بن زايد.. طموح يهدد المصالح الأمريكية ويقلق مستقبل الإمارات

سبتمبر نت/ ترجمة خاصة – أمين الجرادي
نشرت صحيفة الواشنطن بوست تقريراً موسعاً تناول قراءة تحليلية لمستقبل المصالح الأمريكية في منطقة الخليج والشرق الأوسط في ظل التطورات والمستجدات الأخيرة التي ظهرت، ومنها التقارب المعلن في العلاقات بين أبو ظبي وطهران، كما يتناول التقرير قراءة معمقة لمستقبل الإمارات في ظل الطموحات المتهورة لولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد .
التقرير أكد على أن المصالح الأمريكية في منطقة الخليج ستضرر كثيراً بسبب الاتجاه العكسي الذي تنحو فيه السياسة الإماراتية، ولم يستبعد التقرير حدوث علاقات سرية سبقت ما ظهر أخيرا على السطح من التقارب بين أبو ظبي وطهران.
وقال التقرير الذي أعدته الصحفية المهتمة بقضايا الشرق الأوسط والمنطقة العربية ليز سلاي: إن الطموحات الإقليمية لمحمد بن زايد، القائد الفعلي لدولة الإمارات، ابتعدت كثيراً عن رؤية الدولة لنفسها كمنارة للرخاء والاستقرار، بفضل المظلة الأمنية الأمريكية التي ظلت على مدى العقود الماضية تحظى بها دولة الإمارات العربية المتحدة.
كما أورد التقرير ما قاله أحد رجال الأعمال في دبي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لأن النظام الاستبدادي للحكومة في الإمارات العربية المتحدة يفرض عقوبات قاسية على أولئك الذين ينتقدون القيادة: “لقد أدى مشروع الحروب التي تمولها دولة الامارات إلى تدمير فكرة أن تكون الإمارات ملاذا آمنا بعد اليوم، والآن يشعر الجميع بخطر تقليد الأمريكيين”. وفيما يلي ترجمة النص الكامل للتقرير :
الإمارات تكسر الحلف
أخيراً.. الإمارات العربية المتحدة أحد أقوى حلفاء أمريكا في الشرق الأوسط، وأحدى القوى الدافعة وراء النهج المتشدد الذي اتبعه الرئيس ترامب تجاه إيران، نراها كمن يكسر هذا الحلف مع واشنطن، ذلك ما يثير الشكوك حول مدى وثوق الولايات المتحدة بالحليف الذي ستعتمد عليه في حال نشبت الحرب بينها وبين إيران.
في الأسابيع التي تلت إرسال الولايات المتحدة تعزيزات بحرية إلى الخليج العربي لردع التهديدات الإيرانية للنقل البحري، أرسلت حكومة الإمارات العربية المتحدة وفداً من خفر السواحل إلى طهران لمناقشة الأمن البحري، مما وضع أهداف الإمارات على خلاف مع أهداف واشنطن بعزل إيران من تدخلاتها وإفسادها للمنطقة.
الركض في الاتجاه المعاكس
بعد انفجار الألغام الأرضية على ناقلات قبالة ساحل الإمارات في يونيو، كان موقف دولة الإمارات العربية المتحدة على عكس موقف الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية ورفضت إلقاء اللوم على إيران.
كذلك أعلنت دولة الإمارات عن سحب قواتها من اليمن، حيث تقاتل إلى جانب المملكة العربية السعودية الحوثيين المدعومين من إيران للسيطرة على البلاد. وبدا ذلك كانه إيعاز لسيطرة المليشيات الانفصالية المدعومة من الإمارات العربية المتحدة على مقرات حكومة اليمن الشرعية المدعومة من الولايات المتحدة في مدينة عدن، وهذا اختلاف آخر يكشف من أن سياسة دولة الإمارات تأتي معاكسة للسياسة الأمريكية.
وقف التصعيد ضد طهران
وزير الدفاع الأمريكي السابق جيم ماتيس كان دائما يلقب الإمارات العربية المتحدة “اسبارطة الصغيرة” بسبب دعمها القوي للمشروعات العسكرية الأمريكية في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك الصومال وأفغانستان. كما تم إطلاق الكثير من الحرب الأخيرة ضد الدولة الإسلامية من القاعدة الجوية الأمريكية الموجودة في الظفرة في الإمارات العربية المتحدة . وهكذا ظلت دولة الامارات جزءاً لا يتجزأ من بصمة الأمن الأمريكي في الشرق الأوسط.
لكن في الوقت الذي تضع فيه دولة الامارات علاقتها مع واشنطن على خط المواجهة في حرب محتملة بين الولايات المتحدة وإيران، فإن الإماراتيين يغيرون أنفسهم ويطالبون بوقف التصعيد مع إيران والنأي بأنفسهم عن خطاب إدارة ترامب العدائي.
