الأخبار الرئيسيةتقارير

عظماء.. سطروا أمجاد أيلول

سبتمبر نت / تقرير – أحمد عفيف

سبتمبر المجد والثورة والخلود، صنع اليمنيون فيه مجدا تليدا سطروه بدمائهم الزكية، وأرواحهم التواقة للحرية والمجد والسؤدد، وإرادتهم الجمعية التي لم تعرف الكلل والتواكل، الشعب كل الشعب أسهم في إنجاح هذه الثورة مقاتلين وباذلين ومساندين، بعد أن تجرعوا الويلات والظلم والقهر والجوع والمعاناة والمصادرة والذل من قبل السلالة المتوردة الدخيلة على المجتمع اليمني،  هذه الثورة المباركة قادها يمانيون عظماء، أبى شموخهم وعزتهم وكرامتهم إلا أن يتصدروا المشهد، وينحازوا إلى قضيتهم الوطنية، متجاوزين كل الصعاب والعقبات والأهوال والآلام، في سبيل إقامة النظام الجمهوري،  وبناء دولة القانون والمواطنة المتساوية،  ودحر قوى الظلام والكهنوت والإمامة والرجعية.

اليمن بلد ولادة بالرجال والعظماء والنجباء والمخلصين، ولا غرابة في ذلك فهم أحفاد تبع وسبأ، وهو ماتجلى واضحا في ثورة 26سبتبمبر التي سطر أمجادها الكثير من عظماء اليمن، مابين قائد ومقاتل وشاعر وكاتب وسياسي وغيرهم، وتستعرض هذه التناولة البسيطة بعضا من أولئك العظماء الأماجد من خلال عرض مبسط لسيرهم الذاتية ومواقفهم البطولية تم جمعها من مصادر متعددة جمعت تاريخهم، مع العلم بأن عظماء سبتمبر كثيرون ولهم مواقفهم المخلدة، ومن تم تناولهم نماذج تم انتقائها بشكل عشوائي لكثرة من يستحقون الذكر في هذه الذكرى الوطنية الخالصة .

 

عثمان أبوماهر .. فارس القلم والبندقية

اللواء عثمان سيف قاسم المخلافي وعرف ب «عثمان أبو ماهر» ، قدم دورا رياديا كبيرا في تفجير الثورة ومطاردة فلول الإمامة، وكان أحد الأبطال الميامين الذي  امتاز بأدواره البطولية قائدا بارزا في ميدان المعركة والنضال الثوري، ومقاتلا صنديدا في ميدان القتال، وفارسا متميزا في ميدان الإعلام والتوعية والفكر والتعريف بقيم وأهداف ومبادي الثورة وشاعرا حماسيا ملهما في مجالات القصائد الوطنية والشعر الثوري.

ولد الثائر الشاعر عثمان أبو ماهر في العام 1941م بقرية المبيتريك، المخلاف بمديرية شرعب السلام محافظة تعز، و درس القرآن الكريم في كُتّاب قريته ثم انتقل إلى  مدينة زبيد ليواصل تعليمه، وفي العام 1955 رحل إلى مكة المكرمة والتحق بمدرسة (الفلاح)، وخلال دراسته اشتغل  بالعمل الإعلامي الثوري المناهض لحكم الإمامة في اليمن وفي تلك الفترة وقبيل تفجير ثورة 26 سبتمبر راسل الرائد (محمد الرعيني) الذي كان يعمل ضابطاً في مدينة الحديدة، وتبادلا الرؤى والأفكار حول مناهضة الحكم الإمامي ولما عاد إلى اليمن سنة 1962م عن طريق الربع الخالي، التقى الرائد (محمد الرعيني) وتم وضع خطة لقتل الإمام الكهنوتي (أحمد بن يحيى حميد الدين)، وأوكلت المهمة إلى عثمان أبو ماهر واثنين من زملائه وهم: (علي شويط) و(محمد أحمد المصري).

قبل يومين من تنفيذ الخطة، ألقي القبض على (علي شويط) ورفيقه (محمد المصري) ففر إثرها الثائر أبو ماهر مختفياً إلى صديقه (محمد زين هادي هيج) في وادي مور بمحافظة الحديدة، ومكث لديه حتى اشتعلت الثورة التي أطاحت بالنظام الإمامي سنة 1962م.

