مقاربات الهوية في معراج الخلود.. قراءة موضوعية

أحمد عفيف
يواجه المثقف اليمني منذ عقود إشكالية كبيرة في جانب ندرة الإنتاج المعرفي المتصل بالقضايا والأحداث ذات الطابع الوطني النضالي، وهي إشكالية مزمنة، تجلت آثارها السلبية في غياب الكثير من التاريخ السياسي والعسكري والاجتماعي لمراحل النضال اليمني الحديث ضد الإمامة والمستعمر الأجنبي بما فيه من دروس وحقائق وملابسات واعتمالات، والتي من المؤكد أنها كانت ستمثل منارا يهتدي به السالكون من الأجيال.
في راهن اليوم، ونحن نشهد تفاصيل مرحلة تجلت فيها ذات تفاصيل مراحل النضال الوطني ضد قوى الظلام والكهنوت ، يمكن أن نعد ذلك فرصة ثمينة لتوثيق أدق تفاصيل الراهن النضالي من خلال الإنتاج المعرفي الموضوعي، المسهم في إبراز الحقائق وكشف الملابسات وتبيين الأدوار، ونقل صورة واضحة غير مشوشة للأجيال عن طبيعة العدو وتحالفاته وأهدافه والمناحي التي يتبعها في خوض حروبه، وذلك هو الضامن الوحيد لمنع تزوير التاريخ وقلب الحقائق وقطع دابر العدو الذي يعمل على تجديد كيانه في كل مرحلة من خلال أدواته القديمة المتجددة التي يجب أن يقف المثقفون على سبر أغوارها وفضح أسرارها كي لا تقوم له قائمة وكي لا يتمكن أيضا من التغرير والخداع على البسطاء وغير المدركين.
ومن دواعي الأمل والتفاؤل في هذا السياق، المجهود الأدبي النوعي الذي قدمه الأديب المقتدر خالد العلواني في إصداره الجديد (معراج الخلود)، فقد استطاع من خلاله الغوص في جذور القضايا الوطنية الجمعية ، وعرضها بتقنيات سردية غاية في الابتكار والإبداع الفني، واللافت في هذا العمل تطويع مقدرات اللغة والبلاغة والموروث لصالح المعالجات الموضوعية، بطريقة متفردة وغير مسبوقة، سمحت بتقديم الرؤى والأفكار والقضايا والشخوص، في وحدة موضوعية متماسكة على اختلافها وتنوعها، فكل القضايا الجزئية تبلورت في قضية واحدة لا تتجزأ، تمثلت هذه القضية في ضرورة السعي الحثيث للحفاظ على سيادة الوطن واستقراره مهما بلغ حجم التضحيات وتكثفت الأخطار والمشقات، فبدون ذلك لن يكون إلا جحيم المعاناة والألم وسيادة الجوع والخوف والموت والجهل والجرائم والانغلاق والضياع.
ولأن (معراج الخلود) حمل في طياته ثراء موضوعيا كبيرا، كل موضوع منها يتطلب تناولا خاصا به، تبنت هذه القراءة تسليط الضوء على أحد موضوعاتها الأكثر أهمية في الراهن اليمني، جوهر القضية وأساسها ، موضوع الهوية اليمنية التي تعرضت للتجريف ومحاولات الطمس والاجتثاث والتغييب.
عن الإصدار
صدر الكتاب بطبعته الأولى نوفمبر 2020 عن المؤلف في (70) صفحة من القطع المتوسط، وتم تسجيله برقم إيداع بدار الكتب اليمنية (30) لسنة 2020م، ويتناول جملة من قضايا وشؤون النضال اليمني ماضيا وحاضرا ضد الإمامة الكهنوتية، مستعرضا البطولات الخالدة للقوات المسلحة وأبطال المقاومة الشعبية وعموم الشعب اليمني في سبيل الحفاظ على الجمهورية وحماية مكتسبات الثورات اليمنية المتعاقبة، وحفظ سيادة الوطن وأمنه واستقراره وسلامة أراضيه.
وحفل الكتاب بتقديم الكثير من المعالجات والمقاربات لموضوعات حيوية تقع في إطار السياق العام لنضالات اليمنيين ضد الظلام والكهنوت، بسردية أدبية مدهشة في سياقاتها وخصائصها الفنية المتكئة على تطويع مخزون اللغة والبلاغة وكنوز الثقافة والموروث لخدمة الفكرة.