لمناقشة قضايا السياسة الخارجية الحساسة لدولة الإمارات يقول أحد المسؤولين الإماراتيين الذي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته: إن الامارات لا تريد الحرب، واكثر ما تطمح له الأمن والاستقرار وتحقيق السلام في هذا الجزء من العالم.
يقول دبلوماسيون ومحللون: إن اعتماد الولايات المتحدة على الدعم الإماراتي في ظل التوترات الحالية التي ربما تسوق إلى الحرب مع إيران أصبح ضئيلا ، وهو الآن في موضع الشك.
ثيودور كاراسيك من “مركز تحليلات دول الخليج” ومقره واشنطن يقول: إن ” دولة الإمارات العربية المتحدة تميل على نحو متزايد بعيداً عن أهداف الولايات المتحدة”. ويتساءل: “هل أبو ظبي هي الحلقة الضعيفة في سياسة ترامب الخاصة بالضغط الأقصى؟ من الممكن أن تكون”.
أبو ظبي- سياسة مقيتة
ليست هذه هي المرة الأولى التي تتباعد فيها سياسات الإمارات عن سياسات واشنطن، وتنذر في تسبب هذا التباعد في التأثير على المصالح الأمريكية في المنطقة.
على مدى العقد الماضي سعت قيادة الدولة الصغيرة، بشكل مطرد في نشر سياستها المقيتة في جميع أنحاء الشرق الأوسط في السعي منها وراء تحقيق أجندة مغايرة تماما لطموح الكثيرين من السكان. وكانت تلك السياسات مدفوعة إلى حد كبير بالمعارضة القوية لولي العهد القوي، محمد بن زايد، لجميع أشكال الإسلام السياسي.
خارج حدودها بدأت أبو ظبي أيضًا حملة نفوذ في واشنطن أعطت الإمارات صوتًا قويا في البيت الأبيض، مما ساعد على تشكيل سياسة الشرق الأوسط على أعلى المستويات. في العام 2015 كانت دولة الإمارات العربية المتحدة ناقدا قويا للاتفاقية النووية التي وقعتها الولايات المتحدة والقوى العالمية الأخرى مع إيران، وأيدت قرار ترامب بالانسحاب من الصفقة العام الماضي.
يقول مسؤولون إماراتيون: إن الإمارات لم تقصد أبدا انسحاب الولايات المتحدة من الصفقة ليؤدي إلى مواجهات مثل تلك التي وقعت في الخليج العربي. ويبدي المسؤولون الاماراتيون كذلك اعتقادهم إن الإمارات العربية المتحدة ما زالت تأمل، تماشياً مع سياسة واشنطن المعلنة، في أن العقوبات الصارمة التي فرضتها إدارة ترامب على إيران ستعيد إيران إلى طاولة المفاوضات.
وبدلاً من ذلك، قامت إيران بالرد، وبدأت حملة من التهديدات والمضايقات ضد الملاحة في الخليج العربي، والتي جذبت تعزيزات من الولايات المتحدة وبريطانيا إلى المنطقة .
مستقبل الإمارات
يقول محللون: إن موقع الإمارات واقتصادها وسمعتها كملاذ آمن للأجانب يجعلها عرضة بشكل فريد للتداعيات الناجمة عن المواجهة المنخفضة المستوى، وربما أكثر من أي دولة أخرى في المنطقة.
كذلك فإن مضيق هرمز الممر المائي الذي يلف الساحل الإماراتي، وتعتمد عليه الإمارات في عبور تجارتها ورفع اقتصادها، يشهد حلقة من التوترات، حيث من المرجح أن تنشب الحرب فيه.
التهديد الخطير
من أجل بناء ناطحات السحاب وتطوير خدمة الفنادق التي تجتذب السياح والمسؤولين التنفيذيين في قطاع الأعمال التي تبدو أقل ترحيباً في أجزاء أخرى من الشرق الأوسط، جندت دولة الامارات الملايين من الأجانب من جميع أنحاء العالم، ويمثل المغتربون حوالي 90 بالمائة من سكان دولة الإمارات العربية المتحدة، ويحافظون على جميع بنيتها التحتية الحيوية تقريبًا، بما في ذلك المستشفيات والقوات المسلحة.
اليزابيث ديكنسون من المجموعة الدولية لمعالجة الأزمات تقول: إن البلاد بأكملها يمكن أن تتوقف إذا كان الأجانب خائفين، وقد يقودهم هذا الخوف إلى مغادرة دولة الإمارات والعودة إلى بلدانهم.
تقول ديكنسون:” إن المخاطر بالنسبة لدولة الإمارات العربية المتحدة مرتفعة بشكل هائل. كما أن الهجوم الذي قد يصل التربة الإماراتية سيضر بالبنية التحتية الحيوية ويكون مدمراً. وتضيف: “ذلك من شأنه أن يهدد بشكل رمزي سمعة واحدة من أكثر دول المنطقة ديناميكية من الناحية الاقتصادية”.
