تنظيم الضباط الأحرار من أول اجتماع.. حتى آخر طلقة

img

سبتمبر نت/ بلال الطيب   لم تكن ثورة 23 يوليو 1952م المصرية حدثًا عابرًا محدود التأثير، بل كانت نقطة تحول فارقة في مسار النضال الوطني الشامل، جذبت إليها الأحرار العرب من المُحيط إلى الخليج، وأنعشت إذاعتها إذاعة «صوت العرب» الروح القومية لديهم، وألهبت شعاراتها حماسهم، لتنتعش على وقعها ووقع خطابات الزعيم جمال عبدالناصر رغبات التحرر من الأنظمة الرجعية، والاحتلال الأجنبي، وهو ما كان.   أسلحة حديثة.. أفكار جديدة حينما رأى الإمام أحمد ذلك المد الثوري الجارف يتسلل إلى صفوف الشباب اليمنيين، المؤمنين بالحرية والتغيير، حاول أن يتماهى معه، وأن يقدم نفسه كعروبي أصيل، وشارك الزعيم جمال عبدالناصر، والملك سعود بن عبدالعزيز لحظات إشهار ميلاد تحالف عربي ثلاثي من مدينة جدة السعودية إبريل 1956م. وحين تحققت بعد عامين الوحدة المصرية السورية راسل الزعيم جمال عبدالناصر قائلًا له: أنَّ النجوم أخبرته أنَّ نجم ناصر صاعد، وقد انضم أيضًا إلى ذك الاتحاد الفيدرالي الذي - هو الآخر - لم يُعمر طويلًا.   أراد الإمام أحمد بموقفه ذاك أنْ يضرب عصفورين بحجر واحد، فقد أراد أولاً أن يخرس صوت الأستاذ أحمد محمد نُعمان، والقاضي محمد محمود الزبيري اللذين عاودا في مُنتصف العام السابق نشاطهما من القاهرة، وحولا «الاتحاد اليمني» - كيان الأحرار الدستوريين الثالث، وبعد سبع سنوات من تأسيسه - من إطار جامد إلى جهاز عامل صحفيًا، وإذاعيًا، وسياسيًا، وطلابيًا، وأعادا إصدار صحيفة «صوت اليمن»، وألقيا خطاباتهم الحماسية عبر أثير إذاعة «صوت العرب».   وأراد الإمام أحمد أنْ يُمهد ثانيًا لولده محمد البدر، ليكون وليًا للعهد، وإمامًا من بعده، خاصة وأنَّ شقيقه الحسن كان مُنافسًا قويًا، وله أنصار كُثر، وقد أتقن الابن الدور المرسوم له من والده بعناية فائقة.. قدم نفسه كشاب متحرر، محب للتغيير، وتقرب من الضباط الشباب، وزار الاتحاد السوفيتي، واشترى بـ 3,000,000 دولار سلاحًا، وهذا المبلغ الكبير سبق وحصل عليه والده من قبل السعودية بمُوجب التحالف السابق ذكره.   وقد نظم الأخير قصيدة شعرية ردًا على جميل آل سعود تجاهه، نقتطف منها: ولا آلـو لآلِ سعــــود شُكرًا ... جميــعــهـــمُ فـكــلَّهمُ رعــاني بعطفٍ أو بنصـــحٍ أو بمالٍ ... كـــــذاك سلاهم دومًا أتــــاني فقد كانوا معي دومًا كـرامًا ... وكانوا العون إن خطبٌ عناني ففيصل أو سعود خير جـار ... ومــن عبدالعزيز الجود جاني   من جهته الزعيم جمال عبدالناصر سارع في إرسال بعثة عسكرية مُكونة من 12 ضابطاً، وذكر عبدالله جزيلان في كتابه «التاريخ السري للثورة اليمنية» أنَّ تلك البعثة أتت بطلب من الأمير البدر، وأنَّ والده الإمام لم يكن راضيًا عن ذلك. كما أرسل الاتحاد السوفيتي بخبراء روس، وكانت مهمة هؤلاء جميعًا تدريب القوات المسلحة اليمنية على الأسلحة الحديثة، وأضاف جزيلان مُتحدثًا عن البدر: «كان البدر يبدو أمام الرأي العام رجلًا يدعو إلى الإصلاح، ولكنه كان في الحقيقة رجعيًا مُمعنًا في رجعيته».   