إطلالة موضوعية
أسلفنا القول بأن ثراء موضوعيا حافلا يكتنزه الكتاب، وكل موضوع على حدة بحاجة إلى التناول والبحث والتدقيق والقراءة، ولعل أبرز هذه الموضوعات:
– إصرار أبناء اليمن على حفظ مكتسبات ثورات سبتمبر وأكتوبر نوفمبر، والمضي على خطى أجدادهم في النضال ضد قوى التمرد والكهنوت والظلام.
– استلهام بطولات وتضحيات الثوار الأوائل في راهن النضال.
– دور القوات المسلحة والمقاومة الشعبية في مواجهة الكهنوت المتمثل في مليشيا الحوثي المتمردة.
– دور أبناء اليمن في التضحية والفداء من أجل الوطن.
– الأدب والشعر والفكر في خدمة القضايا الوطنية.
– جرائم الحرب والجرائم الإنسانية المرتكبة بحق اليمنيين من قبل مليشيا الحوثي المتمردة.
– انتصار القضايا العادلة.
– تحمل الصعاب والمشقات من أجل الوطن.
– المصير السيء للخائنين.
– التمسك بالهوية اليمنية.
إلى جانب موضوعات أخرى حملت أبعادا وطنية خالصة في سياق النضال الوطني، استعرضها الكاتب والأديب خالد العلواني بنسيج درامي امتزجت فيه الصورة الواقعية بالصورة الأسطورية، وتكاملت الطاقة البلاغية واللغوية مع المضامين الفكرية والفلسفية والمعرفية والتاريخية، لتعطي معالجات فكرية جذرية لكثير من جدليات التضحية والنضال من أجل الانتصار للوطن وقضاياه العادلة.
مفهوم الهوية
يختلط على كثير من الناس مفهوم الهوية، هل هي الثقافة أم هي المورث المادي وغير المادي أم هما معا، وهل هي شكل الحكم ونظام الدولة في البلاد أم غير ذلك، ويتساءلون أيضا إذا كان الأمر كذلك، فإن هذا المفهوم لا ضابط له، ففي أي بلد من البلدان تتعدد الثقافات ويتنوع المورث وقد تختلف النظم في إطار البلاد الواحد خصوصا في البلدان التي تتبنى طابع النظام الاتحادي الفدرالي أو الكونفدرالي، ولأن هذا المفهوم مطاطيا حسب اعتقاد البعض فليس بمقدورنا أن نتمسك بهوية محددة ونحافظ عليها ونبذل التضحيات من أجلها.
ولإيضاح هذه الإشكالية، فإن مفهوم الهوية اليمنية مرادف لمفهوم الدولة اليمنية، الذي يعني حضور الدولة وسيادتها وسيطرتها على كافة أراضيها، وانتزاع أي نفوذ لمراكز قوى أخرى تقدم نفسها بديلا عن الدولة بتبني مشاريع سلطوية فرعية قائمة على مرجعيات فكرية متوردة ودخيلة تمنح أسرا بعينها أو أشخاصا بعينهم تنصيب أنفسهم أوصياء على مجموعات سكانية أو مناطق جغرافية أو حتى على عموم الشعب خارج إطار النظام والقانون وسلطات الدولة، وفي ما يتعلق بالثقافة والإرث الحضاري المادي وغير المادي والرموز الوطنية فإنها أيضا عناصر أساسية في بنيان الهوية، كونها تمثل المحددات والموجهات التي تبنى عليها سياسات الدولة وأجندة عملها والخطوط الحمراء التي لا ينبغي تجاوزها بأي حال، إلى جانب كونها إطارا وطنيا مرجعيا لحماية المشروع الوطني الكلي، وكشف المشاريع الدخيلة المناهضة للمشروع الوطني الجمعي.
معراج الخلود ومقاربات الهوية
يقدم العمل الأدبي النوعي للمثقف والأديب خالد العلواني مقاربات فكرية متقدمة لمفهوم الهوية وما يرتبط به من موضوعات وإشكالات وقضايا ورموز مجسدة، وتبرز القيمة المعرفية لهذه المقاربات في أنها خضعت لمعالجات موضوعية اعتمدت على مقارنة سياقات وقائع ماضي وراهن النضال، ولأنها أيضا خرجت للنور في مرحلة زمنية تتطلب الكثير من جهود حماية الهوية وفي مقدمتها الجهود الفكرية.
