تقارير

القومية والتحرير.. خطـان ثـوريـان وهدف واحد

سبتمبر نت ـ عادل الكثيري

 

عانى شعبنا ردحاً من الزمن، وانقسمت إرادته كما انقسم أبناؤه الى شطرين يخضع أحدهما للاحتلال والآخر للاستبداد، اللذين عملا على تدمير روح الشعب وبث الفرقة فيه، وتحطيم قدرته على المقاومة، وإطالة زمن تفككه وإضعاف طاقاته، وما غرسه (المحتل، والمستبد) لم ينته في ليلة وضحاها، بل عانى منه الثوار، وكادت الثورة أن تدفع الثمن غالياً، وأن كان ثمة ظروف يمنية والعربية هيأت للثورة، إلا أن يوميات الثورة والصمود لم تخف تلك التباينات والاختلافات بين قيادات الجبهة القومية وجبهة التحرير، والتي  امتدت فيما بعد إلى صراعات دموية خسر الوطن بسببها الكثير.

 

يقول المناضل سالم علي بن حلبوب: مما لا شك فيه أن ثورة 23 يوليو 1952م وقيادتها الوطنية ممثلة بشخص الزعيم عبدالناصر قد جذبت إليها الأحرار والثوار على مستوى الوطن العربي الكبير وبعد ظهور (الراديو) ووصوله إلى المناطق الريفية اليمنية عرف المواطن العربي واليمني على وجه الخصوص بالثورة الجزائرية وما يقدمه الشعب العربي في الجزائر من تضحيات في سبيل الحرية والاستقلال عن فرنسا من خلال إذاعة صوت العرب التي بدأت بثها في عام 1953م ثم جاء بعد ذلك مشروع بناء السد العالي والشروط المجحفة الذي وضعها البنك الدولي على مصر وتأميم القناة وحرب السويس وصمــود مدينــة بور سعيد في وجه العدوان الثلاثي عام 1956م وعرف المواطن العربي عن البطل جول جمال وعن قاعدة عدن الاستعمارية في جنوب اليمن وعن قاعدة الحبانية في العراق وقاعدة سيرت وهويلس في ليبيا والتي تقوم الطائرات من هذه القواعد لقمع حركات التحرر في الوطن العربي ومنها مصر قلعة العروبة كما حصل أثناء العدوان الثلاثي عام 1956م وجاء قيام الوحدة المصرية السورية وثورة 14 تموز 1958م في العراق وتحطيم حلف بغداد وسحل صانعيه من الخونة.

 

وأضاف: التأثر بثورة ابن عبدات في حضرموت، ثورة السلطان علي عبدالكريم في لحج عام 1958م ، ثورة السلطان محمد عيدروس العفيفي في يافع السفلى عام 1957 – 1962م، وثورة الفضلي ونفي السلطان صالح عبدالله إلى جزيرة سيشل، كما لجأ السلطان أحمد عبدالله الفضلي إلى القاهرة وإفشاله مؤتمر لندن عام 1964م، الاضرابات العمالية في مدينة عدن والزحف على المجلس التشريعي يوم 24 /9 /1962م ودور رابطة أبناء الجنوب في طرح القضية على هيئة الأمم المتحدة، وثورة يافع العليا بقيادة السلطان فضل هرهرة وأحمد أبو بكر النقيب والمصلي والجهوري، انتفاضة قبائل الصبيحة وثورة الدماني في العواذل وانتفاضة المجعلي والصالحي في دثينة، وانتفاضة الحارثي والفاطمي في بيحان، ومعركة الحميري في بلاد الواحدي، ومعركة العوالق آل أبوبكر بن فريد 1958 – 1960م، ومعركة العوالق السفلى باكازم بقيادة الشيخ مقبل باعزب، ومعركة الحواشب بقيادة السيد محمد عبيد سفيان، ومعركة بن عواس وبن عبدالدائم والشعار في الضالع.. وجاءت الثورة اليمنية في 26 سبتمبر 1962م ووصل المناصرون لها من أرض الكنانة بعد أن بدأت تتكالب عليها القوى الرجعية والامبريالية والمرتزقة الأجانب وإلى جانبهم العملاء والمرتزقة في الداخل، ونادى المنادي هنا صنعاء إذاعة الجمهورية العربية اليمنية إلى السلاح إلى الجهاد أيها الأحرار الثورة والجمهورية تناديكم وتطالبكم الدفاع عنها، فهب الرجال من كل حدب وصوب من جنوب الوطن بقيادة الشيخ راجح غالب لبوزة القطيبي الذي قاد مجاميع المناضلين التي وصلت إلى يمن الثورة والجمهورية.