جاء بعد ذلك الحدث الأبرز المُتمثل بتأسيس الكلية الحربية في العاصمة صنعاء برئاسة المُناضل الجسور حمود الجائفي، ثم مدرسة الأسلحة، ثم كلية الطيران، وهي التحولات التي مهدت للقوات المسلحة اليمنية أن تخطو خطوات جبارة نحو التطور التحديث، والأهم من ذلك تسلل الأفكار القومية التحررية إلى صفوف طلابها، والذي كان الضابط علي عبدالمغني أحدهم.   وحينما بدأت الأمور تتوتر بين الزعيم جمال عبدالناصر والإمام أحمد، وجه الأخير باحتجاز الضباط المصريين في قصر الضيافة، وحرم عليهم الاتصالات، ثم أرسلهم إلى القاهرة، وأفاد وجيه أبو ذكرى في كتابه «الزهور تدفن في اليمن»، أنَّ هؤلاء الضباط هم من كونوا فكرة صائبة عن اليمن، وأنَّ القيادة المصرية استفادت من معلوماتهم في التمهيد للثورة أيما استفادة.   من جهته أرجع المُناضل عبدالقادر محمد الخطري بدء تبلور الوعي الوطني في صفوف ضباط الجيش اليمني إلى أوائل العام 1951م، وقسم في كتابه «حقيقة الثورة وأسرارها» مراحل النضال العسكري إلى مرحلتين مُتتابعتين، الأولى استمرت لأربع سنوات، وأسماها بمرحلة الإعداد الثقافي، وفيها بدأ هؤلاء الضباط ومعهم عدد من المدنيين القيام بجلسات تعرفية تعارفية في مدينة صنعاء، وتعز، والحديدة، وإب، تبادلوا خلالها الأفكار التنويرية، وعكفوا على قراءة عدد من الكتب المُهمة.   وقال المناضل الخطري في تقديمه لهذه المرحلة: «إن الأرواح الطاهرة، والنفوس الزكية التي أزهقها الطاغية الإمام أحمد بن يحيى حميد الدين ظلمًا وعدوانًا عام 1948م لم تذهب سدًا، فقد أنبتت دماؤها أرواحًا شابة جديدة فياضة بالشعور نحو هذا البلد العظيم الذي مسخه وشوه بماضيه وحاضره الحكم الإمامي الفردي المُتعاقب».   أما المرحلة الثانية فقد بدأت كما أفاد المُناضل الخطري من أواخر العام 1954م، وفيها بدأ هؤلاء الضباط وغيرهم يُفكرون جديًا بقيام ثورة شاملة تطوي صفحة الإمامة الكهنوتية وإلى الأبد، ومهما كلفهم ذلك من ثمن. ومن أجل الوصول إلى هذا الهدف احتكوا بالمواطنين، ونشروا الوعي الوطني في صفوفهم، وجمعتهم في العام التالي والأعوام التي تليه لقاءات مع عدد من الأحرار الأوائل المُفرج من سجون حجة المُوحشة، وكانت معظم نقاشاتهم تتركز حول تحقيق ذلك الهدف الثوري النبيل.   تعددت خلال تلك الفترة التنظيمات السرية الداعية للقيام بثورة جذرية شاملة، وفي مدينة صنعاء كما في مدينتي تعز والحديدة، كان العمل يمضي على قدمٍ وساق من أجل تحقيق هذا الهدف، لتكلل تلك الجهود بمُحاولة المُناضل سعيد حسن فارع الشهير بـ «إبليس» اغتيال الإمام أحمد في منطقة السخنة، وكذلك تكرار الضباط عبد الله اللقية، ومحمد العلفي، ومحسن الهندوانة لذات المحاولة في مستشفى الحديدة 26 مارس 1961م، صحيح أنَّ العمليتين فشلتا، إلا تأثيراتها هدّت البيت الحاكم، وأشعرته بالرهبة، وقرب النهاية.   عمل سري بعد محاولة اغتيال الإمام أحمد في الحديدة أغلقت السلطات الإمامية الكليات والمدارس العسكرية، وهو الأمر الذي حفز عدداً كبيراً من الضباط ذوي الرتب الصغيرة في الجيش والأمن على إيجاد تنظيم جامع يحتويهم، وبدأوا يفكرون - كما أفاد عبدالله الراعي - بعمل مُنظم بدلًا من العمل الفردي غير المجدي، واجتمعوا لأجل ذلك في منزل المُلازم عبدالله المؤيد 10 ديسمبر 1961م، وقد حضر ذلك الاجتماع - كما جاء في كتاب «وثائق الثورة اليمنية» -  16 ضابطًا، نذكر منهم: الملازم عبدالكريم السكري، والملازم صالح العريض، والملازم صالح الأشول، الملازم أحمد الرحومي، والملازم ناجي علي الأشول، والملازم حسين الغفاري، والملازم شرف الكبسي، والملازم علي الجايفي، والملازم حمود محمد بيدر.   