بعدها انطلق الثائر إلى مدينة الحديدة، والتقى مجدداً بالرائد (محمد الرعيني) الذي أرسله فورًا إلى مدينة صنعاء، حيث وصل إليها، وشهد مراسيم تسليم الزعيم عبدالله السلال رئاسة مجلس قيادة الثورة، ثم كُلِّف بقيادة قطاع محور حجة العسكري لملاحقة الإمام المخلوع محمد البدروفلول نظامه في جبال مديرية وشحة بمحافظة حجة إلى حرض وصولاً إلى منطقة الخَوْبَة في الحدود اليمنية السعودية بمشاركة اثنين من الضباط هما: عبدالكريم الحوري وعبدالوهاب الحسيني.

وبعد معارك عديدة خاضها البطل السبتمبري أبو ماهر أثناء مطاردة البدر وتتبع فلول الملكيين لثلاث سنوات، التحق عام 1965م بجهاز المخابرات العامة، الذي كان يرأسه العميد محمد عبدالواسع قاسم نعمان، وفي نفس العام عين مديرًا لمكتب المخابرات العامة في مدينة الراهدة بمحافظة تعز  وتحمل مسؤولية إمدادات الجبهة القومية لتحرير الجنوب بالمال والسلاح، حيث كانت الجبهة القومية تخوض معارك التحرير ضد المستعمر البريطاني.

وفي العام 1966م، سافر إلى موسكو للالتحاق بأكاديمية المدرعات حيث أكمل دراسته فيها حتى العام 1969م، وعقب عودته إلى مدينة صنعاء؛ طلب منه أن يكون نائبًا لرئيس الجهاز المركزي للأمن الوطني فرفض ذلك نتيجة التغيرات التي طرأت على أهداف ثورة سبتمبر حيث لم يعد أبو ماهر يجد ذاته فيها، فاعتقل في سجن القلعة، لثلاث سنوات بتهمة الشيوعية التي كانت رائجة وقتذاك.

وفي عام 1972م؛ خرج من سجنه، وأحيل إلى السلك المدني، وعُيّن في نفس العام مديرًا عامًّا لمكتب وزير الخدمة المدنية، ثم أعيد تعيينه في نفس العام مديرًا عامًّا لمكتب وزير الثقافة حتى سنة 1975م, وفي عهد الرئيس إبراهيم الحمدي، عُيّن مديرًا عامًّا للمصنفات الفنية في وزارة الثقافة، ورئيسًا للجنة النصوص, وفي عام 1980 عُيّن مديرًا عامًّا للإعلام الداخلي والخارجي، ثم عُيّن سنة 1988م ملحقًا إعلاميًّا بدرجة وكيل وزارة في السفارة اليمنية في الرياض، وفي سنة 1992م عُيّن مستشارًا لوزارة الإعلام، وأعيد تعيينه في نفس المنصب سنة 2003م بدرجة وزير.

لم يحمل الثائر عثمان أبو ماهر بندقيته فقط ضد الحكم الكهنوتي، بل كان لقلمه صولات وجولات في التغني بالوطن والذود عن حياض الأمة اليمنية، لقد نظم أبو ماهر اليمن تاريخاً وحضارة شعراً خالداً، وموْسَقها لحناً تتغنى به الأجيال، فغنى له العديد من المطربين اليمنيين؛ منهم: أيوب طارش عبسي، أحمد بن أحمد قاسم، عبده إبراهيم الصبري، محمد حمود الحارثي وعمر غلاب وغيرهم.

وقد عُرف الثائر عثمان أبوماهر بنزعته الثورية وحنينه لتاريخ اليمن التليد وحضارته الضاربة في أطناب التاريخ سبأ وحمير وارتباطه بهما وكان دائم التغني بهما والسارد لأمجادهما حيث شكّل منه ذلك الانتماء الروحي والوجداني مقاتلا قويا ومدافعا شرسا عن ثورته وجمهوريته.

 

حاميم.. الرهينة الذي حرر اليمن

المناضل الثائر الشهيد عبدالقوي حاميم المولود في قرية بيت حاميم مديرية خدير محافظة تعز عام (1929م،  زُج به كرهينة لدى نظام الإمام يحيى حميد الدين في قلعة القاهرة بتعز منذٌ كان حاميم في عمر الثامنة وحتى بلغ ال16 من عمره، في العام 1958م اختير حاميم عضوا مؤسسا مع الشهيد المناضل عبدالغني مطهر فيما كان يعرف بتجمع التجار الأحرار المتبنين والمساندين لقيام الثورة ضد الطغيان والكهنوت.

