العميد الركن علي محسن الحارثي: ثورة 26 سبتمبر أعادت لليمن هويته

img

ما صنعته الإمامة بنسختها الجديدة ووجهها القبيح أبرز القيمة العظيمة لثورة 26 سبتمبر. يتفانى أبطال الجيش وخلفهم الشعب اليمني في الدفاع عن سبتمبر التاريخ والمجد. لحماية مكتسبات سبتمبر ينبغي إعادة صياغة ثقافة المجتمع وبناء استراتيجية وطنية للتعليم.   تظل مسألة عودة الإمامة مجددا إلى اليمن بعد القضاء عليها في 26 سبتمبر 1962م، سؤالا يشغل الكثير من النخب والمعنيين بل وعامة الشعب اليمني، وهي إشكالية حقيقية بحاجة إلى البحث والتتبع والتدقيق واستخلاص الأسباب والمسببات والحيثيات التي من شأنها أن تسهم في الحصول على رؤية مكتملة وواضحة تضع الإجابات الشافية لهذا السؤال الملح، وتلهم صناع القرار ما يجب عليهم اتخاذه من معالجات وحلول لحماية البلاد من خطورة هذا الوباء الذي أنهكها قرونا وعبث بمقدراتها وشرد سكانها الأصليين ليتسنى له الاستئثار بخيراتها ومقدراتها ومواردها.   ولأهمية تسليط الضوء على هذا الجانب، التقت صحيفة 26 سبتمبر بالعميد الركن علي محسن الحارثي، نائب مدير دائرة التوجيه المعنوي، الذي وضع النقاط على الحروف، وأعطى إجابات لامست عمق المشكلة ودرست جذورها، فإلى تفاصيل الحوار.   التقاه/ أحمد عفيف   *بداية الحديث نود أن تحيطنا بالقيمة العظيمة لثورة سبتمبر، وبأبعادها ودلالاتها؟ في الحديث عن ثورة سبتمبر ، لا يختلف اثنان على أن ثورة السادس والعشرين من سبتمبر هي أعظم ثورة لا نبالغ إن قلنا في الوطن العربي برمته، لا تضاهيها ثورة، ويزداد هذا الشعور عندما ندرك المؤامرة العظيمة التي حصلت ضد هذا الشعب، وعودة الإمامة بجحافلها وبهرجتها وخيلها ورجلها، لتعيد الشعب إلى مئات السنين ، ولذلك يجب أن أقول: إن الدافع لحماية هذه الثورة والقتال من أجلها لم نعد بحاجة إلى تحريض أو تحفيز، ولم نعد بحاجة إلى من يحدثنا عن الثورة، وكما قال الجنرال جياب: "يكفي أن المستعمر هو الذي يدفعنا إلى أن نقاتل " ، فما صنعته الإمامة بنسختها الحديثة ووجهها القبيح يعطينا القيمة العظيمة لثورة 26 سبتمبر، ولو قارنا الثورة الجزائرية بلد المليون شهيد في تاريخها الطويل الممتد قرابة 200 سنة، وكذلك الثورة المصرية الأم التي استلهمت منها ثورة 26 سبتمبر، نجد انه لا يمكن لأي ثورة أن تبلغ مبلغ ثورة 26 سبتمبر، ذلك أن كافة الثورات انتهت باتفاقات أفضت إلى إخراج المستعمر بوجه ما، لكن الثورة اليمنية لا يمكن أن نعبر عنها إلا بلسان من قامت الثورة ضدهم، فلشدة جرح الإماميين وما لحق بهم من غبن لأن البلاد عادت لأصحابها ، يقول لسانهم الناطق باسمهم أحمد محمد الشامي في كتابه دامغة الدوامغ ، هذا الكتاب الذي يرد فيه على دامغة الهمداني وعلى كتابه  الإكليل، تحدث فيه عن الثورة،  وأشار فيه إلى ما حصل في سبتمبر بلغة طغت عليها السادية والأنانية ، وتكلم بغبن على القتلى من أصحابه ونسي من قتلوهم من اليمنيين على مدى 1200 سنة فيقول: وأرثي سادة سيقوا اعتباطا إلى ساح المنايا موثقينا تظل الطير عاكفة عليهم فتنتزع الحواجب والعيونا أبدى فيه حزنا كبيرا