اعتمد هؤلاء الضباط على السرية التامة في تحركاتهم، وكان من الصعب أنْ يعرف أي عضو في أي خلية عن أعضاء الخلايا الأخرى، وحددوا في نظمهم الداخلية إباحة دم كل من يفشي منهم سرًا، وأنْ يدفع كل عضو اشتراكاً شهرياً مقداره ريالاً واحداً، ورددوا هذا القسم: «أقسم بالله العظيم وبالإسلام الذي أدين به، وبكل المقدسات الوطنية، أن أكون جنديًا مُخلصًا في جيش العروبة، وأنْ أبذل نفسي وما أملك فداء لقيادتي، ووطني، وأن أكون مُنقادًا لما تصدر إلي من أوامر، منفذًا لها ما دامت أعلم أنها في المصلحة العامة التي جاء من أجلها الدين، وأنْ لا أخون ولا أفشي سرا للمنظمة ولو أدى ذلك إلى استشهادي، والله على ما أقول وكيل».   انضم عدد من الضباط إلى ذلك التنظيم تباعًا، وتركز نشاطهم التنظيمي في بداية الأمر - كما أفاد سعيد الجناحي - في المدن الرئيسية الثلاث صنعاء، وتعز، والحديدة، ففي صنعاء كان هناك علي عبدالمغني، وصالح الأشول، وأحمد الرحومي، وحمود بيدر، وناجي علي الأشول. وفي تعز محمد مطهر، وعبدالله عبدالسلام صبرة، ومحمد حاتم الخاوي، وأحمد الكبسي، ويحيى الفقيه، وفي الحديدة علي الجائفي، وعبدالوهاب الشامي، وحسين الغفاري، وعباس المضواحي، وعتيق الحدا، والنقيب محمد الرعيني.   ومن ديسمبر 1961م وحتى سبتمبر 1962م تولى قيادة التنظيم ثلاث لجان تشكلت الأولى فور التأسيس من: الرئيس عبداللطيف ضيف الله مدير مدرسة الإشارة، والملازم أحمد الرحومي، والملازم ناجي الأشول، والملازم علي عبدالمغني، والملازم صالح الأشول.   وفي فبراير 1962م تشكلت اللجنة القيادية للمرة الثانية من الأعضاء أنفسهم باستثناء ناجي الأشول، فقد صعد بدلًا عنه الملازم حمود بيدر، وأقرت اللجنة أنْ يكون الملازم ناجي الأشول أمينًا للسر، إلى جانب كونه المسؤول المالي. وفي يونيو من ذات العام انتخبت اللجنة القيادية كلًا من: علي عبدالمغني، والنقيب عبداللطيف ضيف الله، والملازم أحمد الرحومي، والملازم محمد مطهر زيد، والملازم صالح الأشول. يضاف إليهم الملازم ناجي الأشول أمين السر، وهذه القيادة هي أعلى قيادة في تنظيم الضباط الأحرار حتى عشية قيام ثورة 26 سبتمبر.   وقد لعب الضابط الشاب علي عبدالمغني دورًا رئيسيًا بارزاً في تأسيس هذا التنظيم وقيادته، والأخير من خريجي مدرسة الأيتام، والكلية الحربية، وكان همزة الوصل وقناة الاتصال بين ذلك التنظيم والقيادة المصرية، كما أنَّه وبشهادة كثيرين كان ذكيًا مُتقدًا، ووطنيًا متحمسًا، واسع الاطلاع، ممتلئًا بالشعور القومي، ذا قدرة جبارة في اجتذاب المُتعاونين.   ساعة الصفر ارتبط تنظيم الضباط الأحرار برموز وطنية في القطاع المدني لتنشيط حركة التعبئة في أوساط فئات المجتمع، وفي تعز كان المُناضل عبدالغني مُطهر رجلهم الأمين في القيام بهذا الدور، وقد تحدث الأخير في كتابه «يوم ولد اليمن مجده» أنَّ الملازم علي عبدالمغني زاره إلى منزله في مدينة تعز إبريل 1962م، وأخبره أنَّ التجمعات الوطنية بما فيهم الضباط الأحرار يريدون حضوره إلى صنعاء للتفاهم معه حول سفره إلى القاهرة، خاصة وأنَّ السلطات المصرية طلبت منهم جميعًا إرسال شخص يكون محل ثقة للتشاور.   