كان الشهيد عبدالقوي حاميم من التجار الأحرار الذين أسسوا شركة المحروقات اليمنية والتي أصبحت اليوم تعرف بشركة النفط اليمنية، كما ساهم في تأسيس أول شركة طيران يمنية والتي أصبحت اليوم الخطوط الجوية اليمنية وشارك في إنشاء شركة كهرباء تعز، وأسس عام 1961 مع الأستاذ أحمد هائل سعيد والاستاذ عبده هلال الغرفة التجارية بتعز، وفي أغسطس 1962 أجمع الثوار على اختيار عبدالقوي حاميم للسفر إلى القاهرة لشرح أسباب تأجيل تفجير الثورة في الموعد المتفق عليه مسبقا وقد مارس خطة خادعة لتمويه استخبارات النظام الإمامي تبدأ بالسفر إلى الإتحاد السوفيتي وتشيكوسلوفاكيا وصولا الى القاهرة متخفيا حيث التقى برئيس مجلس الأمة المصري في حينها أنور السادات وشرح له الموقف وأسباب التأجيل وكذا الاتفاق على مسار دخول الأسلحة وتهريبها من عدن إلى تعز وتكديسها في منازل آمنة تتبع حاميم ومن ثم توزيعها على الثوار في الحديدة وصنعاء وتعز  في  ساعة الصفر  المتفق عليها.

قام حاميم  بالتعاون مع التجار والمشائخ الأحرار بتجهيز أكثر من2000 مقاتل من أبناء المناطق الشرقية للواء تعز وتم تزويدهم بالعتاد والسلاح لحماية حدود تعز من أي تدخل قد يحدث من جانب الإنجليز وأيضا لدعم الثوار وعقب قيام ثورة ال26 من سبتمبر 1962 تقلد عبدالقوي حاميم المناصب التالية:

– عضو مجلس قيادة الثورة

– عضو مجلس الرئاسة

– وزير الشؤون البلدية والقروية

– نائب رئيس الوزراء لشؤون الأشغال والمواصلات

– وزير الخارجية

قدم حاميم حياته ودمه الطاهر وفاء لمبادئ وأهداف الثورة حيث تم اغتياله بمؤامرة غادرة في أغسطس  1965

 

أحمد ناشر العريقي.. سيرة لم تكتب

ولد الأستاذ أحمد عبده ناشر عام 1917م الموافق 12 صفر 1337 هجرية  في قرية الحباترة عزلة الأعروق مديرية حيفان  محافظة تعز ،وتوفي في6/12/1996م

و بحسب سيرة ذاتية له نشرتها ودونتها جمعية الأغابرة والأعروق بأنه درس في معلامة الأوساط قرية الحباترة عزلة الاعروق م حيفان وتلقى علومه الأولية ثم توجه صوب عدن ليعمل في حقل التجارة قبل أن يبادر في الانضمام للحركة الوطنية عبر حركة الأحرار اليمنيين، والاشتراك مع ابن عمه  الشيخ ناشر عبدالرحمن العريقي إلى تأسيس «جمعية التعاون اليمنية» في عدن، وإنشاء مدرسة لتعليم أبناء الفقراء. وبعد إغلاق الجمعية لتفرق أعضائها، تقلد طواعية مهاماً إدارية في «نادي الإصلاح العربي» الذي أسسه الأستاذ محمد علي إبراهيم لقمان.

اغترب ثانية إلى الصومال هو والحاج هائل سعيد أنعم واشتركا معا في تجارة رابحة، واهتمام وطني وقومي جسدتها تبرعاتهما السخية لشعب فلسطين أواخر الثلاثينيات.

كان المناضل  أحمد عبده ناشر همزة وصل بين أحرار اليمن في الداخل وفي الخارج لا يتوانى في تقديم المساعدة  للحركة التحررية الوطنية بقضيتها وأفرادها أياً كان موقعها في اليمن أو فلسطين أو الجزائر، إذ تبرع وجمع تبرعات كثيرة من المهاجرين لنصرة قضايا هذه الشعوب، ووثق اتصاله بكلا المرحومين الشيخ عبدالله الحكيمي والأستاذ عبدالله عبدالوهاب نعمان اللذين واصلا عبر إصدار صحيفتيهما «السلام» من كارديف و «الفضول» من عدن مسيرة حركة الأحرار بعد تشريد وسجن وإعدام قيادتها عام 1948م.