على الأسر السلالية، لكنه لم يتحدث عن اليمنيين، بل تطاول أكثر فيقول: بأن من سيأتون بعدهم للحكم في اليمن فهم موالون للاشتراكية وخارجون عن الملة: أبعد محمد وبني علي نبايع بالخلافة كوسجينا بمعنى أن اليمن لن ترى بعدهم أي خير، فقيمة الثورة جعلتهم يتألمون إلى الحد الذي يقول فيه: ولو وجدوا السعادة في ثراه لما انتجعوا الحجاز مهاجرينا ولا ذهبوا العراق لكسب عيش ولا ركبوا إلى مصر السفينا يريد أن يقول: بأن اليمن لا تصلح للعيش لغيرهم فقط أما لهم فنعم، على الرغم من أنهم من تسببوا باغتراب اليمنيين، ولو نزلنا عند قوله هنا يأتي قيمة الأمر، سبتمبر ثورة لا تضاهيها ثورة ضحى الشعب من أجلها، ويكفي قول الفضول: كم شهيد من ثرى قبر يطل ليرى ما قد سقى بالدم غرسه   *النضال الذي تشهده المرحلة الحالية هل هو امتداد لنضال الأجداد؟ أعظم يوم في تاريخ اليمنيين، هو يوم السادس والعشرين من سبتمبر، وما نحن فيه الان من استعادة الشرعية والقتال من أجل سيادة اليمن، هي مرحلة سابقة في التاريخ ونقول كما قال بسمارك: (إن هناك مسائل في التاريخ لا تنفع معها السياسية ولا القرارات وانما ينفع معها الحديد والنار)، لا خيار أمامنا كعسكريين إلا أن نتفانى وخلفنا هذا الشعب العظيم للدفاع عن سبتمبر الثورة والتاريخ والمجد.   *ما الذي جعل الإمامة تعود مجددا بعد القضاء عليها في ثورة سبتمبر؟ معضلة اليمن التي وصلت إليها الان تكمن في مشكلة الهوية، في أغلب شعوب العالم ذابت كل الإثنيات والعرقيات وسائر التعقيدات المرتبطة بها وأضحوا معتزين بهوية واحدة، وهي هوية الوطن والانتماء، وكما هو معروف فإن الهوية تتحدث عن الفرد والمجتمع والوطن والدين والأعراق عن الأشياء التي تميز كائناً معيناً عن البقية تجعله يعتز بها أو تكون له صفة معينة، ومن أوجه القصور لدينا أننا لم نعط الهوية قيمتها ، وطالما نحن نتحدث عن سبتمبر الذي أعاد لليمن هويته، فما حصل من غبن لهذه الثورة بسبب القصور في بناء هذه الهوية، ولذلك عندما ضعف الانتماء لها أصبح الناس يبحثون عن شيء يعتزون فيه ، فمنذ عقدين تقريبا ، اندفع الناس يبحثون عن الذات وعن جوانب القصور لديهم، فمن ذاهب إلى مكونات مجتمعية ومن ذاهب إلى جماعة مسلحة ومن ذاهب إلى مشاريع أخرى ، فدور الدولة الإعلاء من شأن هذه الهوية في نفوس اليمنيين، فقد جاء يوم ما والدولة تبحث عن من يدافع عنها ولم تجد، فبدل أن تضع الدولة هويتها في كل مكان أتت الهويات الأخرى من الجماعات المسلحة والأطر المجتمعية لتطغى  على الدولة.   *ما هو نوع القصور الذي تسبب بغياب الهوية؟ إن التناقضات في اليمن تشير إلى وجود أزمة هوية متأصلة داخل المجتمع اليمني كان من أبرز أبعادها في فترة الإمامة أن الهوية تميل إلى الاستعباد والاستبداد والاستبعاد ولا تقبل التنوع مطلقا، وبعدها انحصر دور الدولة  في الوظيفة الرمزية نتيجة عجزها عن القيام بدورها التنموي الذي يلزم منه أن يكون قادرا إلى تحويل الدولة إلى عنوان، ونتج عن ذلك مرور شريحة الشباب اليمني في أزمات متعددة كانت أحد أسبابها مرتبط بطبيعة مرحلة الشباب، وأخرى مرتبطة بطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبالعوامل الخارجية التي يأتي في مقدمتها سيطرة العولمة والقوى الكبرى على كل الشعوب، فحالت على ما نريد وطغت على ما تريده الدولة، وأسهم هذا تحديدا في تعقيد الأزمة اليمنية بسبب عدم الإعداد الجيد لمواجهة هذه التحولات، بالإضافة إلى البطالة التي أفقدت الشباب الفاعلية والأمل، فتخطفتهم الأهواء والسبل فضلا عن الجوانب العقائدية والدينية التي غرست لديهم على غير أساس من الوسطية والاعتدال والتعايش وحب الوطن مما أدى إلى أن تقاذفتهم الجماعات والاتجاهات الفكرية حسب الميولات، لأنه لم يكن هناك حاضن من هوية وتطلعات الدول الإقليمية بفضل أدوات وخبرات جاهزة تقودها أيادي ليست غائبة عن المشهد، فغياب الدولة الوطنية وغياب التوعية بأهمية الانتماء للدولة الوطنية وإعلاء شأن القانون وسيادته جعل كثيراً من الشباب والنخب يستحضر التاريخ ويبحث عن هوية أي كانت ، ومن هنا اتسعت رقعة الصراع بكافة تصنيفاته في حين أن النخب والقيادات كانت تغرد بعيدا لا تدرك مآلات هذا التيه بقدر ما يعنيها مصالحها المحدودة، ويمكن تسمية ذلك بصراع مراكز النفوذ التي غلبت على مسألة الهوية.   *أوضح لنا بشكل أكثر تفصيلا عن مظاهر غياب الهوية والأسباب الكامنة وراء ذلك؟ كل بيت في اليمن حتى الخاضعين لسيطرة المليشيا هم جمهوريون، ويجب أن نقسم البلد إلى شقين من كان ضد الدولة والجمهورية و26 سبتمبر يجب أن نسميهم الإمامية، ولا نريد أن نكرر الخطأ الذي وقعت فيه النخب بعد الثورة، فقد جعلوا الثورة محصورة ضد آل حميد الدين فقط، ويجب أن نقول الآن: إن الثورة ضد الإمامة بكل أطيافها، سواء من كان يعتنق مذهب الهادوية الفكر الذي فرخ هذه الجماعات أو الذين يقفون في صفهم، وما يحدث الآن هو ثورة مجددة ل26 سبتمبر ودفاع عن الجمهورية واستعادة الدولة.. وهناك ثلاثة مراكز نفوذ ورابعها المعضلة الجغرافية، فقد كانت الجغرافيا تميل عادة إلى مراكز النفوذ، بسبب التعقيدات والتضاريس التي حالت دون وصول الدولة إلى هذه المواقع قبل أن تظهر وسائل الاتصال، ولهذا كانت اليمن عبر التاريخ مقصدا لدعاة الضلال بدءا من دعوات القرامطة وغيرهم، فالمعضلة الجغرافية شكلت يوما ما حاجزا فساعدت مراكز النفوذ لكن ظلت هذه المراكز موجودة إلى الآن ومازالت تتصارع، ومراكز النفوذ ثلاثة هي:
  • أصحاب الحق الإلهي: ويتمثل هذا الجانب في أدعياء الإمامة ويشكل المذهب الهادوي، ومن المعروف أن لكل كيان ثلاث ركائز أساسية هي المنهج ( المبدأ العقائدي) والقيادة والأتباع، ولما أتت ثورة سبتمبر قضت على القيادة وبقي الأتباع والفكر ففرخت الإمامة من جديد لأن الاتباع والفكر موجودان، ولذلك يجب أن ينظر إلى هذا الفكر الذي يمنح الآخر الحق الإلهي إما أن يجرم أو يلغي أو ينص في الدستور بأنه من استغل مذهبا أو جماعة أو عرقا لعنصرية يتم تجريم هذا الفعل ، وإلا فستظل هذه الطائفة تنتج نفسها مرات ومرات، فالصراع والمواجهة اليمنية مع الإمامة منذ أن ظهرت على يد الرسي عام 284هـ بلغت 85 معركة، فهل ستكون هذه المعركة هي الأخيرة أو أنها ستفرخ مجددا.
 