وبالفعل توجه المناضل عبدالغني مطهر إلى صنعاء، ومنها إلى عدن، ثم إلى القاهرة، والتقى هناك بأنور السادات ونقل له صورة شاملة عن الوضع في اليمن، وخلص مطهر بالقول: «وقد انتهت لقاءاتنا مع المسؤولين في القاهرة بقبولهم التعاون مع الحركة الثورية في اليمن خلال فترة الإعداد للثورة، وحمايتها بعد تفجيرها».   وأضاف: «وحين وصلت إلى تعز وجدت في استقبالي الأخ علي عبدالمغني الذي كان قد وصل إليها قبل وصولي بيومين، فسلمته تقريرًا شاملًا بما أسفرت عنه رحلتي إلى القاهرة كي يحمله إلى الإخوة الأحرار في صنعاء، وقد تضمن هذا التقرير فيما تضمنه من موضوعات، وخطط ما تم الاتفاق عليه في القاهرة بشأن الأسلحة التي سوف ترسل إلى صنعاء وتعز بالحقائب، وغيرها من الوسائل».   وفي صنعاء كان المناضل عبدالسلام صبرة همزة الوصل بين قيادة التنظيم، والحركة الوطنية المدنية، والأخير تجمعه علاقة مصاهرة مع الملازم صالح الأشول، وسعيد الأشول، وفي منزله كان الاجتماع المُوسع الذي تم به تحديد ساعة الصفر.   حسب أدبيات عدد من الأحرار، كان من المُقرر أنْ تكون تعز مُنطلق الثورة الشاملة، وفي 23 يوليو 1962م تحديدًا، إلا أنْ مَرض الإمام أحمد جعل الضباط الأحرار يؤجلون ذلك، وحين تحقق موت الإمام الطاغية 19 سبتمبر 1962م، لفظت تعز جثمانه، وشهدت صنعاء مقر ابنه الأمير محمد البدر وبعد سبعة أيام تفاصيل بداية الثورة، وإعلان الجمهورية.   في كتابه «التاريخ العسكري لليمن» استند المُؤرخ سلطان ناجي إلى روايات بعض الكتاب الأجانب، ورجح أنَّه قبل قيام الثورة كانت هناك أربع مجموعات مُختلفة تعمل على الإطاحة الفعلية بالعرش الإمامي، اثنتان منها تخصان قبيلتي حاشد، وبكيل، والأخريتان تخصان الجيش، وتنظيم الضباط الأحرار، وخلص بالقول: إنَّ الأخيرين هم من قاموا بالثورة فعلاً، بقيادة الضابط الشاب علي عبدالمغني.   وأضاف ناجي: «إن حدث 26 سبتمبر 1962م لا يقارنه أي حدث آخر في تاريخ اليمن قديمه وحديثه، فقد استطاعت هذه الثورة المجيدة أنْ تُحرر الشعب اليمني من الحكم الفردي الثيوقراطي المُتخلف والمُستبد، كما أنَّ هذه الثورة تعرضت للمؤامرات واعتداءات داخلية وخارجية، وحرب أهلية استمرت لعدة سنوات بين قوى التقدم والتخلف، وذهب ضحيتها مئات الآلاف من اليمنيين وإخوانهم العرب من المصريين الذين أتوا لنجدة الثورة، والجمهورية».   وهكذا قامت الثورة 26 سبتمبر 1962م، وتغدى الضباط الأحرار بالإمام الجديد محمد البدر قبل أن يتعشى بهم، وقد انتهى دور تنظيم الضباط الأحرار السري مع قيام الثورة تلك الثورة الخالدة، حيث صار العمل الثوري على المكشوف، وصار الأحرار جميعهم في معركة واحدة، معركة الدفاع عن الجمهورية الوليدة، وضم مجلس قيادة الثورة اثنان من أعضاء تنظيم الضباط الأحرار هما: النقيب عبداللطيف ضيف الله، والملازم علي عبدالمغني، وقد استشهد الأخير بعد أيام معدودة من تحقيق حلمه الكبير.  