وقبل قدوم ساعة الصفر في سبتمبر 62م وقد اختلف منهج بعض الأحرار عن بعض أرسل إلى أحمد ناشر محاولة لاستمالته إلى غير الصف الذي يقف فيه، فاعتذر عن عدم تولي أي منصب أو التخلي عن رفاقه، ودون أن يغلق باب التعاون في وجه أي اتجاه وطني رشح من جانبه عنصراً وطنياً تولى التنسيق والاتصال مع التوجه الجديد للتغيير.

ولما افتدى الوطنيون وطنهم بأنفسهم في السادس والعشرين من سبتمبر شارك أحمد عبده ناشر في إدارة وتنظيم التعبئة العامة للانضمام إلى وحدات الجيش والحرس الوطني، وقدّم حين قَدِم إلى صنعاء، بين يدي المشير عبدالله السلال، درساً جديداً في الوطنية والعطاء جواباً على أسئلة الرئيس السلال:

«ما جئت إلا لأقدم دعمي، وأسأل ماذا تريد الثورة مني لأقدمه وليس العكس»!.

هذا الذي بادر وحده إلى إنقاذ أعلام تحرير وطنه من التراجع عن خطاهم، وأنفذ في أوساط اليمانيين المهاجرين روح الوطنية التي سكنته وأسكنته صفحات التاريخ.

 

عبد الرقيب عبد الوهاب .. بطل السبعين يوما

ولد عبدالرقيب عبدالوهاب في 28 يناير 1943م  (قرية ذلقيان – ذُبحان – الحُجَريّة – محافظة تعز) واستشهد في عملية غادرة بصنعاء في 24يناير 1969, ودفن في مقبرة (خزيمة) .

تلقى علومَه الأوليةَ في قريتِه، ثم انتقل إلى مدينة عدن؛ حيث درس الابتداتية والإعدادية في إحدى مدارس “الأحرار اليمنيين”, وعمل حينها -إلى جانب دراسته- في إحدى المطابع لتوفير لقمة العيش, ولمّا قامت الثورة اليمنية في سبتمبر 1962م انتقل إثرها إلى مدينة صنعاء, والتحق بالجيش الجمهوري, وشارك في الكثير من معاركِ الدفاع عن الثورة, ثم سافر إلى مدينة القاهرة، والتحق بالكلية الحربية, وتخرّج منها سنة 1964م , كما حصل على دورتين عسكريتين في الصاعقة والمظلات.

وبعد عودته إلى صنعاء عُيِّن قائدًا لمدرسة الصاعقة, ثم قائدًا لقوات الصاعقة, ثم  رئيسًا لهيئة الأركان العامة سنة 1968م، إضافة إلى عمله السابق.

ومما يقتضي التنبيهُ إليه في مسيرة هذا  البطل ونُبُوغِهِ أنها لُخّصت في زمن قياسي محدود وعصيب،  منذ 1962 إلى 1969،  فجسدت بذلك كل معاني الصدق والإيمان والإخلاص والتضحية. وشكلت مرحلةَ نضالِه ووعيهِ القومي وإيمانه بقضيته الوطنية التي دافع عنها فكان مناضلًا وفدائيًّا حقيقيًّا بَذَل روحَه في سبيل حلمه بوطن  آمَن به مُنكِرًا كل ما عداه من الولاءات الضيقة والدعاوى المناطقية.

في تاريخ 27 نوفمبر 1967م وبقيادة الجنرال “بوب دينار” والجنرال “كوندي” و”القوات الملكية” فُرِضَ حصارٌ على العاصمة صنعاء، عُرف باسم (حصار السبعين يوما)  لغرض إجهاض الثورة والنظام الجمهوري .

كانت بعض أرياف وضواحي صنعاء قد تحولت إلى موقعِ المُعادي للثورة، والكثير من أصحاب الرتب والمناصب الكبيرة من الضباط والقيادات قد فرُّوا منها، بحيث أنه تم لهؤلاء “الجنرالات وفلول الملكيين وعملائهم” التمكن من اختراق مشارف صنعاء، بل وتمكنت جبهة (قاسم منصّر) من احتلال “قرية الدجاج” غرب (مصنع الغزل والنسيج).