  • أصحاب الحق التاريخي وهم من يتشكلون في أطر مجتمعية وكيانات موازية للدولة.
 
  • أصحاب الحق السياسي، ويتمثلون في الأشخاص والأسر التي تظل عبئا على كاهل الدولة من خلال مطالبتها بامتيازات تخصها عن سائر الشعب.
  *كيف نغرس قيم ثورة سبتمبر في ذاكرة الأجيال؟ وما الحلول لمشكلة فقدان الهوية؟ الثعالبي زار اليمن في العام 1924 بعد ست سنوات من خروج الأتراك، وأثناء عودته من صنعاء نزل عند شيخ بين ماوية والسياني، فقال في كتاب (الرحلة اليمنية): ( كان اليمنيون عادة يجتمعون في الليل للسمر، وما أدهشني أني جلست مع هذا الشيخ فجاءت إليه بناته ونساء القرية من بينهن عشرينية وكان عندها فصاحة، فقالت: ياشيخ! متى سيعود الأتراك؟ فقلت لها: وما تفعلين بالأتراك؟ فقد انتهت دولة الخلافة، والآن هو دور اليمنيين لبناء دولتهم، فقالت عن جهل: نريد الأتراك فهؤلاء الإماميون الذين يحكموننا قضوا على كل ما بناه الأتراك من بيوت وقصور وطرقات، ويسوموننا سوء العذاب، أخذوا رجالنا رهائن، ومنعونا من الزراعة لم نعد نحصل مما نزرعه، على الشيء الذي يكفينا، وكل ما ننتجه يذهب إليهم، من يعتقنا من هؤلاء الناس؟! تتحدث بفطرتها عن ست سنوات من قبح الإمامة حينها. وهنا نقول: ما الذي نريد أن نعلمه للأجيال؟ كيف نحمي مجتمعنا من الأفكار الهدامة والوافدة ونعرفهم بالتاريخ الأسود لهذه الطائفة التي مزقت النسيج الاجتماعي؟ لا بد أن نعيد صياغة المجتمع في عاداته وتقاليده، وصلت الإمامة إلى ما نسميه التفتيت المذهبي حتى أعماق الذات حتى أصبحت الأهازيج التي نرددها والأمثال التي نضربها واحتفالاتنا وأقوالنا العامة فيها نوع من الإيحاءات لدعم الإمامة، العقل الباطن في اليمن فيه مخزون كبير من فكر الإمامة. المخرج لوعي الأجيال يتمثل في إعداد وثيقة تسمى الخطة الاستراتيجية للتعليم العام والجامعي في اليمن يتحدد فيها المعالم الرئيسية لما يجب أن يصاغ عليه مناهج التعليم، ويعزز من العقيدة الصحيحة البعيدة عن الغلو والتطرف ويشجع على الوسطية والاعتدال التي تشجع على قبول الآخر ولا تقصر في أصول الدين وتعمل على إدماج المجتمع وتعزيز الأخلاق، وتعلي من قيمة الهوية الوطنية والانتماء وتذويب مراكز النفوذ التي لها سطوة ضد الدولة ، وكل من يريد أن ينشئ جامعة أو مدرسة خاصة أو أي هيئة تعليمية يجب أن يلتزم بمحددات وموجهات الاستراتيجية وتوضع لها ضوابط وقيود يصوت عليها في مجلس النواب وتقر، بحيث لا يمكن تعديلها إلا بتصويت الأغلبية، فيأتي من يأتي لا تتبدل، ويجب إعادة النظر في المرجعيات التشريعية المتعلقة بالتعليم.  

ما صنعته الإمامة بنسختها الجديدة ووجهها القبيح أبرز القيمة العظيمة لثورة 26 سبتمبر.

يتفانى أبطال الجيش وخلفهم الشعب اليمني في الدفاع عن سبتمبر التاريخ والمجد.

لحماية مكتسبات سبتمبر ينبغي إعادة صياغة ثقافة المجتمع وبناء استراتيجية وطنية للتعليم.

 

تظل مسألة عودة الإمامة مجددا إلى اليمن بعد القضاء عليها في 26 سبتمبر 1962م، سؤالا يشغل الكثير من النخب والمعنيين بل وعامة الشعب اليمني، وهي إشكالية حقيقية بحاجة إلى البحث والتتبع والتدقيق واستخلاص الأسباب والمسببات والحيثيات التي من شأنها أن تسهم في الحصول على رؤية مكتملة وواضحة تضع الإجابات الشافية لهذا السؤال الملح، وتلهم صناع القرار ما يجب عليهم اتخاذه من معالجات وحلول لحماية البلاد من خطورة هذا الوباء الذي أنهكها قرونا وعبث بمقدراتها وشرد سكانها الأصليين ليتسنى له الاستئثار بخيراتها ومقدراتها ومواردها.

 

ولأهمية تسليط الضوء على هذا الجانب، التقت صحيفة 26 سبتمبر بالعميد الركن علي محسن الحارثي، نائب مدير دائرة التوجيه المعنوي، الذي وضع النقاط على الحروف، وأعطى إجابات لامست عمق المشكلة ودرست جذورها، فإلى تفاصيل الحوار.

 

التقاه/ أحمد عفيف

 

*بداية الحديث نود أن تحيطنا بالقيمة العظيمة لثورة سبتمبر، وبأبعادها ودلالاتها؟

في الحديث عن ثورة سبتمبر ، لا يختلف اثنان على أن ثورة السادس والعشرين من سبتمبر هي أعظم ثورة لا نبالغ إن قلنا في الوطن العربي برمته، لا تضاهيها ثورة، ويزداد هذا الشعور عندما ندرك المؤامرة العظيمة التي حصلت ضد هذا الشعب، وعودة الإمامة بجحافلها وبهرجتها وخيلها ورجلها، لتعيد الشعب إلى مئات السنين ، ولذلك يجب أن أقول: إن الدافع لحماية هذه الثورة والقتال من أجلها لم نعد بحاجة إلى تحريض أو تحفيز، ولم نعد بحاجة إلى من يحدثنا عن الثورة، وكما قال الجنرال جياب: “يكفي أن المستعمر هو الذي يدفعنا إلى أن نقاتل ” ، فما صنعته الإمامة بنسختها الحديثة ووجهها القبيح يعطينا القيمة العظيمة لثورة 26 سبتمبر، ولو قارنا الثورة الجزائرية بلد المليون شهيد في تاريخها الطويل الممتد قرابة 200 سنة، وكذلك الثورة المصرية الأم التي استلهمت منها ثورة 26 سبتمبر، نجد انه لا يمكن لأي ثورة أن تبلغ مبلغ ثورة 26 سبتمبر، ذلك أن كافة الثورات انتهت باتفاقات أفضت إلى إخراج المستعمر بوجه ما، لكن الثورة اليمنية لا يمكن أن نعبر عنها إلا بلسان من قامت الثورة ضدهم، فلشدة جرح الإماميين وما لحق بهم من غبن لأن البلاد عادت لأصحابها ، يقول لسانهم الناطق باسمهم أحمد محمد الشامي في كتابه دامغة الدوامغ ، هذا الكتاب الذي يرد فيه على دامغة الهمداني وعلى كتابه  الإكليل، تحدث فيه عن الثورة،  وأشار فيه إلى ما حصل في سبتمبر بلغة طغت عليها السادية والأنانية ، وتكلم بغبن على القتلى من أصحابه ونسي من قتلوهم من اليمنيين على مدى 1200 سنة فيقول:

وأرثي سادة سيقوا اعتباطا

إلى ساح المنايا موثقينا

تظل الطير عاكفة عليهم

فتنتزع الحواجب والعيونا

أبدى فيه حزنا كبيرا على الأسر السلالية، لكنه لم يتحدث عن اليمنيين، بل تطاول أكثر فيقول: بأن من سيأتون بعدهم للحكم في اليمن فهم موالون للاشتراكية وخارجون عن الملة:

أبعد محمد وبني علي

نبايع بالخلافة كوسجينا

بمعنى أن اليمن لن ترى بعدهم أي خير، فقيمة الثورة جعلتهم يتألمون إلى الحد الذي يقول فيه:

ولو وجدوا السعادة في ثراه

لما انتجعوا الحجاز مهاجرينا

ولا ذهبوا العراق لكسب عيش

ولا ركبوا إلى مصر السفينا

يريد أن يقول: بأن اليمن لا تصلح للعيش لغيرهم فقط أما لهم فنعم، على الرغم من أنهم من تسببوا باغتراب اليمنيين، ولو نزلنا عند قوله هنا يأتي قيمة الأمر، سبتمبر ثورة لا تضاهيها ثورة ضحى الشعب من أجلها، ويكفي قول الفضول:

كم شهيد من ثرى قبر يطل

ليرى ما قد سقى بالدم غرسه

 

*النضال الذي تشهده المرحلة الحالية هل هو امتداد لنضال الأجداد؟

أعظم يوم في تاريخ اليمنيين، هو يوم السادس والعشرين من سبتمبر، وما نحن فيه الان من استعادة الشرعية والقتال من أجل سيادة اليمن، هي مرحلة سابقة في التاريخ ونقول كما قال بسمارك: (إن هناك مسائل في التاريخ لا تنفع معها السياسية ولا القرارات وانما ينفع معها الحديد والنار)، لا خيار أمامنا كعسكريين إلا أن نتفانى وخلفنا هذا الشعب العظيم للدفاع عن سبتمبر الثورة والتاريخ والمجد.

 

*ما الذي جعل الإمامة تعود مجددا بعد القضاء عليها في ثورة سبتمبر؟

معضلة اليمن التي وصلت إليها الان تكمن في مشكلة الهوية، في أغلب شعوب العالم ذابت كل الإثنيات والعرقيات وسائر التعقيدات المرتبطة بها وأضحوا معتزين بهوية واحدة، وهي هوية الوطن والانتماء، وكما هو معروف فإن الهوية تتحدث عن الفرد والمجتمع والوطن والدين والأعراق عن الأشياء التي تميز كائناً معيناً عن البقية تجعله يعتز بها أو تكون له صفة معينة، ومن أوجه القصور لدينا أننا لم نعط الهوية قيمتها ، وطالما نحن نتحدث عن سبتمبر الذي أعاد لليمن هويته، فما حصل من غبن لهذه الثورة بسبب القصور في بناء هذه الهوية، ولذلك عندما ضعف الانتماء لها أصبح الناس يبحثون عن شيء يعتزون فيه ، فمنذ عقدين تقريبا ، اندفع الناس يبحثون عن الذات وعن جوانب القصور لديهم، فمن ذاهب إلى مكونات مجتمعية ومن ذاهب إلى جماعة مسلحة ومن ذاهب إلى مشاريع أخرى ، فدور الدولة الإعلاء من شأن هذه الهوية في نفوس اليمنيين، فقد جاء يوم ما والدولة تبحث عن من يدافع عنها ولم تجد، فبدل أن تضع الدولة هويتها في كل مكان أتت الهويات الأخرى من الجماعات المسلحة والأطر المجتمعية لتطغى  على الدولة.

 

*ما هو نوع القصور الذي تسبب بغياب الهوية؟

إن التناقضات في اليمن تشير إلى وجود أزمة هوية متأصلة داخل المجتمع اليمني كان من أبرز أبعادها في فترة الإمامة أن الهوية تميل إلى الاستعباد والاستبداد والاستبعاد ولا تقبل التنوع مطلقا، وبعدها انحصر دور الدولة  في الوظيفة الرمزية نتيجة عجزها عن القيام بدورها التنموي الذي يلزم منه أن يكون قادرا إلى تحويل الدولة إلى عنوان، ونتج عن ذلك مرور شريحة الشباب اليمني في أزمات متعددة كانت أحد أسبابها مرتبط بطبيعة مرحلة الشباب، وأخرى مرتبطة بطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبالعوامل الخارجية التي يأتي في مقدمتها سيطرة العولمة والقوى الكبرى على كل الشعوب، فحالت على ما نريد وطغت على ما تريده الدولة، وأسهم هذا تحديدا في تعقيد الأزمة اليمنية بسبب عدم الإعداد الجيد لمواجهة هذه التحولات، بالإضافة إلى البطالة التي أفقدت الشباب الفاعلية والأمل، فتخطفتهم الأهواء والسبل فضلا عن الجوانب العقائدية والدينية التي غرست لديهم على غير أساس من الوسطية والاعتدال والتعايش وحب الوطن مما أدى إلى أن تقاذفتهم الجماعات والاتجاهات الفكرية حسب الميولات، لأنه لم يكن هناك حاضن من هوية وتطلعات الدول الإقليمية بفضل أدوات وخبرات جاهزة تقودها أيادي ليست غائبة عن المشهد، فغياب الدولة الوطنية وغياب التوعية بأهمية الانتماء للدولة الوطنية وإعلاء شأن القانون وسيادته جعل كثيراً من الشباب والنخب يستحضر التاريخ ويبحث عن هوية أي كانت ، ومن هنا اتسعت رقعة الصراع بكافة تصنيفاته في حين أن النخب والقيادات كانت تغرد بعيدا لا تدرك مآلات هذا التيه بقدر ما يعنيها مصالحها المحدودة، ويمكن تسمية ذلك بصراع مراكز النفوذ التي غلبت على مسألة الهوية.

 

*أوضح لنا بشكل أكثر تفصيلا عن مظاهر غياب الهوية والأسباب الكامنة وراء ذلك؟

كل بيت في اليمن حتى الخاضعين لسيطرة المليشيا هم جمهوريون، ويجب أن نقسم البلد إلى شقين من كان ضد الدولة والجمهورية و26 سبتمبر يجب أن نسميهم الإمامية، ولا نريد أن نكرر الخطأ الذي وقعت فيه النخب بعد الثورة، فقد جعلوا الثورة محصورة ضد آل حميد الدين فقط، ويجب أن نقول الآن: إن الثورة ضد الإمامة بكل أطيافها، سواء من كان يعتنق مذهب الهادوية الفكر الذي فرخ هذه الجماعات أو الذين يقفون في صفهم، وما يحدث الآن هو ثورة مجددة ل26 سبتمبر ودفاع عن الجمهورية واستعادة الدولة.. وهناك ثلاثة مراكز نفوذ ورابعها المعضلة الجغرافية، فقد كانت الجغرافيا تميل عادة إلى مراكز النفوذ، بسبب التعقيدات والتضاريس التي حالت دون وصول الدولة إلى هذه المواقع قبل أن تظهر وسائل الاتصال، ولهذا كانت اليمن عبر التاريخ مقصدا لدعاة الضلال بدءا من دعوات القرامطة وغيرهم، فالمعضلة الجغرافية شكلت يوما ما حاجزا فساعدت مراكز النفوذ لكن ظلت هذه المراكز موجودة إلى الآن ومازالت تتصارع، ومراكز النفوذ ثلاثة هي:

  • أصحاب الحق الإلهي: ويتمثل هذا الجانب في أدعياء الإمامة ويشكل المذهب الهادوي، ومن المعروف أن لكل كيان ثلاث ركائز أساسية هي المنهج ( المبدأ العقائدي) والقيادة والأتباع، ولما أتت ثورة سبتمبر قضت على القيادة وبقي الأتباع والفكر ففرخت الإمامة من جديد لأن الاتباع والفكر موجودان، ولذلك يجب أن ينظر إلى هذا الفكر الذي يمنح الآخر الحق الإلهي إما أن يجرم أو يلغي أو ينص في الدستور بأنه من استغل مذهبا أو جماعة أو عرقا لعنصرية يتم تجريم هذا الفعل ، وإلا فستظل هذه الطائفة تنتج نفسها مرات ومرات، فالصراع والمواجهة اليمنية مع الإمامة منذ أن ظهرت على يد الرسي عام 284هـ بلغت 85 معركة، فهل ستكون هذه المعركة هي الأخيرة أو أنها ستفرخ مجددا.

 

  • أصحاب الحق التاريخي وهم من يتشكلون في أطر مجتمعية وكيانات موازية للدولة.

 

  • أصحاب الحق السياسي، ويتمثلون في الأشخاص والأسر التي تظل عبئا على كاهل الدولة من خلال مطالبتها بامتيازات تخصها عن سائر الشعب.

 

*كيف نغرس قيم ثورة سبتمبر في ذاكرة الأجيال؟ وما الحلول لمشكلة فقدان الهوية؟

الثعالبي زار اليمن في العام 1924 بعد ست سنوات من خروج الأتراك، وأثناء عودته من صنعاء نزل عند شيخ بين ماوية والسياني، فقال في كتاب (الرحلة اليمنية): ( كان اليمنيون عادة يجتمعون في الليل للسمر، وما أدهشني أني جلست مع هذا الشيخ فجاءت إليه بناته ونساء القرية من بينهن عشرينية وكان عندها فصاحة، فقالت: ياشيخ! متى سيعود الأتراك؟ فقلت لها: وما تفعلين بالأتراك؟ فقد انتهت دولة الخلافة، والآن هو دور اليمنيين لبناء دولتهم، فقالت عن جهل: نريد الأتراك فهؤلاء الإماميون الذين يحكموننا قضوا على كل ما بناه الأتراك من بيوت وقصور وطرقات، ويسوموننا سوء العذاب، أخذوا رجالنا رهائن، ومنعونا من الزراعة لم نعد نحصل مما نزرعه، على الشيء الذي يكفينا، وكل ما ننتجه يذهب إليهم، من يعتقنا من هؤلاء الناس؟! تتحدث بفطرتها عن ست سنوات من قبح الإمامة حينها.

وهنا نقول: ما الذي نريد أن نعلمه للأجيال؟ كيف نحمي مجتمعنا من الأفكار الهدامة والوافدة ونعرفهم بالتاريخ الأسود لهذه الطائفة التي مزقت النسيج الاجتماعي؟ لا بد أن نعيد صياغة المجتمع في عاداته وتقاليده، وصلت الإمامة إلى ما نسميه التفتيت المذهبي حتى أعماق الذات حتى أصبحت الأهازيج التي نرددها والأمثال التي نضربها واحتفالاتنا وأقوالنا العامة فيها نوع من الإيحاءات لدعم الإمامة، العقل الباطن في اليمن فيه مخزون كبير من فكر الإمامة.

المخرج لوعي الأجيال يتمثل في إعداد وثيقة تسمى الخطة الاستراتيجية للتعليم العام والجامعي في اليمن يتحدد فيها المعالم الرئيسية لما يجب أن يصاغ عليه مناهج التعليم، ويعزز من العقيدة الصحيحة البعيدة عن الغلو والتطرف ويشجع على الوسطية والاعتدال التي تشجع على قبول الآخر ولا تقصر في أصول الدين وتعمل على إدماج المجتمع وتعزيز الأخلاق، وتعلي من قيمة الهوية الوطنية والانتماء وتذويب مراكز النفوذ التي لها سطوة ضد الدولة ، وكل من يريد أن ينشئ جامعة أو مدرسة خاصة أو أي هيئة تعليمية يجب أن يلتزم بمحددات وموجهات الاستراتيجية وتوضع لها ضوابط وقيود يصوت عليها في مجلس النواب وتقر، بحيث لا يمكن تعديلها إلا بتصويت الأغلبية، فيأتي من يأتي لا تتبدل، ويجب إعادة النظر في المرجعيات التشريعية المتعلقة بالتعليم.

 

مواضيع متعلقة

اترك رداً