أوام وبران.. كنوز سبأ المنسية

نجـــود عامـر “26 سبتمبر ”
شهدت اليمن على مر العصور العديد من الحضارات العريقة الضاربة بجذورها في القدم وماتزال آثارها حتى اليوم شاهدا حيا على عظمتها ومجدها وتنوعها، وهو مالم تحضى به غيرها من البلدان.
اليوم وبعد مضي اربع سنوات من الحرب، تبين أن مليشيا الحوثي الايرانية الصنع والمنشأ تسعى بكل السبل إلى طمس وتدمير معالم هذه الحضارة، من خلال العبث بالمواقع الاثرية، والمتاجرة بمحتوياتها خارجيا محاولة بذلك طي صفحاتها المشرقة ومحو اثارها وتغييبها من الذاكرة اليمنية المعتزة بأرثها التاريخي وحضاراتها العريقة، وأمام هذه الجرائم التي ترتكب بحق الأثار والمعالم التاريخية في مناطق سيطرة المليشيا يتوقع أن تكون المواقع الاثرية والمعالم التاريخية التي تقع في المناطق المحررة في الحفظ والصون والأمان بعيدا عن عبث العابثين والمتاجرين بتاريخ اليمن وحضارته.
ومن أهم هذه المعالم التاريخية والمواقع الاثرية التي ترمز إلى حضارة اليمن وتاريخه الموغل في القدم كنوز مملكة سبأ، والتي يتوجب أن تحظى بعناية فائقة واهتماما خاصاً كشواهد تاريخية وحضارية لليمن القديم، لكن للآسف الشديد هناك اهمال لهذه المعالم مما شجع أيادي العبث والتخريب أن تطالها «26 سبتمبر» زارت بعض هذه المعالم التي توقفت إعمال الصيانة والتنقيب في مواقعها واصبحت شبه مهجورة واجرت هذا الاستطلاع.
معبد بلقيس أو محرم بلقيس يقع بمحافظة مأرب ويعتبر أكبر معبد تاريخي قديم في الجزيرة العربية، وظل متنسكاً للسبئيين منذ أوائل الألف الأول قبل الميلاد وحتى القرن الرابع بعد الميلاد .
تشير المصادر التاريخية والأثرية إلى أن معبد أوام (محرم بلقيس) هو المعبد الرئيسي للإله (المقة) إله الدولة السبئية، حيث يقع المعبد على مسافة 10 كيلومترات إلى الجنوب من مدينة مأرب، ويطلق العامة على أطلاله ( محرم بلقيس)، حيث تدل المعلومات الأولية على أن تاريخ بناء هذا المعبد يعود إلى زمن المكرب السبئي «، والذي يدعى آل ذرح بن سمه علي « الذي قام بتسوير حائط المعبد. ويحتل معبد ( أوام ) مكانة مميزة بين بقية معابد الإله المقه سواءً تلك المشيدة في مأرب، أو تلك المنتشرة في أماكن بعيدة عن حاضرة الدولة السبئية .
وتمثلت هذه الأهمية بأنه كان رمزاً للسلطة الدينية في سبأ، وكان لازماُ على الشعوب والقبائل التي ضمت إلى الدولة السبئية زيارة معبد ( أوام ) وتقديم القرابين والنذور لإله المقب سيد ( أوام ) تعبيراً عن الخضوع والولاء للدولة السبئية.
وظل معبد أوام مكاناً مقدساً تمارس فيه العبادات إلى بداية النصف الثاني من القرن الرابع الميلادي، ويبدو أن المعبد هجر بعد ذلك، وهو ما يتوافق مع ظهور العبادات ( إله السماء والأرض ) وعبادة الرحمن ( رحمنن ).