ويمكننا أن نلخص مقاربات الأديب العلواني لمسألة الهوية في مناح متعددة نشير هنا إلى أبرزها
الهوية هي الدولة
يؤكد معراج الخلود بأن الهوية اليمنية هي الدولة اليمنية المدنية لا غيرها، وأن ما دونها من كيانات وأطر ومجموعات لا بد أن تتلاشى جميعها لصالح الدولة خصوصا عند مرور الوطن بمحن ومنعطفات خطيرة من شأنها أن تعصف بنظام الدولة وتسهم في إحداث ثغرات تتمكن من خلالها المشاريع الدخيلة من إرجاع البلاد لعصور الظلام والكهنوت والاستبداد، فهو يقول ( إن حق الوطن كبير على أبنائه، ومهما اختلف أبناء الدار الواحدة في الرؤى وآليات العمل، فإن ذلك لا يسوغ لهم القعود عن النهوض بأدوارهم تجاهه، فالوطن أسمى من أن تتحكم به خلافات الأفراد واختلافاتهم، وهو أكبر من القبيلة والحزب والطائفة والجماعة والسلالة والعرق والمذهب)، وتتضح هذه المقاربة أكثر حين يورد على لسان (وهبان) أحد أبطال قصته، وهو يؤكد على أن الهوية هي (الدولة المدنية) وضد الهوية المشاريع التي تفرض نفسها بدلا عن الدولة، يقول ( قال وهبان : ربما انخدعنا لكثرة ما حلمنا بالدولة المدنية، واقتنعنا بانتهاء أطماع السلالة الكهنوتية)، في موضع آخر يورد على لسان وهبان أيضا مخاطبا الإرياني (إن الحيرة الثورية التي تحدثت عنها قبل عقود ظلت تسري في الكيان الوطني، وفي الوقت الذي تنازعت فيه قوى الجمهورية، اتحد أنصار الكهنوت وعملوا بطرق وأساليب شيطانية، حالت دون أن تتبلور الشخصية اليمنية في شكل حكومة منظمة تقدمية)، يحمل هذا النص بكل جلاء لا ريب فيه المعنى الحقيقي للهوية اليمنية أو كما عبر عنها النص بمصطلح (الشخصية اليمنية)، حيث أكد النص بأن الهوية اليمنية تعني (حكومة منظمة تقدمية) تمتلك السيطرة الكاملة والسيادة المطلقة على أراضيها ومقدراتها وثرواتها ومواردها المختلفة بما فيها المورد الطبيعي والبشري والحضاري.
بنيان الهوية
تشير دلالات مجمل النص إلى أن الهوية اليمنية تتشكل من بنى مترابطة متسقة ببعضها، يجب على الدولة أن تظل حارسا لكل هذه البنى، فمتى تعرضت إحداها لمخاطر مهددة يصبح هذا التهديد خطرا بحق الهوية الكلية، وتتمثل هذه البنى في جوانب متعددة، نستعرضها في ما يلي:
– البنية الحضارية اليمنية بما تحمله من موروث سياسي وقيمي وقانوني وثقافي وفكري واجتماعي وإنتاجي، ومن رموز ومعالم حضارية مختلفة.
– التراث اليمني المادي واللامادي المتخلق في مراحل متأخرة وغير المتأثر بثقافات دخيلة.
– ثقافة المدنية والسلام والتعايش والإنتاج والعمل السياسي التعددي الذي عرف به اليمنيون قديما وحديثا.
– محطات النضال الوطني التي شكلت محطات فارقة في حماية الهوية الوطنية كثورات 26 سبتمبر و14 أكتوبر و30 نوفمبر وما قبلها وما بعدها من الثورات والنضالات الشعبية التي كان هدفها الأسمى حماية الهوية الوطنية الخالصة، وأيضا ما يرتبط بها من وقائع وأحداث وتضحيات وبطولات ومسارات ورموز ثورية.
– الرموز القومية اليمنية من رواد الحضارات وصناع التحولات على امتداد الحضارات اليمنية المختلفة.
– النظام الجمهوري الشوروي والقوانين الوطنية الضابطة لكافة المناحي والمبنية على أساس توافق ديمقراطي.
– الجيش اليمني المبني على أسس وطنية وعقيدة قتالية مستمدة من الهوية الوطنية.
– نظام الحكم الذي يستمد شرعيته من عموم الشعب.
هذه هي الهوية اليمنية بحسب مقاربات العلواني في معراج الخلود، وهي مقاربة نوعية استطاعت أن تعمل على تبسيط مفهوم الهوية لعموم المهتمين بإدراك معناه، وبشكل أكثر وضوحا فإن مصطلح الهوية اليمنية يشير إلى مشروع الدولة المدنية التوافقية التي استمدت شرعيتها من الشعب ونظام الجمهورية والشورى وانتهجت في سياساتها تجسيد المسار الحضاري اليمني الضارب في القدم والثري والمتنوع، ولأجل ذلك يعتبر الكاتب أن مبدأ الهوية خطا أحمرا يقتضي أن يقف الشعب، كل الشعب، صفا واحدا لمنع الاقتراب منه أو المساس به.