تقارير 0

سبتمبر نت/ بلال الطيب

 

لم تكن ثورة 23 يوليو 1952م المصرية حدثًا عابرًا محدود التأثير، بل كانت نقطة تحول فارقة في مسار النضال الوطني الشامل، جذبت إليها الأحرار العرب من المُحيط إلى الخليج، وأنعشت إذاعتها إذاعة «صوت العرب» الروح القومية لديهم، وألهبت شعاراتها حماسهم، لتنتعش على وقعها ووقع خطابات الزعيم جمال عبدالناصر رغبات التحرر من الأنظمة الرجعية، والاحتلال الأجنبي، وهو ما كان.

 

أسلحة حديثة.. أفكار جديدة

حينما رأى الإمام أحمد ذلك المد الثوري الجارف يتسلل إلى صفوف الشباب اليمنيين، المؤمنين بالحرية والتغيير، حاول أن يتماهى معه، وأن يقدم نفسه كعروبي أصيل، وشارك الزعيم جمال عبدالناصر، والملك سعود بن عبدالعزيز لحظات إشهار ميلاد تحالف عربي ثلاثي من مدينة جدة السعودية إبريل 1956م. وحين تحققت بعد عامين الوحدة المصرية السورية راسل الزعيم جمال عبدالناصر قائلًا له: أنَّ النجوم أخبرته أنَّ نجم ناصر صاعد، وقد انضم أيضًا إلى ذك الاتحاد الفيدرالي الذي – هو الآخر – لم يُعمر طويلًا.

 

أراد الإمام أحمد بموقفه ذاك أنْ يضرب عصفورين بحجر واحد، فقد أراد أولاً أن يخرس صوت الأستاذ أحمد محمد نُعمان، والقاضي محمد محمود الزبيري اللذين عاودا في مُنتصف العام السابق نشاطهما من القاهرة، وحولا «الاتحاد اليمني» – كيان الأحرار الدستوريين الثالث، وبعد سبع سنوات من تأسيسه – من إطار جامد إلى جهاز عامل صحفيًا، وإذاعيًا، وسياسيًا، وطلابيًا، وأعادا إصدار صحيفة «صوت اليمن»، وألقيا خطاباتهم الحماسية عبر أثير إذاعة «صوت العرب».

 

وأراد الإمام أحمد أنْ يُمهد ثانيًا لولده محمد البدر، ليكون وليًا للعهد، وإمامًا من بعده، خاصة وأنَّ شقيقه الحسن كان مُنافسًا قويًا، وله أنصار كُثر، وقد أتقن الابن الدور المرسوم له من والده بعناية فائقة.. قدم نفسه كشاب متحرر، محب للتغيير، وتقرب من الضباط الشباب، وزار الاتحاد السوفيتي، واشترى بـ 3,000,000 دولار سلاحًا، وهذا المبلغ الكبير سبق وحصل عليه والده من قبل السعودية بمُوجب التحالف السابق ذكره.

 

وقد نظم الأخير قصيدة شعرية ردًا على جميل آل سعود تجاهه، نقتطف منها:

ولا آلـو لآلِ سعــــود شُكرًا … جميــعــهـــمُ فـكــلَّهمُ رعــاني

بعطفٍ أو بنصـــحٍ أو بمالٍ … كـــــذاك سلاهم دومًا أتــــاني

فقد كانوا معي دومًا كـرامًا … وكانوا العون إن خطبٌ عناني

ففيصل أو سعود خير جـار … ومــن عبدالعزيز الجود جاني

 

من جهته الزعيم جمال عبدالناصر سارع في إرسال بعثة عسكرية مُكونة من 12 ضابطاً، وذكر عبدالله جزيلان في كتابه «التاريخ السري للثورة اليمنية» أنَّ تلك البعثة أتت بطلب من الأمير البدر، وأنَّ والده الإمام لم يكن راضيًا عن ذلك. كما أرسل الاتحاد السوفيتي بخبراء روس، وكانت مهمة هؤلاء جميعًا تدريب القوات المسلحة اليمنية على الأسلحة الحديثة، وأضاف جزيلان مُتحدثًا عن البدر: «كان البدر يبدو أمام الرأي العام رجلًا يدعو إلى الإصلاح، ولكنه كان في الحقيقة رجعيًا مُمعنًا في رجعيته».

