انتخاب هادي.. توافق سياسي وإجماع شعبي أدهش العالم

26 سبتمبر / تقرير/ قاسم الجبري
توافق الفرقاء السياسيون على مبادرة خليجية في نسختها الخامسة، وارتضوها حلا مزمنا شملت مطالب الشباب، ولبت الكثير من مطالب، واشتراطات النظام السابق أهمها حفظ ماء الوجه.
نصت تلك المبادرة على انتخاب نائب رئيس الجمهورية – آنذاك- عبدربه منصور هادي رئيسا توافقيا يمثل جميع الأطياف، والمكونات السياسية.
وعلى الرغم من عدم وجود المنافسين إلا أن إقبال الناخبين على صناديق الاقتراع كان كثيفا، وغير مسبوق وجه رسالة للداخل والخارج مفادها أن الشعب اليمني يتوق للحرية والحياة الكريمة ويرفض التوريث والحكم العائلي.
تلك الحالة أوحت بدلالات عديدة أبرزها توقان الشعب إلى التغيير واستعادة ألق الجمهورية وانهاء عهد طال ليله الجاثم على صدور اليمنيين.
جرى اختيار هادي رئيساً للجمهورية في عملية انتخابية غير تنافسية، وبدعم من مختلف القوى، والأحزاب الموقعة على المبادرة الخليجية، وحصل على أكثر من ستة ملايين ونصف المليون صوت، أي حوالى %99.80 كأكبر نسبة عبّرت عن الإجماع الذي تألف حينها أملا في طي صفحة سلفه وتهدئة الوضع الذي كان مرشحاً لمواجهات بين قوى الثورة والنظام.
فالشباب لم تكن ثورتهم طفرة، أو خرجوا إلى الساحات استجابة لثورات اندلعت في أكثر من بلد عربي، بل تقف وراء ذلك عديد أسباب لعل أبرزها حماية الديمقراطية والجمهورية، وجوهرها، فالنظام السابق لم يكتف بالاستحواذ على السلطة، بل وصل إلى اعتزامه توريث الحكم لنجل الرئيس السابق صالح!!.
تلك النية أغضبت الشعب، ودفعته إلى اعتراض تلك النوايا، وقرر مواجهتها، وإن كلفت أغلى الأثمان، فمكسب الديمقراطية أمر يستدعي النضال، والتضحية.
رأت المكونات السياسية بمختلف توجهاتها، ورأى شباب ثورة فبراير أن انتقال السلطة سلميا خير سبيل للتغيير لتجنيب الوطن أزمات، وحروبا قد تحدث في حال مانع النظام السابق تسليم السلطة طواعية.
إنهاء الأزمة
مع اندلاع ثورة الشباب انقسم رأي الشارع اليمني إلى عديد أقسام وإن كان الأغلب مع التغيير إلا أن الفئة الصامتة ظلت محل رهان الفرقاء لكنها حسمت أمرها ورأت في انتخاب هادي، وتسليم السلطة طواعية فرجا، ومخرجا لحل ما كان تسميه بالأزمة، فاندفع معظمهم إلى صناديق الاقتراع أملا في تجاوز المرحلة.
محللون اعتبروا الاقبال الكثيف على صناديق الاقتراع رسالة من غالبية الشعب اليمني بأن الحكم التسلّطي لعلي عبد الله صالح، الذي دام 33 عاماً، ولّى إلى غير رجعة، وأن مرحلة انتقالية جديدة قد بدأت.
بدء مرحلة جديدة
على مدى ثلاثة، وثلاثين عاما لم يشاهد الشعب تغييرا حقيقيا، أو تفعلت قنوات الديمقراطية، أو مورست جميع استحقاقاتها على الوجه الأكمل تلك الديمقراطية الشكلية كان الشعب قد ضاق بها ذرعا، واشتاق، وتشوق الكثيرون إلى الولوج في مرحلة جديدة، وعهد جديد بأشخاص جدد.
لذلك رأوا في انتخاب هادي فرصة للدخول في مرحلة جديدة خصوصا وأن الحل المتفق عليه قد نص على تشكيل حكومة وفاق تضم جميع الفرقاء السياسيين.
محللون سياسيون أعدوا نجاح عملية انتخاب رئيس انتقالي في اليمن بحدّ ذاتها نجاح لاتفاق التسوية العربية الخليجية، واعتبروها الخطوة الأولى في مسار طويل، ومتعرّج نحو الاستقرار، والسلم الأهلي، والإنماء الاقتصادي، والاجتماعي.
إذ في تلك المهمة تتساوى فرص النجاح والفشل، نظراً إلى ضخامة المهام الملقاة على عاتق الرئيس الجديد، وهشاشة الوضع في اليمن، ومحدودية الوسائل المُتاحة من سياسية واقتصادية، وعسكرية.
