨ بأربعمائة مليار ريال يمني دفعة واحدة من الأموال التي نهبوها من خزينة البنك المركزي في صنعاء عام ٢٠١٦ (نحو ٢.٨ تريليون ريال طباعة ٢٠١٢ حسب رئيس الحكومة السابق د. أحمد بن دغر) فانخفضت قيمة الريال أكثر من ٢٠٠٪ ووصلت قيمته إلى نحو ٨٠٠ ريال للدولار الواحد خاصة في صنعاء.

 

بعد الوديعة السعودية عاد الدولار إلى ٦٠٠ ريال دفعة واحدة وإلى ٥٠٠ ريال في عدن، فماذا فعل الحوثيون؟

 

القرار الكارثة

قرار المليشيا الحوثية برفض التعامل مع العملة الجديدة، هو أخطر قرار اقتصادي مؤثر في انتكاسة الريال اليمني منذ الانقلاب، حيث ترتب على ذلك مخاطر عديدة، لا على العملة والاقتصاد المعيشي للمواطن، بل على الوشائج الإنسانية والعلاقات الاجتماعية للأسر والعائلات اليمنية التي انقسمت بفعل إفرازات الحرب ومعاناة النزوح إلى منطقتي سيطرة الشرعية وسيطرة الانقلابيين، إذ لو كان الأمر مقتصرا على قيمة العملة لكان الوضع في إطار الطبيعي جراء ظروف أي دولة تعيش حرباً، لكنه امتد ليضيف عبئاً في فارق عمولة التحويلات بين المنطقتين وصل إلى ٦٧٪ منتصف يوليو الماضي، وهو ما أعده حقوقيون جريمة ضد الإنسانية.

 

حيثيات سبقت القرار

 

قبل أسبوعين من إعلان البنك المركزي اليمني في عدن رسميا، أصدر الحوثيون خلال أسبوع (آخر أيام يونيو) بيانات وقرارات عبر المركزي والنيابة والمحكمة الجزائية المتخصصة بقضايا الإرهاب وأمن الدولة الخاضعة للمليشيا، وصلت إلى نحو عشرة قرارات، نلخصها فيما يلي:

– منع تداول الفئات (ب، جـ ، د) من ورقة الألف ريال المطبوعة في ٢٠١٧ وهي نفسها المتداولة حاليا في صنعاء وبتوقيع القعيطي نفسه.

– منع المسافرين من إدخال الفئة الممنوعة فوق ١٠٠ ألف ريال، ثم منع المائة ألف هذه، ثم منح مكافأة لمن يقبض على أي متلبس بذات الورقة الممنوعة.

– الأمر في ٢٩/٢٨ يونيو بمصادرة ودائع وأرصدة وأموال ومدخرات أكبر بنك غير حكومي في اليمن، وتديره مجموعة هائل وعدد من أكبر البيوت التجارية في البلاد، وهو ما كشف عن تخبط حوثي تجاه خطوة غير معلنة وبنك أهلي (التضامن) غير مسؤول عن إدخال تلك العملات التي أخافت الحوثي واقتصاده البديل القائم على تجريف السوق لصالح موالين له، وهم فئة جديدة صاعدة.

– وزير الإعلام والسياحة والثقافة أدان أمر المحكمة الجزائية الحوثية وفرع المركزي ضد بنك التضامن وتحذيرهم من المساس بأية أصول للبنك باعتباره مساساً بالاقتصاد الوطني.

– برعت رسالة وجهها مدير بنك التضامن (٣٠ يونيو) إلى محافظ البنك المركزي في تفنيد التي ليس بينها ما يتعلق بالفئات النقدية ولا دور البنك فيها، بل تضمنت رفضا ذكيا ومبطنا بتهديد لجنة العقوبات بدعم الإرهاب وغسيل الاموال في حال القبول بالحارس القضائي والقبول بإجراءات الحوثيين من هذا القبيل.

 

قراءة في قرار البنك

– بعد شهر واحد فقط أي في ٢٩ يوليو ٢٠٢١ أصدر البنك المركزي اليمني عدن، المركز الرئيسي، قرارات قوية تضمنت ما يلي:

ضخ عملة من فئة ألف ريال بالمقاس القديم وتكثيف التداول بها في السوق ومعاودة تعزيز استخدامها في التعامل النقدي وبمستوى حجم تعامل أكبر.