 

جاء بعد ذلك الحدث الأبرز المُتمثل بتأسيس الكلية الحربية في العاصمة صنعاء برئاسة المُناضل الجسور حمود الجائفي، ثم مدرسة الأسلحة، ثم كلية الطيران، وهي التحولات التي مهدت للقوات المسلحة اليمنية أن تخطو خطوات جبارة نحو التطور التحديث، والأهم من ذلك تسلل الأفكار القومية التحررية إلى صفوف طلابها، والذي كان الضابط علي عبدالمغني أحدهم.

 

وحينما بدأت الأمور تتوتر بين الزعيم جمال عبدالناصر والإمام أحمد، وجه الأخير باحتجاز الضباط المصريين في قصر الضيافة، وحرم عليهم الاتصالات، ثم أرسلهم إلى القاهرة، وأفاد وجيه أبو ذكرى في كتابه «الزهور تدفن في اليمن»، أنَّ هؤلاء الضباط هم من كونوا فكرة صائبة عن اليمن، وأنَّ القيادة المصرية استفادت من معلوماتهم في التمهيد للثورة أيما استفادة.

 

من جهته أرجع المُناضل عبدالقادر محمد الخطري بدء تبلور الوعي الوطني في صفوف ضباط الجيش اليمني إلى أوائل العام 1951م، وقسم في كتابه «حقيقة الثورة وأسرارها» مراحل النضال العسكري إلى مرحلتين مُتتابعتين، الأولى استمرت لأربع سنوات، وأسماها بمرحلة الإعداد الثقافي، وفيها بدأ هؤلاء الضباط ومعهم عدد من المدنيين القيام بجلسات تعرفية تعارفية في مدينة صنعاء، وتعز، والحديدة، وإب، تبادلوا خلالها الأفكار التنويرية، وعكفوا على قراءة عدد من الكتب المُهمة.

 

وقال المناضل الخطري في تقديمه لهذه المرحلة: «إن الأرواح الطاهرة، والنفوس الزكية التي أزهقها الطاغية الإمام أحمد بن يحيى حميد الدين ظلمًا وعدوانًا عام 1948م لم تذهب سدًا، فقد أنبتت دماؤها أرواحًا شابة جديدة فياضة بالشعور نحو هذا البلد العظيم الذي مسخه وشوه بماضيه وحاضره الحكم الإمامي الفردي المُتعاقب».

 

أما المرحلة الثانية فقد بدأت كما أفاد المُناضل الخطري من أواخر العام 1954م، وفيها بدأ هؤلاء الضباط وغيرهم يُفكرون جديًا بقيام ثورة شاملة تطوي صفحة الإمامة الكهنوتية وإلى الأبد، ومهما كلفهم ذلك من ثمن. ومن أجل الوصول إلى هذا الهدف احتكوا بالمواطنين، ونشروا الوعي الوطني في صفوفهم، وجمعتهم في العام التالي والأعوام التي تليه لقاءات مع عدد من الأحرار الأوائل المُفرج من سجون حجة المُوحشة، وكانت معظم نقاشاتهم تتركز حول تحقيق ذلك الهدف الثوري النبيل.

 

تعددت خلال تلك الفترة التنظيمات السرية الداعية للقيام بثورة جذرية شاملة، وفي مدينة صنعاء كما في مدينتي تعز والحديدة، كان العمل يمضي على قدمٍ وساق من أجل تحقيق هذا الهدف، لتكلل تلك الجهود بمُحاولة المُناضل سعيد حسن فارع الشهير بـ «إبليس» اغتيال الإمام أحمد في منطقة السخنة، وكذلك تكرار الضباط عبد الله اللقية، ومحمد العلفي، ومحسن الهندوانة لذات المحاولة في مستشفى الحديدة 26 مارس 1961م، صحيح أنَّ العمليتين فشلتا، إلا تأثيراتها هدّت البيت الحاكم، وأشعرته بالرهبة، وقرب النهاية.

 

عمل سري

بعد محاولة اغتيال الإمام أحمد في الحديدة أغلقت السلطات الإمامية الكليات والمدارس العسكرية، وهو الأمر الذي حفز عدداً كبيراً من الضباط ذوي الرتب الصغيرة في الجيش والأمن على إيجاد تنظيم جامع يحتويهم، وبدأوا يفكرون – كما أفاد عبدالله الراعي – بعمل مُنظم بدلًا من العمل الفردي غير المجدي، واجتمعوا لأجل ذلك في منزل المُلازم عبدالله المؤيد 10 ديسمبر 1961م، وقد حضر ذلك الاجتماع – كما جاء في كتاب «وثائق الثورة اليمنية» –  16 ضابطًا، نذكر منهم: الملازم عبدالكريم السكري، والملازم صالح العريض، والملازم صالح الأشول، الملازم أحمد الرحومي، والملازم ناجي علي الأشول، والملازم حسين الغفاري، والملازم شرف الكبسي، والملازم علي الجايفي، والملازم حمود محمد بيدر.