مما دعا الثوارَ مِن أصحاب الرتب الصغيرة من الضباط المؤمنين بحتمية الثورة إلى تشكيل قيادةٍ لمواجهة الحصار، وطلب الغوث والمدد من رجال المدن التي كانت تتمتع بطابع ثوري (تعز –  إب – الحديدة) وغيرها من المحافظات، وتمت تعبئة شباب هذه المدن عن طريق ما عُرفت بالمقاومة الشعبية والقوات الشعبية ونقابات العمال، ليشقوا طريقهم إلى صنعاء، وكان لمدينة الحديدة دورٌ بارزٌ في استقبال الشباب المناصرين للثورة واستبسالهم من أجل تحرير خط (صنعاء – الحديدة) شريان التغذية للعاصمة صنعاء آنئذ، وكان لأبناء بني مطر دورٌ بارزٌ لا يُستهان به، وأيضًا أبناء صنعاء القديمة الذين كانوا يخشون أن يعيد التاريخ نفسَه ويصبحون عرضة للفيد والنهب الذي تعرضوا له بعد فشل ثورة 1948، فأبرزوا الثوار الأبطال المدافعين عن صنعاء وشهدت منطقة شعوب قتالًا مستميتًا بين قوات الصاعقة وقوات قاسم منصر وتمكنت قوات الصاعقة بقيادة البطل عبدالرقيب عبدالوهاب من دحر منصر رغم أسلحته المتطورة على حسابات ذلك الزمن، وتم في الخامس من  فبراير عام 1968  فك الحصار الذي طوّق العاصمة صنعاء، وعاد الرئيس القاضي عبدالرحمن الإرياني بعدها إلى صنعاء من الحديدة التي كان يقيم فيها أثناء حصار السبعين بالإضافة إلى بعض القيادات من الرتب الكبيرة التي كانت قد لاذت بالفرار.

 

عبد الغني مطهر .. سياسي الثورة وسفيرها

من أبرز القيادات الثورية والوطنية في تاريخ اليمن الجمهوري،  عاش طفولته في قرية الحباترة، بمنطقة الأعروق، بمحافظة تعز، حيث كان الناس يعيشون حياة بائسة في ظل حكم النظام الكهنوتي البائد.

عندما بلغ الثانية عشرة من العمر، أرسله والده إلى عدن، وهناك عمل مع أحد أصدقاء والده لمدة عامين، ثم بعدها رحل إلى المكلا، قبل أن يعود إلى قريته في السادسة عشر من العمر، وهناك تزوج، ثم سافر إلى القرن الأفريقي، تحديدا إلى الصومال، وأثيوبيا، حيث استقر في أديس أبابا، وامتهن التجارة إلى أن أصبح رجل أعمال معروفا.

عاد المناضل عبد الغني مطهر، إلى اليمن، من أثوبيا، عام 1957، واستقر في تعز، حيث كان له نشاط سياسي ملموس، من خلال المساهمة في تشكيل اللجنة التأسيسية للأحرار في أوائل عام 1958 قطاع التجار، واستمر في نشاطه حتى تمكن الأحرار من القضاء على حكم الإمامة في اليمن في 26سبتمبر سنة 1962م.

عرف بأنه كان من أبرز المخططين للثورة ضد الإمامة، كما أنه كان رسول الثورة إلى الرئيس المصري الراحل، جمال عبد الناصر.

عندما تم تشكيل اللجنة التأسيسية للأحرار في تعز، عام 1958، كان عبد الغني مطهر أحد أعضائها، كما أنه كان على رأس تنظيم التجار الأحرار، مع عدد آخر من رجال الأعمال حينها.

ألّف كتاب (يوم ولد اليمن مجده)، الذي يحكي فيه قصة وتاريخ مشاركته في الثورة.