خفض حجم المعروض النقدي (أي سحب كميات كبيرة من ورقة الألف من الاسواق) بشكل منظم وفق حاجة السوق وبشكل مدروس ومخطط.

إلزام البنوك وشركات الصرافة بوقف فرض العمولات الجزافية وغير الواقعية بين مختلف مناطق البلاد، وفرض غرامات وعقوبات مشددة على المخالفين.

تشديد الإجراءات وفرض الرقابة على نشاط أسواق الصرف النقدي وضبط أدائه.

 

قرار مفاجئ وخطوة ذكية

 

لم يتح هذا القرار أي مجال ليرد عليه الحوثي بسرعة كعادته، وبالرغم من احتفاظ الأخير بخبرات لها باع في الصيرفة والاقتصاد عموما، إلا أن ذلك لم يشفع في إسعافهم بالرد المباشر. وما يزال السؤال الذي يردده الكثير من المهتمين بالشأن الاقتصادي والمتابعين عموما، هو ما الذي سوف يرد به مركزي صنعاء المتمرد هذه المرة؟! لقد استهلكوا كل ردودهم أواخر الشهر الماضي ضد فئات (ب، جـ، د) المطبوعة عام ٢٠١٧!!.

 

فهل كان خبراء الحوثي غافلين عن وجود احتياطي من الطبعات السابقة، ٢٠١٧، ٢٠١٢، بل و٢٠٠٩ أم أن الحكومة فعلا طبعت نقدا جديدا بأوامر سابقة؟ وباستبعاد الأخير يمكن وصف ما حصل بأنه مخطط حكومي مدروس بطريقة تفكير العصابات الحوثية ذاتها، كون التعامل وفق معايير وأسس الشفافية والإفصاح التي تعاملت بها الحكومة قد أفشلتها عصابات صنعاء في المرات السابقة.

 

على أن إعادة التعامل بالطبعة النقدية القديمة من العملة المحلية وضخها في السوق على حساب الجديدة ذات المقاس الأصغر لم يكن في حسبان أحد، لكن حسابات المصلحة العامة فيما يبدو فرضت نفسها، وعلى ضوء ذلك قرر المركزي بشكل مدروس تقليص التعامل بالطبعة الحديثة، وبدء سحبها من السوق بشكل تدريجي، وهو ما أعلنت عنه الحكومة الأحد الماضي (١ أغسطس) رسميا، من خلال رفع الدولار الجمركي إلى ٥٠٠ ريال بدلا عن ٢٥٠ ريال، وقد ضج الإعلام بردود الافعال المدفوعة من قبل الحوثي والمراكز المالية التي تؤثر فيها صنعاء بشكل مباشر.

 

دور الحكومة

يجب أن يتوازن القرار القوي للبنك مع تحركات موازية لحكومة الدكتور معين عبدالملك بالاستفادة من بعض مزايا وقوة اتفاق الرياض المسنود من المملكة العربية السعودية. بالإضافة إلى الضغط بقوة لأجل الوصول إلى أقصى مستوى من تحصيل الموارد ووضعها في الخزينة المركزية والحرص على عدم ترك البنك مكشوفا وهو يمثل نصف سيادة البلد الذي يدفع الأبطال في الجبهات أرواحهم لاستعادتها.

 

حل نهائي أم بداية قوية!؟

في الفقرة الأخيرة من بيانه أكد البنك المركزي “أن هذا الإجراء لا يعتبر حلاً لأزمة تراجع قيمة العملة المحلية، ولكنه يشكل جزءاً مهماً ضمن حزمة إجراءات سيتخذها البنك المركزي في إطار خطواته لمعالجة هذه الأزمة”.

 

وفي جواب على التساؤل أعلاه، ختم البيان بالقول: إن هذا الإجراء “مقدمة ضرورية باتجاه تنفيذ الإصلاحات في المنظومة المصرفية، حيث شكل التشوه السعري لقيمة العملة المحلية وانقسام السوق اليمنية، إضافة إلى الاختلالات في المالية العامة للدولة، عائقاً أمام تطبيق تلك الإصلاحات التي يسعى البنك المركزي من خلالها إلى الدفع بعجلة التعافي في المنظومة المصرفية، باعتبارها قاطرة أساسية لتعزيز أداء قطاع الأعمال ورفع معاناته، ومقدمة ضرورية لتحسين بيئة النشاط الاقتصادي بشكل عام”.