 

الظروف القبلية

وأردف: كان الخلاف قائم بين مشيخة القطيبي من جهة وبين إمارة الضالع ومعها حكومة الاتحاد الفيدرالي والحكومة البريطانية ممثلة بشخص المندوب السامي بعدن من جهة ثانية، وقد تم تضمين مشيخة القطيبي ضمن إمارة الضالع في الاتحاد الفيدرالي دون أن تمنح مشيخة القطيبي حقيبة وزارية في إطار الحكومة الاتحادية الفيدرالية، فرفعت مشيخة القطيبي الحواجز الجمركية التي كانت تتحصل منها على عوائد مالية ولم يدفع لها ما تم الاتفاق عليه بين الشيخ سيف حسن علي القطيبي والأمير شعفل بن علي شائف الأميري في الاتفاقية الموقعة بينهما في 26 /5 /1962م والتي حضرها أعضاء الحكومة الاتحادية وسلاطين وأمراء ومشايخ الجنوب عامة كما يقول فرنك ايدوارد مؤلف كتاب (ذي جيش) والذي حضر الحفل بصفته قائد الكتيبة العسكرية المرابطة في الضالع.4

 

لم توفِ إمارة الضالع بتعهداتها المالية وكذا الحكومة الاتحادية لأن أمرهما معاً بيد المستعمر وفاقد الشيء لا يعطيه خاصة فيما يتعلق بالنواحي المالية، فتم الإنذار من الشيخ سيف حسن علي القطيبي لأمير الضالع والحكومة الاتحادية بإعادة الحواجز الجمركية لمشيخة القطيبي في أراضيها وأشعر بذلك المندوب السامي كيندي تريفاسكيس الذي يقول في مذكراته (ظلال الكهرمان) إن آلـ قطيب مع شيخهم كانوا يضعونا في وضع لا يحسد عليه عندما يقطعون الطريق الذي يمر عبر أراضيهم إلى الضالع مما نضطر للاستجابة لمطالبهم ويتم ابتزازنا مالياً بطريقة لا نرتضيها.

 

دفعت الحكومة الاتحادية بالشيخ صالح العلوي المجاورة مشيخته أرض القطيبي والعلوي مشيخة مستقلة بذاتها وعضو في الحكومة الاتحادية لا يتجاوز عدد سكانها عن (3000) ثلاثة آلاف نسمة وعاصمتها القشعة ومساحتها لا تتجاوز أربعين كيلومتراً مربعاً دفعت الحكومة بالشيخ العلوي على أن يثير موضوع سابق وهو استعادة الأراضي التي استقطعها القطيبي من مشيخة العلوي على إثر التحكيم الذي وقع عليه الشيخ علي ناشر سيف العلوي والشيخ محمد صالح الأخرم القطيبي في 21 /9 /1907م بمساعي قام بها السلطان أحمد فضل محسن العبدلي إثر جريمة قتل غدراً ارتكبت بحق القطيبي. أما المناطق المستقطعة من أراضي العلوي والتي أصبحت فيما بعد الاتفاقية قطيبية هي الثمير والربوة السفلى والحبيلين وهي التي وصلت يد القطيبي إلى الطريق الرئيسي الذي يربط عدن بالضالع مما دفع الحكومة البريطانية إلى أن تعقد اتفاقية حماية طرقات مع الشيخ محمد صالح الأخرم في 22 /6 /1915م وقد اعتبرت هذه الاتفاقية اعترافاً – ضمنياً – بالقطيبي من قبل الحكومة البريطانية وفك ارتباط نهائي مع إمارة الضالع ويذكر هارولد انجرامس في كتابه (العربية والجزر) أن قدرات أمير الضالع لا تمكنه أن يخضع هذه القبيلة القوية التي انهكت سلاح الجو الملكي البريطاني في حروبه المتواصلة عليها في الثلاثينيات من القرن العشرين.

 