 

اعتمد هؤلاء الضباط على السرية التامة في تحركاتهم، وكان من الصعب أنْ يعرف أي عضو في أي خلية عن أعضاء الخلايا الأخرى، وحددوا في نظمهم الداخلية إباحة دم كل من يفشي منهم سرًا، وأنْ يدفع كل عضو اشتراكاً شهرياً مقداره ريالاً واحداً، ورددوا هذا القسم: «أقسم بالله العظيم وبالإسلام الذي أدين به، وبكل المقدسات الوطنية، أن أكون جنديًا مُخلصًا في جيش العروبة، وأنْ أبذل نفسي وما أملك فداء لقيادتي، ووطني، وأن أكون مُنقادًا لما تصدر إلي من أوامر، منفذًا لها ما دامت أعلم أنها في المصلحة العامة التي جاء من أجلها الدين، وأنْ لا أخون ولا أفشي سرا للمنظمة ولو أدى ذلك إلى استشهادي، والله على ما أقول وكيل».

 

انضم عدد من الضباط إلى ذلك التنظيم تباعًا، وتركز نشاطهم التنظيمي في بداية الأمر – كما أفاد سعيد الجناحي – في المدن الرئيسية الثلاث صنعاء، وتعز، والحديدة، ففي صنعاء كان هناك علي عبدالمغني، وصالح الأشول، وأحمد الرحومي، وحمود بيدر، وناجي علي الأشول. وفي تعز محمد مطهر، وعبدالله عبدالسلام صبرة، ومحمد حاتم الخاوي، وأحمد الكبسي، ويحيى الفقيه، وفي الحديدة علي الجائفي، وعبدالوهاب الشامي، وحسين الغفاري، وعباس المضواحي، وعتيق الحدا، والنقيب محمد الرعيني.

 

ومن ديسمبر 1961م وحتى سبتمبر 1962م تولى قيادة التنظيم ثلاث لجان تشكلت الأولى فور التأسيس من: الرئيس عبداللطيف ضيف الله مدير مدرسة الإشارة، والملازم أحمد الرحومي، والملازم ناجي الأشول، والملازم علي عبدالمغني، والملازم صالح الأشول.

 

وفي فبراير 1962م تشكلت اللجنة القيادية للمرة الثانية من الأعضاء أنفسهم باستثناء ناجي الأشول، فقد صعد بدلًا عنه الملازم حمود بيدر، وأقرت اللجنة أنْ يكون الملازم ناجي الأشول أمينًا للسر، إلى جانب كونه المسؤول المالي.

وفي يونيو من ذات العام انتخبت اللجنة القيادية كلًا من: علي عبدالمغني، والنقيب عبداللطيف ضيف الله، والملازم أحمد الرحومي، والملازم محمد مطهر زيد، والملازم صالح الأشول. يضاف إليهم الملازم ناجي الأشول أمين السر، وهذه القيادة هي أعلى قيادة في تنظيم الضباط الأحرار حتى عشية قيام ثورة 26 سبتمبر.

 

وقد لعب الضابط الشاب علي عبدالمغني دورًا رئيسيًا بارزاً في تأسيس هذا التنظيم وقيادته، والأخير من خريجي مدرسة الأيتام، والكلية الحربية، وكان همزة الوصل وقناة الاتصال بين ذلك التنظيم والقيادة المصرية، كما أنَّه وبشهادة كثيرين كان ذكيًا مُتقدًا، ووطنيًا متحمسًا، واسع الاطلاع، ممتلئًا بالشعور القومي، ذا قدرة جبارة في اجتذاب المُتعاونين.

 

ساعة الصفر

ارتبط تنظيم الضباط الأحرار برموز وطنية في القطاع المدني لتنشيط حركة التعبئة في أوساط فئات المجتمع، وفي تعز كان المُناضل عبدالغني مُطهر رجلهم الأمين في القيام بهذا الدور، وقد تحدث الأخير في كتابه «يوم ولد اليمن مجده» أنَّ الملازم علي عبدالمغني زاره إلى منزله في مدينة تعز إبريل 1962م، وأخبره أنَّ التجمعات الوطنية بما فيهم الضباط الأحرار يريدون حضوره إلى صنعاء للتفاهم معه حول سفره إلى القاهرة، خاصة وأنَّ السلطات المصرية طلبت منهم جميعًا إرسال شخص يكون محل ثقة للتشاور.