هندسة فريدة
كشفت التنقيبات الجزئية التي أجرتها المؤسسة الأمريكية لدراسة الإنسان والتي نفذتها بعثة برئاسة وندل فليبس العام 1951 – 1952 عن المخطط الأولي لمعبد أوام، والذي أظهر أن المعبد يتكون من سور بيضاوي، حيث تقدر أبعاد المنطقة الواقعة داخل السور بـ 100 متر طولاً و 75 متراً عرضاً، وإرتفاع السور بين 9- 9.50 متر، وسمك جدار السور ما بين 3.90 متر إلى 4.30 متر، ويوجد في الجهة الغربية منه انقطاع في بناء السور بعرض 88 سم وهو بمثابة باب في تلك الجهة، بينما يوجد المدخل الرئيسي للمعبد في الجهة الشمالية الشرقية من السور، ويتكون هذا المدخل من فناء مستطيل أبعاده 23.97 × 19.15 متر، والفناء محاط بأعمدة حجرية يبلغ طولها ما بين 5.30 – 4.95 متر، وللمدخل باب واحد يؤدي إلى داخل الفناء البيضاوي، وله ثلاثة أبواب تطل إلى الخارج على بناء آخر، وحائط المدخل مزين بزخارف على شكل نوافذ وببعض الأشكال الهندسية المتنوعة.
وقد عثر أثناء التنقيب على عشرات النقوش وعلى مجموعة من التماثيل، كما عثر أيضاً على عدة ألوان ومناضد حجرية مزخرفة.
معبد بران
عرش بلقيس أو معبد بران يعد الموقع الأثري الأشهر بين آثار اليمن، ويقع على بعد 1400 متر إلى الشمال الغربي من محرم بلقيس وهو معبد سبئي كرّس لإله القمر «إلمقه» ويلي معبد أوام من حيث الأهمية ويعرف محلياً «بالعمايد».
وقد ظل هذا المعلم حتى العام 1988م تغطيه كثبان الرمال المحيطة به، إلى أن كشف عن تفاصيله المدفونة تحت الرمال نتائج التنقيب الأثري، فوجد أن المعبد يتألف من وحدات معمارية مختلفة، أهمها قدس الأقداس والفناء الأمامي وملحقاتهما، مثل السور الكبير والمبني من الطوب والمنشآت التابعة، وتطورت العناصر المعمارية لمعبد بران في حقب زمنية مختلفة منذ مطلع الألف الأول قبل الميلاد، ويبدو أن المعبد مكون من وحدة معمارية متناسقة يتقابل فيها المدخل الرئيسي والساحة مع المدرج العالي بشكل يوحي بالروعة والجمال وعظمة المنجز.
وتجدر الإشارة إلى أن العرش شهد عملية ترميم واسعة وعلى مدى أربعة مواسم متتالية إبتداءً من عام 1997م إلى 2000م من قبل المعهد الألماني للآثار وبهذا أصبح المعبد مهيئاً لاستقبال السياح.
اهتمام عالمي
شكلت الكنوز الأثرية لمملكة سبأ قبلة للزوار والمؤرخين والرحالة من شتى بلدان العالم منهم عدد من الرحالة الأوربيين أمثال ارنود عام1843
وهالفي عام 1870ودوارد جلازر عام 1888 وهوأول من قدم وصفا للمعبد ونسخ أربعة نقوش سبئية كانت مثبتة على الأجزاء الجنوبية والشرقية من جدار الحرم الدائري المكشوف.
كما كان نزيه مؤيد العظم هو أول من قام بتصوير المعبد عام 1943، وفي العام 1947 زارها عالم الآثار المصري أحمد فخري وقام بتصحيح بعضا من أوصاف جلازر للمعبد ورسم مخططا تقريبيا للمعبد وقدم أوصافا دقيقة للأجزاء الداخلية للمعبد التي تمكن من مشاهدتها ونسخ عددا من النقوش الموجودة على جدار الحرم الدائري للمعبد.
أعمال تخريبية
في زيارة قمنا بها إلى معبد «أوام» التقيت العقيد بشير سيف السامعي رئيس شعبة المتاحف بدائرة التوجيه المعنوي، وقد تحدث إلينا وهو يشير إلى قطعة حجرية قائلا «هذا نقش وجزء من قطعة حجرية من الرخام تم دفنها وإخفائها بعد انتهاء الموسم الثاني لأعمال الحفريات الاثرية التي قمنا بها في آخر موسم من العام 2006لكن أيادي العابثين وصلوا إليها وكانت كأنها جاهزة للخروج من المعبد» مضيفا «زرت المعبد قبل حوالي شهر وانتبهت لوجودها و قمت بتصويرها وإخفائها مجددا بوجود وعلم حارس المعبد بعد أن عاتبته على تقصيره، ونتمنى أن نجدهما في هذا المكان حيث تم اخفائهما
خوفا من اللصوص وسرق ونباشي الآثار الذين يصولون ويجولون مترددين على المعبد وغيره من المعالم والمواقع الاثرية التي تزخر بها المحافظة بهدف الاتجار بأثار اليمن وليس بعيد أن يكونوا هؤلاء موجهون من قبل جماعة الحوثي المستفيد الاول من ازالة ومحو تاريخ اليمن.