ونظراً لدهاء المناضل عبدالغني مطهر السياسي وإيمانا منه بأن السياسة جزء لا يتجزأ من مهام الثورة، عمل سياسياً في أغلب الأحيان وكان دوره سياسياً أكثر من غيره حيث كان من خطط الأحرار في تعز للعمل على استقطاب المسؤولين لمعاونتهم في تحقيق هدفهم، وحينها بدأ مطهر خلال سفرياته التي فرضها عمله في شركة المحروقات لإعداد لقاءات مع المسؤولين والضباط المصريين ونجح في ذلك، وكان يعد لهم التقارير وبذلك تم استقطاب مجموعة كبيرة من المسؤولين والضباط، وكان يتم ذلك وفق خطط كبيرة حتى لا يفشل مسعاهم.

بعد ذلك بدأ مطهر بالإعداد للقاءات الخارجية مع المسؤولين في القاهرة، وقد تم الإعداد للسفر بعد أن تم اختياره للسفر إليها، وقبيل السفر عقد اجتماعاً مع عدد من القيادات منهم الرئيس السلال، وصل مطهر إلى مصر وهناك التقى بالسيد أنور السادات وشرح له وضع اليمن، ومن ثم رتب له لقاء في ألمانيا مع الدكتور البيضاني لإعداد تقرير يرجع في النهاية إلى جمال عبدالناصر، ومن ثم عاد إلى مصر والتقى بصلاح نصر وختم تلك اللقاءات بجمال عبدالناصر الذي وعده بدعم الثوار بالمال والسلاح، وتم الاتفاق مع الجانب المصري أيضاً على الإعداد النهائي لتفجير الثورة وكان 23 يوليو موعد الانطلاق وكان المكان المقرر لتفجير الثورة قلعة القاهرة بتعز، ولكن تم تأخير الموعد مراعاة لحالة الإمام الصحية وحصول ما لا يحمد عقباه.

وفي 19/9/1962 توفي الإمام أحمد وقامت أسرته بكتم الخبر حتى إبلاغ ولي عهده البدر وكان في صنعاء، ولكن الخبر شاع  وانتقل  مقر الحكم في تلك اللحظات من تعز إلى صنعاء وهناك تم تفجير الثورة.

وقد  كان  المناضل مطهر رجل علاقات بامتياز  واستطاع بحدسه السياسي المستنير أن يستفيد من كونه رجل أعمال وعلى اتصال دائم بالناس، أن يستغل هذه النقطة ويوظفها  لصالح أنشطته السياسية والدفع بعجلة الثورة، فقد تعرف على كثير من رجالات اليمن ومناضليها واستعان بهم واستعانوا به في التقريب بين وجهات نظر الخلايا الثورية المنتشرة في أصقاع اليمن، و كان رجلاً معطاء لم يبخل يوماً في أن يمد رفقاء نضاله بالمال الذي يعينهم على شظف العيش ومعتركات الحياة، وهو فوق هذا وذاك كان يحترق شوقاً للقياهم ويتدارس معهم كل خطط الثورة المتاحة ويترقب وبلهفة يوم النصر الأغر، كما كان على تواصل بالثوار الأوائل أمثال القاضي عبدالغني الإرياني الرجل المستنير المحاصر بعيون وجواسيس الإمام الذي من خلاله تم التعرف باستفاضة على كل التفاصيل المبهمة مابين خليتي تعز وصنعاء.

فقد ذهب عبدالغني مع محمد مفرح إلى منزل عبدالرحمن الإرياني وتم التعارف معه وبذل الحيلة للقاء المتكرر دون أن تعلم العيون الموجهة إلى عبدالرحمن، وأسعفتهم الفكرة بشراء قطعة أرض مجاورة لمنزل عبدالرحمن لتكون ذريعة كرد على تلك التساؤلات بحكم أنه القائم على إجراءات تسجيل وعقد الشراء.

ومع اللقاءات المتكررة ملئت النفوس بالثقة وأصبح القاضي عبدالرحمن يُسرب الأسرار وأدق المعلومات إلى عبدالغني عن طريق صداقته بصهر الإمام كما تعرف عبدالغني مطهر أيضاً على الشيخ حسين بن ناصر الأحمر عقب وصوله منزل محمد مفرح حاملاً خمس بنادق لارتهانها عند عبدالغني لصرف المال على رجاله وقدم عبدالغني ماطلبه من المال وأعفاه من الرهن والالتزام برد المال، ولمطهر العديد من المواقف البطولية والنضالية التي صبت لصالح إزاحة حكم الظلام والكهنوت، وإقامة النظام الجمهوري.

زر الذهاب إلى الأعلى