نجاح عملية انتخاب رئيس انتقالي في اليمن مثّلت نمطاً جديداً في تغيير الأنظمة السياسية يختلف عن مثيلاته في مصر، وتونس، وليبيا.
توافق سياسي
ظلت الأحزاب، والمكونات السياسية زمنا ليس بالقليل وهي تستنكر الاستحواذ المفرط من قبل نظام علي صالح على معظم مفاصل الدولة، وطالبت في عديد مرات بإيجاد حلول لمنح الفرص أمام الجميع لتولي المناصب العامة خصوصا، وأن النظام السابق كان يعتمد معيار الولاء للنظام، ويغفل جانب الكفاءة، والمهنية، والقدرة تلك الحالة كانت من أبرز المسببات لقيام الثورة الشبابية.
رأت تلك المكونات السياسية، والأحزاب المعارضة في انتخاب هادي سبيلا لتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص.
محللون اعتبروا ذلك موافقة جلية من المواطنين على تطبيق الحلّ العربي لأزمة اليمن، التي كانت قاب قوسين أو أدنى من حرب أهلية طاحنة وفوضى عارمة، وهم بذلك يدعمون الرأي القائل بأن في هذا الحلّ حقناً لدماء المواطنين وإفساحاً في المجال أمام حلول سلمية لصراعاتهم ومشاكلهم المعقدة والمتنوّعة.
انتصار ديمقراطي
ليس خافيا على أحد أن معظم الدول العربية المنتهجة نهج الديمقراطية لم تطبق الديمقراطية، بل ولم تسمح بتطبيقها، وقد رأينا عدة مرات كيف انقلبت تلك الانظمة على مخرجات الديمقراطية؟؟!!.
تلك الحالة جعلت الغالبية تطلق على تلك الانظمة مصطلح» أنظمة الديمقراطية الشكلية».
في اليمن لم يختلف الحال كثيرا إذ استقوى نظام صالح، وجعل من الديمقراطية عصا دستورية للاستقواء بها، والبقاء من خلالها حاكما.
غالبية المتطلعين، والحالمين بنظام ديمقراطي ارتأوا في تغيير النظام، وجلب أشخاص جدد إلى سدة الحكم بمثابة انتصار للديمقراطية.
محللون أكدوا أن غالبية الشعب اليمني عوِّل على نجاح الرئيس الجديد في الانتقال السلمي لليمن إلى حكم يسمح للمواطنين اليمنيين بممارسة حقوقهم الأساسية في الحرية الشخصية، وحرية التعبير، والمساواة، والعدالة الاجتماعية، وفي أقلّ تقدير أن يكون الحكم الانتقالي أقل استبدادية وأكثر انفتاحاً وتعددية من حكم صالح.
رجل دولة
لم يحصل أن توافق اليمنيون على رجل، وأجمعوا عليه مثلما اتفقوا حول المشير هادي كرجل مرحلة نظرا لما يمتاز به من مزايا جعلته محل اجماع اليمنيين.
من خلال خطاباته – قبل أن يتولى الحكم – وإن كانت قليلة أدرك اليمنيون أن المشير هادي يحمل عقلية مختلفة، وروحا، ورحابة صدر تجعله جديرا بأن يمسك أغلى، وأهم منصب في الدولة.
دار الحديث حول شخصه، وتحدث عنه من عرفه عن كثب، ونصحوا من بقي في قلوبهم نوع من التردد أن يثقوا بهادي، وأن يرشحوه رئيسا توافقيا لليمن فهو ذو مراس في السياسة.
تجربة سياسية
تقلد العديد من المناصب وتدرج فيها وعاش السياسة، والحكم، ومارسهما مبكرا.
تلك التجربة جعلته محل ثقة لدى اليمنيين بأنه الأجدر بالمنصب، والأكفأ، ولعل تلك الثقة من أبرز الدوافع لانتخاب هادي رئيسا.
ذاك الارتياح من شخص هادي، وتجربته جعلت شباب الثورة يقبلون به رئيسا طالما وهو يتبني مشروعهم التغييري، وانتشال اليمن والأخذ بيده ليتقدم، ويلتحق بركب الأمم المتقدمة.
تطمينات استشفها الشباب الثائر من خطابات هادي جعلتهم يرون في انتخابه انتصارا لثورتهم.
انتصار الثورة الشبابية
من أبرز ما يرنو إليه شباب الثورة ايجاد سياسيين مؤمنين بأهداف ثورتهم الحقة، وتبني أهدافها.