هـــل مـــن رادع؟!
يقودنا العقيد السامعي إلى بهو المعبد مشيرا إليه وهو يتحدث « وهذا نموذج آخر في إحدى الجدران الداخلية السفلية لبهو المعبد لم يسلم من عبث لصوص وتجار الاثار الذين جعلوا من المعبد هدفا للنبش والتدمير والتخريب والطمس لآثار وتاريخ وحضارة اليمن دون أن يجدوا من يردعهم أو يوقفهم عند حدهم وهؤلاء معدومي الضمير والانسانية، تنقصهم الوطنية والانتماء لهذا الوطن بينما كنت استمع، ظهرت في وجهه علامات الحدة والحسرة وهو يتحدث غيرة على تراث اليمنيين المعرض للطمس والتشويه والتخريب، ليختم حديثه بمناشدة للسلطات المحلية في التدخل العاجل لإنقاذ ما يمكن انقاذه ودعوة المنظمات الدولية لتستكمل جهودها في كشف هذه المعالم وابراز قيمتها التاريخية.
تــــدهـــور فــــضـــيع
صادفنا زائرا آخر في عرش بلقيس تبدوا عليه ملامح الاندهاش يدعى عبدالله محمد يقيم حاليا في مدينة مأرب وحين طلبنا منه الحديث معه بهذا الخصوص أجاب قائلا « زرت العرش أكثر من مرة آخرها كانت قبل ستة أشهر تقريبا، لكنني الحظ المكان الآن وقد تدهور بشكل مخيف فهناك أماكن بدأت بالتهالك، وأماكن أخرى أصبحت أشبه ما تكون باللوكندات والحمامات العامة ففي كل زاوية من العرش تجد البراز وآثار البول، أما الأعمدة الشهيرة عالميا و كثير من الجدران محفورة بالذكريات كماترونها وهو مايعكس منظرا غير لائق لهذه الآثار»
موضحا « انصدمت بهذا التغير المتسارع والإهمال الكبير، وحراس العرش يفرضون على الزوار مبلغا ماليا دون تقديم أي خدمة أو نظافة أو مراقبة للزوار» مختتما حديثه بتوجيه دعوة للمعنيين في الإسراع بوضع حد لهذا التدهور كمايقول.
عدسة الكاميرا
من جهته عبر لنا المصور هشام أحمد بلغة الصورة فحين بادرناه بالحديث التقط كاميرته وراح يستعرض أمامنا جملة من الصور التي التقطها للمعبد والتي أظهرت تدهورا واضحا في المظهر العام للمكان وفي معالمه الأثرية، معلقا على ذلك بأنها مشكلة كبيرة لا يجوز السكوت عنها.
إهمال كبير
الناشط في التراث الثقافي محمد حسن يقول ل26سبتمبر «هناك إهمال كبير من قبل الجهات الحكومية تجاه هذه المعالم السبأية التي تعد من روائع الأرث التاريخي للحضارة الانسانية، مشيرا إلى أن معبد أوام « لم يتم تسويره بشكل يليق بمكانته الحضارية، فهو محاط بشبك حديدي خفيف لايساعد على حمايته بقدر ما يسهل عملية سرقة مقتنايته بكل سهولة في ظل انعدام الحراسة الأمنية إلا من حارس واحد يعاني من انقطاع راتبه منذ عشر سنوات» .
وأكد حسن لــ»26سبتمبر» بأنه حان وقت اطلاق مبادرة لإنقاذ هذه المعالم من قبل الحكومة والسلطات المحلية في مأرب، ودعوة المستثمرين والتجار لتوجيه استثماراتهم في هذا القطاع بإشراف السلطة المحلية في المحافظة.