 

وبالفعل توجه المناضل عبدالغني مطهر إلى صنعاء، ومنها إلى عدن، ثم إلى القاهرة، والتقى هناك بأنور السادات ونقل له صورة شاملة عن الوضع في اليمن، وخلص مطهر بالقول: «وقد انتهت لقاءاتنا مع المسؤولين في القاهرة بقبولهم التعاون مع الحركة الثورية في اليمن خلال فترة الإعداد للثورة، وحمايتها بعد تفجيرها».

 

وأضاف: «وحين وصلت إلى تعز وجدت في استقبالي الأخ علي عبدالمغني الذي كان قد وصل إليها قبل وصولي بيومين، فسلمته تقريرًا شاملًا بما أسفرت عنه رحلتي إلى القاهرة كي يحمله إلى الإخوة الأحرار في صنعاء، وقد تضمن هذا التقرير فيما تضمنه من موضوعات، وخطط ما تم الاتفاق عليه في القاهرة بشأن الأسلحة التي سوف ترسل إلى صنعاء وتعز بالحقائب، وغيرها من الوسائل».

 

وفي صنعاء كان المناضل عبدالسلام صبرة همزة الوصل بين قيادة التنظيم، والحركة الوطنية المدنية، والأخير تجمعه علاقة مصاهرة مع الملازم صالح الأشول، وسعيد الأشول، وفي منزله كان الاجتماع المُوسع الذي تم به تحديد ساعة الصفر.

 

حسب أدبيات عدد من الأحرار، كان من المُقرر أنْ تكون تعز مُنطلق الثورة الشاملة، وفي 23 يوليو 1962م تحديدًا، إلا أنْ مَرض الإمام أحمد جعل الضباط الأحرار يؤجلون ذلك، وحين تحقق موت الإمام الطاغية 19 سبتمبر 1962م، لفظت تعز جثمانه، وشهدت صنعاء مقر ابنه الأمير محمد البدر وبعد سبعة أيام تفاصيل بداية الثورة، وإعلان الجمهورية.

 

في كتابه «التاريخ العسكري لليمن» استند المُؤرخ سلطان ناجي إلى روايات بعض الكتاب الأجانب، ورجح أنَّه قبل قيام الثورة كانت هناك أربع مجموعات مُختلفة تعمل على الإطاحة الفعلية بالعرش الإمامي، اثنتان منها تخصان قبيلتي حاشد، وبكيل، والأخريتان تخصان الجيش، وتنظيم الضباط الأحرار، وخلص بالقول: إنَّ الأخيرين هم من قاموا بالثورة فعلاً، بقيادة الضابط الشاب علي عبدالمغني.

 

وأضاف ناجي: «إن حدث 26 سبتمبر 1962م لا يقارنه أي حدث آخر في تاريخ اليمن قديمه وحديثه، فقد استطاعت هذه الثورة المجيدة أنْ تُحرر الشعب اليمني من الحكم الفردي الثيوقراطي المُتخلف والمُستبد، كما أنَّ هذه الثورة تعرضت للمؤامرات واعتداءات داخلية وخارجية، وحرب أهلية استمرت لعدة سنوات بين قوى التقدم والتخلف، وذهب ضحيتها مئات الآلاف من اليمنيين وإخوانهم العرب من المصريين الذين أتوا لنجدة الثورة، والجمهورية».

 

وهكذا قامت الثورة 26 سبتمبر 1962م، وتغدى الضباط الأحرار بالإمام الجديد محمد البدر قبل أن يتعشى بهم، وقد انتهى دور تنظيم الضباط الأحرار السري مع قيام الثورة تلك الثورة الخالدة، حيث صار العمل الثوري على المكشوف، وصار الأحرار جميعهم في معركة واحدة، معركة الدفاع عن الجمهورية الوليدة، وضم مجلس قيادة الثورة اثنان من أعضاء تنظيم الضباط الأحرار هما: النقيب عبداللطيف ضيف الله، والملازم علي عبدالمغني، وقد استشهد الأخير بعد أيام معدودة من تحقيق حلمه الكبير.

 

مواضيع متعلقة

اترك رداً