 

تخوفات مطروحة

يتخوف بعض المحللين في هذا الميدان من طول فترة المعالجة، حيث سيتم ضخ مئات المليارات كحد اقصى، بصورة تدريجية لا دفعة واحدة، وقد تطول معها أيضا فترة السحب التدريجي للفئات المستهدفة بالسحب، وهنا يستطيع المراقب العادي أن يتوقع أو حتى يبالغ في تقدير مستوى التضخم الذي ستصل إليه العملة، هذا إذا ما استبعدنا التدخل الحوثي، أما إذا تم إضافته في التوقع إغراقا أو سحبا، فسوف يصل التخوف إلى أقصى مداه!.

 

ومن المهم الإشارة إلى أهم ما راج خلال الأسبوع الماضي من تحذيرات وتوصيات بشأن شركات الصرافة، إذ توسع المتخصصون والعامة في تحميل هذا السوق الفاسد كل جريرة متعلقة بانهيار العملة، ويحذرون من التساهل معها ككل مرة تحت تأثير هذا الظرف أو ذاك. إذ يجب ألا يستثنى في حق المخالفين منهم مصادرة ولا إغلاق ولا استجواب ولا تغريم ولا أي إجراء من شأنه البطش بمن يعبثون بمقدرات البلد وأقوات الشعب وسيادته الوطنية، وإشراك الأمن والسلطات المحلية وأجهزتها القضائية في هذا المضمار.

 

التأثير الشعبي

صدور قرار البنك المركزي عدن، بعد تجاوز حاجز الألف ريال مقابل الدولار الواحد، جاء متأخرا، وربما تحت ضغط وتأثير المناشدات الشعبية والحملات الإعلامية، لكن ذلك لا يعني أن القرار غير قادر بعد الآن على معاجلة التشوه السعري بالعملة الوطنية وتوحيد سعر الصرف في كافة مناطق الجمهورية بعد إعادة التوازن النقدي (العرض والطلب)، بل سيمكنه في أضعف الأحوال على الدخول في أية تفاهمات أو حوار ضاغط ومن منطق قوة في تسوية بشأن أسعار العملة أو تحييد الاقتصاد وإنهاء حالة الانقسام النقدي، نظرا للاستهتار الذي تتعامل به مليشيا الحوثي وسط كل هذا الخذلان الذي تواجهه حكومة الشرعية المعترف بها من كل العالم.

 

ويواجه البنك المركزي في عدن خذلانا إعلاميا كبيرا إذ تتجه كثير من الكتابات إلى لوم البنك وتفسير خطواته على أنها تخدم الحوثي وغير ذلك من التفسيرات، وفيما قد يبدو أن النقص المعرفي بالقضايا الاقتصادية هو سيد الموقف! إلا أن ظهور تلك الكتابات من ذوي الباع المتوسط في الاقتصاد من الصحفيين وكبار الكتاب المهتمين بالاقتصاد أمر بالغ الحيرة! ومع استبعاد خدمتهم المشروع الحوثي بشكل مباشر، إلا أن حصيلة الإضرار وتشويه سمعة مركزي عدن لا تخدم بالضرورة إقليم موروني في جزر القمر ولا حزب الخضر في إيطاليا، بل تصب في مصلحة الحوثي.

 

وغير بعيد عن ذلك، عجَّت صفحة البنك المركزي، التي نشرت البيان الذي نحن بصدده، بعشرات ومئات التعليقات والردود الغثائية غير المبنية على المعرفة، وعلى فرض أنها عفوية في الظاهر إلا أن الأسماء المرمزة والمستعارة للمعلقين تجعلها ضمن حملات مركزة ضد بنك البنوك لتشويهه أمام العالم وزعزعة الثقة به.

 

خلاصة متوقعة

إن توحيد النقد المحلي والعملة الورقية التي تعتزم الشرعية تنفيذها وفق الرموز والفئات التي تتوافق مع العملة المتداولة في صنعاء وما حولها هو أقل درجات نجاعة القرار، مضافا إليه: كامل امتنان الشعب ولو لاحقا، مع التأكيد على أهمية وضرورة استمرار التوضيحات وحضور البنك إعلاميا لجذب تعاون واهتمام كافة فئات الشعب وتوعيتهم بما قد يجهلونه، وتبديد شائعات الحوثيين والطوابير والأبواق التي تعمل لصالحهم بقصد أو بغير قصد.

 

زر الذهاب إلى الأعلى