تم لجوء الشيخ سيف حسن علي القطيبي ومعه مشايخ قبيلته ومنهم الشيخ راجح بن غالب لبوزة إلى منطقة جبلية وعرة (حقاص) حيث تدابروا الأمر واتخذوا قرارا لا رجعة فيه يقضي هذا القرار بتوجه المقاتلين القطيبيين إلى يمن الثورة والجمهورية كمجموعة يتقدمهم الشيخ سيف مقبل عبدالله القطيبي والشيخ راجح بن غالب لبوزة، والشيخ عبدالحميد بن ناجي المحلائي بعد أن وفر لهم الشيخ سيف حسن القطيبي ما يوصلهم إلى قطعبة من ثمن بندقية ابن عمه محمد شايف جابر قعطبة وكان هذا في نهاية شهر مارس من عام 1963م حسب تقدير الأخ السفير الدكتور عمر سيف مقبل القطيبي في ورقته المقدمة إلى ندوة توثيق الثورة اليمنية بجزئها الثاني وبعد أن أدى المناضلون من جنوب الوطن واجبهم في جبال حجة وامضوا(6) أشهر عادوا من شمال اليمن الجمهوري إلى جنوب اليمن المحتل وكانت المخابرات البريطانية ترصد قدومهم أولاً بأول وبكل دقة، وكذا ما كان يحمله كل واحد منهم من سلاح وقنابل يدوية، ورغم أن المدافعين عن الثورة والجمهورية قد كانوا من جميع المناطق الجنوبية بدون استثناء إلا أن التقرير البريطاني الفصلي للفترة من 16 /10 /1963م إلى 28 /12 /1963م الموسم (الموقف القبلي وتقييم الإمكانيات) المرفوع من قيادة الشرق الأوسط البريطانية بعدن إلى وزارة الدفاع البريطانية في لندن قد اختصر على ذكر تحركات أبناء ردفان فقط وفي مقدمتهم آلـ قطيب وقائدهم الشيخ سيف مقبل القطيبي الذي وصفه التقرير بالقائد وكذا وصف المتعاونين معه من مثل السيد محمد عبيد سفيان (صاحب الظبيات) ومحمد صالح الحوشبي وعبدالحميد بن ناجي المحلائي ووصف التقرير في الفقرة (c) أن الشيخ راجح غالب لبوزة قد قاتل قوات الحكومة في يوم 14 أكتوبر 1963م وقتل على يد قوات الحكومة الاتحادية وكان رجلاً شجاعاً وصادقاً ويستحق الاحترام، ويذهب التقرير إلى القول إن المتمردين يحظون بدعم قائد قعطبة، أحمد الكبسي ووجود المصريين في قعطبة وجبل مريس مثار للشؤم والحيرة خاصة بعد وصول القائد المصري الجديد (مرتجي) يقصد التقرير البريطاني الفريق عبدالمحسن كامل مرتجي الذي جاء قائداً للقوات المصرية خلفاً للفريق أنور القاضي في نهاية عام 1963م والفريق مرتجي يدعم المتمردين بقوة، ويذهب التقرير البريطاني لوصف الثوار ثم أن الانذار الموجه للشيخ سيف حسن علي القطيبي من وزير الأمن الداخلي في حكومة الاتحاد الفيدرالي والذي يتهم فيه الشيخ القطيبي بإرسال أبناء الاتحاد للقتال فوق أرض أجنبية ويقصد شمال الوطن في سبيل خراب وطنهم الأم (الاتحاد الفيدرالي) وتوجد الوثيقة في المتحف الحربي بصنعاء قسم 14 أكتوبر وما تمت الإشارة إليه يتطابق مع الانذار الموجه للشيخ سيف حسن القطيبي.. وللحقيقة أن ثورة 14 أكتوبر 1963م كما أسلفنا لم تكن حصيلة استراتيجية مسبقاً بقدر ما كانت الحوادث والظروف هي التي لعبت دوراً بارزاً تمثل في الاستفادة من حركة القوميين العرب فأعلنت الجبهة القومية وأعلنت في بيان لها اندلاع الثورة المسلحة وتزامن الحدث بوجود المشير عبدالحكيم عامر ومحمد أنور السادات في صنعاء وطلب الثوار الذين كانوا يدافعون عن الثورة والجمهورية بقيادة الشيخ سيف مقبل عبدالله القطيبي تدعيمهم بالسلاح والإمكانات الضرورية لاستمرار الثورة على أن يبت في موضوع المساعدات والدعم في القاهرة على ضوء ما أعلنه الرئيس جمال عبدالناصر في خطابه بمدينة بور سعيد بيوم النصر في 23 ديسمبر 1963م واتخذت العملية صلاح الدين من تعز مقراً لها ونزلت أول دفعة سلاح لثوار ردفان عبر قعطبة حملها فخري عامر أوائل فبراير 1964م ورافق الحملة مجموعة من الثوار ومعهم قحطان الشعبي الذي وصل إلى قعطبة مع فخري عامر ثم عاد معه إلى تعز، بينما ثوار ردفان شقوا طريقهم إلى ساحة المعركة في ردفان وكانت العلاقة بين القيادة السياسية للجبهة القومية والمخابرات المصرية العامة تعيش عصرها الذهبي وقد عبر عن هذه الفترة الاستاذ قحطان محمد الشعبي للدكتور أحمد السقاف وكيل وزارة الإعلام الكويتية وسامي المنيس رئيس تحرير مجلة الطليعة الكويتية الناطقة باسم حركة القوميين العرب وذلك عندما زارا قحطان الشعبي في مكتبه بعمارة الايموبيليا بالقاهرة في صيف 1964م واللذان وجداه مجتمعاً مع بضعة ضباط من رجال المخابرات المصرية العامة.. وكان قحطان يكيل الثناء للضباط المصريين الذين يتولون تدريب الثوار في تعز ويزودونهم بالسلاح ويثني أيضاً على الشبان الذين يتعاونون معه في القاهرة، رحم الله الرئيس قحطان الشعبي الذي لم يتنكر للدور المصري تجاه ثورة 14 أكتوبر 1963م.