زعيم مليشيا حزب الله الشيعية اللبنانية وأقرب حليف إقليمي لإيران، أكد حسن نصر الله في مقابلة أجريت معه في يوليو / تموز، أن دولة الإمارات العربية المتحدة ستعتبر هدفا في حالة اندلاع الحرب. وتساءل في تهديد محجب: “ماذا سيبقى من أبراج الإمارات الزجاجية إذا اندلعت الحرب؟” “إذا تم تدمير دولة الإمارات العربية المتحدة. . . هل سيكون ذلك لصالح الحكام والشعب الإماراتيين؟! ”
يعارض المسؤولون الإماراتيون أنهم يغيرون مسارهم ويقولون: إنهم ينوون الاستمرار في المشاركة في المنطقة ككل..
يقولون: إن تخفيض عدد القوات في اليمن كان يشير إليه مسؤولون كبار منذ شهور، وقد حدث، لأن محادثات السلام التي ترعاها الأمم المتحدة جارية، وهي هدف للتدخل العسكري.
وأضافوا: أن زيارة وفد الإمارات العربية المتحدة إلى طهران جاءت في سياق مفاوضات حول حقوق الصيد في مضيق هرمز ولم تكن مرتبطة بالأزمة الحالية.
نداءات فك التصعيد لا تغير موقف الإماراتيين من إيران: أن توسعها الإقليمي خطير، ويجب تقليص برنامجها لتطوير قدرات صاروخية باليستية متقدمة، وفقًا للمسؤولين.
ووفقاً لسكان و دبلوماسيين فإن الطموحات الإقليمية لمحمد بن زايد، القائد الفعلي، قد ابتعدت كثيراً عن رؤية الدولة لنفسها كمنارة للرخاء والاستقرار.
يقول رجل أعمال في دبي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، لأن النظام الاستبدادي للحكومة في الإمارات العربية المتحدة يفرض عقوبات قاسية على أولئك الذين ينتقدون القيادة: “يبدو أن الأمر كان مبالغًا فيه ولم يحسبوا العواقب”.
“لقد أدى مشروع الحروب التي تمولها دولة الامارات إلى تدمير فكرة أن تكون الإمارات ملاذا آمنا بعد اليوم، والآن يشعرون بخطر تقليد الأمريكيين”.
إن دعم الإمارات العربية المتحدة لتراجع ترامب عن صفقة إيران هو الأحدث في سلسلة من المشاريع التي لم تنجح كما أراد الإماراتيون.
لقد تعثرت حرب اليمن وانسحبت ووجهت انتقادات دولية لارتفاع عدد القتلى المدنيين، على الرغم من أن المملكة العربية السعودية هي التي نفذت معظم الغارات الجوية التي تسببت في وقوع الإصابات.
بن زايد والانتخابات الأمريكية
في واشنطن، جاءت محاولة محمد بن زايد الواضحة لإقامة علاقات بين روسيا وإدارة ترامب بنتائج عكسية، مما دفع الإمارات إلى تحقيق روبرت س. مويلر الثالث في المحاولات الروسية للتأثير على انتخابات الولايات المتحدة عام 2016م.
محمد بن زايد هو الزعيم الوحيد بخلاف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي يظهر في التقرير، ويرتبط معظمه باجتماع عام 2017 م الذي رتب له في فندق فورسيزونز في سيشيل بين زميل ترامب إريك برنس والممثلة الروسية كيريل ديميترييف.
تتواصل التحقيقات في تصرفات بعض شركاء ولي العهد، بما في ذلك أعمال جمع التبرعات للمرشح الجمهوري توماس ج. باراك جونيور، الذي اتهمه الديمقراطيون في الكونغرس الأسبوع الماضي بالسعي للتأثير على خطاب حملة ترامب من خلال إدارة أجزاء منه بالمسؤولين الإماراتيين.
أخيراً
يقول المحلل كاراسيك: إن هنالك تكهنات كبيرة بشأن مكانة الامارات في النزاع القائم بين إيران من جهة والولايات المتحدة والسعودية من جهة أخرى. يضيف: هذا هو السؤال الكبير. هل انفصلت الإمارات عن الولايات المتحدة؟ وما تأثير ذلك على المصالح الأمريكية في المنطقة والشرق الأوسط؟
يضيف: هناك مشاكل وانقسامات اقتصادية داخلية حول ما يجب القيام به بشأن إيران. لكن في نهاية المطاف، تجلس الإمارات العربية المتحدة تحت المظلة الأمنية الأمريكية، وهذا هو ما يهم”.
هـــامــــش
ليز سلاي مديرة مكتب واشنطن بوست في بيروت، ومسؤولة تغطية الأخبار في سوريا ولبنان والشرق الأوسط الكبير. انضمت إلى واشنطن بوست في العام 2010 م كرئيس لمكتب بغداد، ثم في عام 2011 م انتقلت إلى بيروت للتركيز على سوريا والمنطقة. قبل ذلك، غطت العراق لصحيفة لوس أنجلوس تايمز وشيكاغو تريبيون.