وجد شباب الثورة في تغيير رأس هرم السلطة مقدمة لتغيير رموز الفساد، والتخلص منهم فهبوا إلى انتخاب هادي .
إذ اعتبروا تغيير صالح تنفيذا، وتحقيقا لأول أهداف ثورتهم المتمثل في ازاحة، واسقاط علي صالح من سدة الحكم.
كثير من الشباب اعتبروا انتخاب هادي بداية البداية لانتصار ثورتهم، وتحقيق التغيير، وانتهاء التوريث الذي سعى نظام علي صالح لتنفيذه.
الجلوس على طاولة الحوار
تضمنت المبادرة الخليجية في أحد بنودها البارزة إقامة مؤتمر حوار وطني يضم جميع مكونات الشعب اليمني لوضع حلول لكل مشكلات اليمن.
اتفق الجميع على ذلك، وتم التوقيع على المبادرة الخليجية، وتعهد الرئيس عبد ربه منصور هادي بإقامة مؤتمر حوار شفاف يمثل جميع اليمنيين، وأطيافهم.
أشار الرئيس هادي إلى تلك المناسبة في أكثر من خطاب وطمأن اليمنيين بأن مؤتمر الحوار لن يستثني أحدا، وأن جميع مشكلات اليمن ستحل، وأن شكل الدولة، وتحديد النظام سيشملها مؤتمر الحوار.
أعد كثير من اليمنيين إقامة مؤتمر حوار نقطة أمل واسعة ينفذ من خلالها اليمنيون إلى واقع جديد جميع مشكلاتهم قد تضمنها مؤتمر الحوار ما جعلهم يقبلون على الانتخابات بكثافة.
المشير هادي واجه تحديات جمة لتأمين الفترة الانتقالية كما نص عليها اتفاق التسوية، خصوصا تلبية طموحات شباب الثورة، وإشراك جميع القوى السياسية في مؤتمر حوار وطني لصياغة دستور جديد للبلاد، وتوحيد القوات العسكرية والأمنية، بالإضافة إلى حلّ قضيّتَي الجنوب والتمرّد الحوثي ومواجهة تنظيم القاعدة.
إشراك مختلف القوى السياسية، الموالية منها، والمعادية لحكم الرئيس السابق، وحزبه الحاكم في العملية السياسية، والبناء الاقتصادي، والتنمية الشاملة كان يتطلّب حوارا وطنيا واسعا، والتوافق على إعداد دستور جديد يضمّ سائر القوى، والمحافظات، بما فيها الجنوب وسائر المناطق المتمردة أو الثائرة على السلطة المركزية السابقة وذاك ما حصل.
مؤتمر الحوار
في ظل نظام استفرد بالحكم، ونشبت في عهدة كثير اختلالات وعلى كافة الصعد، وظهرت نتوئات جمة، فتراجع الانتاج المحلي، واستشرى الفساد، وتدنت مؤشرات النمو الاقتصادي، وتقلصت فرص العمل، واستحوذ على المناصب قليل من المنتفعين الموالين للنظام، وتوسعت دائرة الفقر، وازدادت البطالة، وظهرت جرع سعرية متتالية أثكلت كاهل المواطن، وساءت حالة الشعب معيشيا، وأصبح ما يقارب من نصف الشعب على حافة المجاعة و و و.
تلك الكوارث جعلت الباحث عن حل لتلك المشكلات حائرا، وعاجزا، ويائسا من تغيير واقع مصنوع من قبل أعداء الوطن.
تبني المبادرة الخليجية إقامة مؤتمر حوار وطني أحيت الأمل لدى الشعب في ايجاد حلول شاملة لكل تلك المعضلات التي ساهم في ايجادها النظام السابق، فانتخاب هادي حمل معه تباشير عهد جديد عنوانه تصفير المشاكل، والانتصار للمواطن محور الاهتمام، ورأس مال الوطن.
انتصار الشعب
كل تلك العوامل مجتمعة رأى فيها الكثيرون مخرجا، وسبيلا للتغيير، وايجاد دولة تتبنى، وتعمل على ايجاد حياة أفضل ينعم فيها المواطن بالأمن، ويعيش بكرامة في ظل دولة تضمن الحقوق، وتحمي الحريات، وتعمل على ايجاد فرص عمل لكافة الشرائح، وتستوعب الجميع من منطلق اليمن يتسع للجميع.
دشن الرئيس هادي حملته الانتخابية ببعث رسائل ذكية فحواها اليمن ملك الجميع، واليمن لكل اليمنيين لذلك اعتبر كثير من رشحوا هادي أن انتخابهم له انتصار للشعب طالما، والرئيس يحمل مشروع التغيير، ويؤمن به وذاك ما أثبته الأيام.