 

الجبهة القومية

– وأضاف: وللحقيقة أن الجبهة القومية لها مواقف مضيئة لابد من تسجيلها بأمانة ولدورها العظيم الذي أدته منذ اللحظات الأولى لتبنيها الثورة فقد فتحت آفاقاً رحبة أمام شباب الثورة ولعبت أجهزتها الإعلامية دوراً تعبوياً ورفعت من القضية الوطنية محلياً وعربياً، وبلورة إحساسات الثورة في قلوب الجماهير مما نتج عنه إيجاد قيادات احتلت مواقعها في العمل النضالي العسكري والسياسي، وامتازت من خلال تنظيم حركة القوميين العرب ايجاد انضباط تنظيمي ووحدة فكرية بين اعضائها الملتزمين لحركة القوميين العرب، وساعد هذا في توحيد صفوفها رغم ما رافق ذلك الانضباط من انقسام في مراحل لاحقة.

 

كما كانت لفدائي الجبهة القومية اعمال بطولية رائعة رغم الإمكانات المحدودة إلا أن الروح الثورية التي سادت بين صفوف المناضلين من رجالات الجبهة كانت من دوافع إحراز الانتصارات السريعة على جحافل المستعمر في عدن والمناطق الداخلية، وفي محاولة لاتنكر تمكنت الجبهة القومية من بلورة مفاهيمها في ميثاق وطني واستطاعت عقد مؤتمر قومي للجبهة القومية بغض النظر عن عمق هذا الميثاق أو تقصيره وعن ديمقراطيته من عدمه وهذا هو أبرز ايجابيات الجبهة القومية حتى 13 يناير 1966م.

 

جبهة التحرير

وأضاف: فتحت جبهة التحرير ذراعيها لكل القوى الوطنية المختلفة والهويات المتحدة في الغاية والهدف، وصعدت من خلال التنظيم الشعبي للقوى الثورية الذي يتكون من القوى الناصرية والتي كان همها الاكبر محاربة المستعمر دون التطلع إلى المناصب أو الصراع على الكراسي، وفتحت آفاقاً جديدة وايجاد خطة عسكرية رسمت على أساس استراتيجي محكم وفقاً لأساليب الحرب الثورية أهمها: ظهور عناصر ثورية جديدة تحمل روح الشجاعة والإيمان والإخلاص، دخلت هذه العناصر في سباق مع من كان يقلل من شأنها وخاصة العناصر التي رفضت الدمج، توفرت أساليب واسلحة جديدة قدمتها المخابرات المصرية العامة وشهدت عدن معارك عنيفة وخارقة أزعجت المستعمر واشغلت وكالات الانباء، وفتحت معسكرات التدريب لجميع العناصر الفدائية والعسكرية داخل تعز وكذا داخل المنطقة عدن وقام رجال العملية صلاح الدين الذين اتبعوا اسلوباً جديداً في حرب العصابات الثورية وكان توصل المهندس رائد فتحي عبدالحميد ابو طالب أحد رجال العملية صلاح الدين إلى اختراع التفجير عن بعد قد أزعج قيادة الشرق الأوسط البريطانية في عدن.

 

قامت جبهة التحرير باستقطاب العناصر التي لم يكن لها انتماء حزبي وكانت مستبعدة من المشاركة في العمل الوطني، وواجهت الدعايات والبلبلة المغرضة من قبل الاستعمار وركائزه في الداخل والخارج واجهضتها بالأعمال البطولية على أرض الواقع، والرفع بالقضية لدى المحافل الدولية والأمم المتحدة والجامعة العربية والدول الصديقة في آسيا وافريقيا وأمريكا اللاتينية وشرق أوروبا، كما لعب قادتها السياسيون دوراً كبيراً نتيجة لمكانتهم التي كانوا يتبوؤنها في ساحة النضال السلمي من خلال مؤتمر عدن للنقابات أو حزب الشعب الاشتراكي، وظل رجال جيش التحرير والتنظيم الشعبي إلى آخر اللحظات التي حاولت السلطة البريطانية تصفيتهم بمساعدة الطيران الجوي محافظين على مواقعهم النضالية وبالذات في مناطق كرش والمنصورة ودار سعد والشيخ عثمان حتى آخر لحظة من لحظات تدخل بريطانيا براً وجواً لضرب مواقع تجمعات جيش التحرير، وسطر هذا الجيش أروع الملاحم البطولية دفاعاً عن الثورة والجمهورية خلال حرب السبعين يوماً والذي عرف بحصار صنعاء وموقعه نقيل يسلح تشهد بذلك.

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى