سقطرى.. معركة اليمنيين في مواجهة الأطماع

سبتمبر نت/ أمين الجرادي
ظلت جزيرة سقطرى اليمنية على مدى العقود التاريخية المتعاقبة محل أطماع القوى المهيمنة على العالم؛ فقد احتلتها البرتغال عام 1507م، وبريطانيا عام 1893م، وروسيا من خلال حضور الاتحاد السوفييتي في جنوب اليمن في النصف الثاني من القرن العشرين.
وتصنف جزيرة سقطرى اليمنية بين أهم أربع جزر في العالم من ناحية التنوع الحيوي النباتي، كما تعتبر موطناً لآلاف النباتات والحيوانات والطيور، منها 13 نوعاً لا يوجد في أي مكان آخر في العالم، كما تشير دراسة لمنظمة حماية الطيور الدولية.
تعد جزيرة سقطرى تراثاً إنسانياً عالمياً، محمي من اليونسكو، كما تحتل موقعاً استراتيجياً تلخصه مقولة مشهورة: «من يسيطر على سقطرى يتحكم عسكرياً وتجارياً بمفاتيح البحار السبعة الرئيسة في العالم»؛ لأنها تمثل نقطة التقاء بين المحيط الهندي وبحر العرب.
ويمكن لأي دولة تمتلك قاعدة عسكرية في سقطرى أن تصبح المسيطرة على طريق مضيقي هرمز وباب المندب، الذي بدوره يؤثر في الملاحة في قناة السويس ومضيق ملقا، الذي يفصل بين إندونيسيا وماليزيا.
ونتيجة لهذه الأهمية الاستراتيجية الكبيرة لسقطرى اليمنية، ظلت عين الإمارات تتجه صوب الجزيرة، ووجدت نفسها أمام فرصة نادرة في ظل استمرار النزاعات في اليمن، وحرب الحكومة الشرعية ضد التمرد الحوثي في صنعاء، لتفوز بالجزيرة تحت لافتة إعادة إعمار سقطرى، في مطلع عام 2016.
الحكومة في مواجهة الإمارات
شكلت سقطرى محطة بارزة في الأزمة بين الحكومة اليمنية والإمارات، مع الإصرار الذي تبديه الأخيرة لفرض نفوذها في الجزيرة، على الرغم مما تواجهه من رفض محلي وموقف حكومي يعتبر أنشطتها في الجزيرة تعدياً على السيادة اليمنية، وتهديداً لأمن واستقرار الجزيرة المدرجة على قائمة التراث العالمي..
وضمن مسلسل طويل من محاولات بسط نفوذها، عمدت الإمارات في الشهور الأخيرة إلى القيام بتحركات ميدانية للتصعيد في جزيرة أرخبيل سقطرى.
واستهدفت التحركات الإماراتية ضد السلطة المحلية في الجزيرة، تحريك مليشيات الانتقالي المدعومة من أبوظبي للانتشار في الشوارع، وإقامة اعتصام أمام بوابة مقر السلطة المحلية في المحافظة، للمطالبة بالإطاحة بالمحافظ..
وجاء التصعيد بعد أيام من قرار اتخذه محافظ سقطرى للحدّ من التحركات الإماراتية المعادية في الجزيرة، وينص هذا القرار على وجوب حصول الزائرين الأجانب للجزيرة على تأشيرة «فيزا» للوصول إليها، وعلى أثر القرار، منعت قوات الجيش والأمن اليمنية في الجزيرة طائرة إماراتية من إنزال ركابها بسبب عدم اتباعها الإجراءات القانونية لدخول الجزيرة، الأكبر في اليمن.
موقع استراتيجي
يوضح التوغل الإماراتي في جزيرة سقطرى طموحاتها الإقليمية للسيطرة على خليج عدن لضمان جني ثمار التدفق الحر للتجارة عبر الخليج، وقد شهد احتلال الجزيرة الذي دام زمناً قصيراً الإستيلاء على منشآت مهمة بما في ذلك المطارات والموانئ والمباني الحكومية، مما أغضب الحكومة الشرعية .
بالنسبة للإمارات العربية المتحدة؛ فإن موقع سقطرى الاستراتيجي في خليج عدن لا يوفر لها فقط قاعدة عسكرية مثالية للقيام بمهام أخرى ، بل يمكّن الإمارات أيضاً من وضع نفسها من خلال الإستثمار في موانئ الجزيرة لضمان الاستفادة من التدفق الحر للتجارة عبر خليج عدن، على الرغم من أن الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية قد اتفقتا على إنهاء الاحتلال الإماراتي من خلال إعادة المنشآت المضبوطة إلى الحكومة اليمنية وسحب القوات من الجزيرة، إلا أن الغزو العسكري لجزيرة سقطرى يوضح قدرة واستعداد الإمارات العربية المتحدة لمواصلة وحماية استراتيجيتها الجغرافية ومصالحها في خليج عدن.
الإمارات وحرب اليمن
ترى دولة الإمارات الحرب في جنوب اليمن منفصلاً عن الحرب الدائر في الشمال بين المتمردين الحوثيين والحكومة الشرعية، في نفس الوقت فإن أبو ظبي لا تعتبر الحوثيين تهديداً وجودياً لسيادتها كما تعتقد السعودية، ومع احتدام الحرب، والمضي قدماً من أجل إنهاء الانقلاب في صنعاء، اكتسبت الإمارات العربية المتحدة اليد العليا من خلال ممارسة سياساتها الخاصة في الجنوب، بما يضمن أهدافها ومصالحها.
تستثمر أبو ظبي الحرب في اليمن لتأمين وصولها إلى البحر الأحمر وخليج عدن في جنوب البلاد، وتتبنى أبو ظبي مقاربة طويلة المدى من القاعدة إلى القمة من خلال الإستثمار في السياسة الإجتماعية والتنمية الاقتصادية للمحافظات الجنوبية.
شرقاً من جغرافية اليمن، أقامت دولة الإمارات العربية المتحدة قواعد عسكرية في المنطقة الوسطى من حضرموت، وفي وقت سابق من هذا العام، سيطرت على مدينة عدن الساحلية، عبر مليشياتها في المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات، سقوط عدن في يد مليشيا المجلس الانتقالي المدعومة إماراتياً يسمح لشركات الإمارات التجارية مثل موانئ دبي العالمية بالإستثمار في البنية التحتية للتجارة البحرية، واستعادة عمليات ميناء عدن، مع ذلك، تظل المصالح الإماراتية في اليمن في صراع مباشر مع أهداف المملكة العربية السعودية، التي تدعم علانية الحكومة الشرعية والجيش الوطني اليمني خلال المعارك التي دارت بين مليشيا المجلس الانتقالي وقوات الجيش الوطني في عدن.
فرض السيطرة على باب المندب وخليج عدن
يرى محللون أن فرض السيطرة على مدينة عدن والجزء الجنوبي من اليمن من خلال المليشيا التي تدعمها الإمارات والإستثمار الإماراتي هو جزء من استراتيجية أبو ظبي للسيطرة على باب المندب، وهو مضيق ضيق يفصل البحر الأحمر عن خليج عدن، كما يعتبر هذا المضيق طريقاً بحرياً حاسماً يستخدم لنقل البضائع بين أوروبا وشرق إفريقيا وآسيا، ولتعزيز هذا الهدف الجيواستراتيجي، قامت دولة الإمارات العربية المتحدة ببناء مهبط للطائرات في بيريم، وهي جزيرة بركانية تقع في وسط المضيق.
مع وجود ما يقرب من 20 ميلاً فقط بين رأس المنهيلي في اليمن ورأس سيان في جيبوتي، سعت الإمارات أيضاً إلى توسيع سيطرتها على المضيق من خلال مصالحها العسكرية والاقتصادية في القرن الأفريقي، كما تسيطر الإمارات على قاعدة أساب البحرية/ الجوية في إريتريا، والتي تُستخدم لتنفيذ عمليات عسكرية في اليمن، إضافة إلى سيطرة الإمارات سابقاً على ميناء دورالي في جيبوتي -استولت عليه حكومة جيبوتي في فبراير 2018م- والذي أصبح الآن مصدر توتر بين الإمارات وجيبوتي.
حالياً تقوم أبو ظبي بإنشاء وبناء قاعدة عسكرية في مدينة بربرة الساحلية في ولاية أرض الصومال المعلنة، دون موافقة الحكومة المركزية في مقديشو، أما في منطقة بونتلاند الصومالية، فتقوم دولة الإمارات العربية المتحدة بتدريب الشرطة البحرية، بالإضافة إلى الاستثمار في ميناء بوساسو.