صراع الهوية
جاء في معراج الخلود هذا النص(….وموجات الصراع المتطاولة بين مشروع الموت السلالي، ومشروع الحياة اليمني)، وتكرر معنى هذا النص بصيغ أخرى في مواضع عديدة من النص الكلي، وبهذا استطاع الكاتب العلواني تلخيص معنى الهوية اليمنية، من خلال مقارنته بالضد المهدد، فالهوية –وفقا لمعراج الخلود- نقطة القوة التي يتمكن الشعب بالاستناد إليها من الحفاظ على نسيجهم ، وتنظيم علاقتهم ببعضهم وبقيادتهم وبالشعوب الأخرى، والحفاظ على مصالحهم الفرعية والعليا وحماية مكتسباتهم، والتصدي لكل المشاريع الدخيلة الطامعة، بمعنى أنها منظومة متكاملة ضامنة لاستمرار الأمن والاستقرار والتعايش والرفاه والسيادة، ودليل ذلك أن الغزاة الطامعين في نهب ثروات بلد من البلدان يجدون صعوبة بالغة في اختراق البلدان المتمسكة بهويتها من خلال القوة، وذلك يجعلهم يبتكرون تقنيات اختراق ناعمة تعتمد كليا على تفكيك الهوية وتجريفها واستهدافها فكريا وثقافيا وتشويه معالمها ورموزها، وهي تقنيات كفيلة بزرع الانقسام وإحداث الثغرات القاتلة، ولقد أتقن العلواني حين أطلق مصطلح (الفيروسات) على المشاريع الدخيلة المهددة للهوية، (أما حين تتخلق في الساحة الوطنية أو تفد إليها فيروسات الفرعنة وتتشكل في رحم الحياة السياسية والاجتماعية صور للجبروت والإقصاء والإفساد فإن الدماء تفور في عروق الوطنية ويكون التنادي والاصطفاف الواعي لإجهاض هذا الحمل الشائه وإزهاق البغي)، وحتى تتضح الصورة أكثر بهذا الخصوص فإن الفيروسات (المشاريع الدخيلة) خصوصا الفكرية والثقافية منها إن لم يتم التصدي لها بسرعة البرق يمكنها أن تحدث خللا مهولا فهي أفتك من القوة العسكرية، يتحدث النص قائلا ( …. وتعود به المعطيات إلى مزالق الحركة الحوثية، وتفخيخها لعقيدة فئة من اليمنيين وهويتهم، وتحويلهم إلى آلة قتل، ويتخيل الخاتمة الوخيمة للوحوش البشرية التي ربتهم على نسف المساجد ودور تحفيظ القرآن ومنازل المواطنين وأشنع من ذلك مسلكا ومآلا أولئك المسوخ الذين يقتحمون حرمات البيوت ويروعون الأطفال والنساء ويختطفون المدنيين ويتلذذون بقتلهم حتى الموت)، فمن هنا بالذات يبدأ تهديد الهوية، حين سمح بتفشي أوبئة الفكر الدخيل بين بعض اليمنيين الأمر الذي أسهم في تجريف هويتهم الأصيلة التي تقتضي تجريم الاعتداء على المقدسات والحرمات والإنسان والمرأة وحرمة تجاوز القانون والنظام العام وقواعد السلوك العام، ليتحولوا إلى مسوخ يمارسون التمرد والعدوان والاعتداء والتدمير والملشنة خدمة لأجندة خارجية طامعة دون وعي وإدراك بذلك في الأغلب.
خاتمة
نأمل أن يكون هذا الإصدار فاتحة لمزيد من الجهود المعرفية والثقافية والفكرية التي تقدم معالجات لمسألة الهوية اليمنية ، التي تعرضت لعمليات تجريف وطمس على مدى قرون طويلة، والأكثر تعقيدا أن المشاريع الدخيلة التي استهدفت الهوية اليمنية تتخذ زيفا طابع الدين وتستند إلى نصوص دينية مزورة، وهذا ما أمكن المتوردون على اليمن من الطبريين والرسيين والأبناء من اختراق كثير من المجتمعات بثقافات دخيلة أسهمت في طمس الهوية اليمنية لديهم.