الإمارات ودم الأخوين
تُظهر الصور ومقاطع الفيديو المتداولة على مواقع التواصل الإجتماعي، والتي يتم عرضها في أبو ظبي، الإمارات العربية المتحدة، أشجار (دم الأخوين) المهددة بالانقراض، والتي موطنها الوحيد فقط جزيرة سقطرى اليمنية، وتُعتبر الأشجار المعروفة محلياً باسم «دم الأخوين» واحدة من أهم سمات جزيرة أرخبيل سقطرى.
وتؤكد التقارير السابقة من أن السكان المحليين للجزيرة ينظرون إلى التواجد الإماراتي كقوة محتلة، ربما لأن دولة الإمارات كانت تسرق شجرة اليونسكو المحمية. تقارير أخرى أيضاً من العام الماضي أفادت عن أن أحجار الشعاب المرجانية والطيور النادرة نُهبت من الجزيرة، بعد أن بدأت القوات الإماراتية في الوصول إلى الجزيرة في أبريل 2018م دون تنسيق مسبق مع الحكومة اليمنية.
تُعرف الأشجار الأيقونية بنباتها الحمراء، والمعروفة محلياً باسم «إمزوله»، والتي لديها مجموعة واسعة من الإستخدامات الطبية، يشار إليه من قبل القدماء باسم «سينابار» تم تداوله منذ ما قبل 60م.
يظهر مقطع فيديو منتشر على نطاق واسع رجلاً إماراتياً يظهر إحدى هذه الأشجار عند مدخل منزله للزينة -يمكن سماعه- يؤكد أنها من سقطرى.
أرخبيل سلام
تقع أرخبيل سقطرى على بعد 220 ميلًا من البر الرئيسي لليمن، ولهذا السبب فإن حرب الحكومة الشرعية لإنهاء الانقلاب الحوثي المستمرة منذ خمس سنوات لم تصل إليها، وعلى الدوام ظلت الجزيرة آمنة بعيداً عن أي حرب أو إرهاب أو نزاعات.
رغم ذلك، تسعى دولة الإمارات العربية المتحدة في الحصول على نفوذ أكبر في سقطرى، خصوصاً بعد شروعها ببناء قاعدة عسكرية هناك، وتركيب شبكات اتصال، وتنفيذ مشاريع تنموية أخرى، تواكب أطماعها التوسعية- على غرار سياساتها في أماكن أخرى في اليمن مثل عدن والمكلا.
كما حاولت كسب الدعم هناك من خلال تقديم الرعاية الصحية وتصاريح العمل في أبو ظبي لسكان جزيرة سقطري، بينما فشلت في القيام بالشيء نفسه لغيرهم من اليمنيين.
ينظر الكثيرون على أن الوصول الاستراتيجي إلى سقطرى من شأنه أن يساعد دولة الإمارات العربية المتحدة على توسيع طرقها التجارية العالمية إلى دول مثل الهند، التي تربطها بها علاقات متنامية، سيطرة الإمارات بالفعل على موانئ الجزر، وروابط مزورة بين أبو ظبي والقرن الأفريقي، وهي منطقة أخرى تسعى فيها إلى هيمنة عسكرية واقتصادية أكبر.
وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي أنور قرقاش يرفض على الدوام الأصوات اليمنية المنددة بالتصعيد الإماراتي في سقطرى، ويصفها على أنها مجرد «أخبار مزيفة»، في حين ترتفع أصوات مليشيا المجلس الانتقالي والمليشيا المدعومة من الإمارات العربية في أنها تريد جنوب اليمن المستقل، وهذا ما يسلط الضوء على طموحات أبو ظبي السياسية المتميزة.
البحث عن نفوذ أكبر في اليمن
لقد استخدمت دولة الإمارات العربية المتحدة ببراعة موقعها الريادي في التحالف العربي المناهض للحوثي كمبرر لتوسيع نفوذها جنوب اليمن، على الرغم من أن دعمها لمليشيا المجلس الانتقالي والمليشيا التابعة يهدد محاولات المملكة العربية السعودية لتعزيز شرعية الحكومة الموحدة على اليمن.
ويبقى أن الكثير من الأضواء الدولية في الخمس السنوات ركزت تغطيتها على الحرب بين الحكومة الشرعية والمتمردين الحوثيين، وهو ما منح دولة الإمارات العربية المتحدة غطاءً أساسياً للشروع في سعيها إلى تمكين نفسها إقليمياً، ليصبح اليمن هدفاً رئيسياً ونقطة انطلاق لهذا الغرض.