تقارير

ظــلم.. وخــيانـة.. ثم ثـــورة

الطغاة فيه يقتلون لكي يحكمون، ويستعبدون لكي يسودون، والعبيد يتجملون لكي يتسلقون،

ويخونون لكي يتشفون، والأحرار للإنسان ينتصرون، وللأوطان يُضحون

بلال الطيب –  “سبتمبر نت”

بعيداً عن الشمول الذي تعمل له، وتسعى إليه الثورات المنظمة، ورغم الجهل المُدقع، والعُزلة المُفرطة، اللذين فرضا على هذا الشعب، بدأ فكر الثورة والتمرد يتسلل إلى العوام، وقامت بالفعل حركات فلاحية مُسلحة ضد حكم الإمامة، وهي على كثرتها لم تحظَ بالدراسة والتوثيق، إلا ما ندر، صحيح أنها لم تكن ترمي إلى إحداث تغيير جذري في النظام، إلا أنها وهو الأهم هزت عرش الطغاة، ومهدت لزوالهم.

مؤتمر العماقي

بعد هزيمتهم في الحرب العالمية الأولى، خرج بعض القادة الأتراك من اليمن وهم يشيدون ببطولة الإمام يحيى، وشراسة مُقاتليه، الأمر الذي أثار الخوف والرهبة في قلوب مشايخ «اليمن الأسفل»، فتداعوا لعقد مؤتمر يقررون فيه مصير مناطقهم، التقوا أواخر «أكتوبر» من العام «1918» بـ«العماقي»، إحدى قرى منطقة الجند السهلية، وهناك اتفقوا على تشكيل حكومة لا مركزية، لا ترتبط بصنعاء إلا بالأحوال الاستثنائية.

في الوقت الذي انفردت فيه وثيقة بريطانية بالإشارة إلى نجاح ذلك المؤتمر، وأنَّ المُجتمعين اختاروا محمد ناصر مقبل رئيساً لهم، لما يمتلكه من أسلحة تركية تمكنه من المقاومة، أجمع المؤرخون اليمنيون على فشله، إلا أنهم اختلفوا حول الأسباب؛ فـ«المجاهد» قال أن المشايخ اختلفوا حول اختيار السيد أحمد علي باشا «المتوكل» رئيساً للحكومة؛ وأرجع «الأكوع» ذلك، إلى تغيب محمد ناصر الصراري عن الحضور، أما «مطهر»، فقد اتهم المشايخ بالتنافس على الزعامة والتصدر، وأن ذلك كان من أقوى أسباب فشلهم، فيما يعزوا «يحيى منصور» ذلك الفشل، إلى دعوة محمد ناصر مقبل للدخول في طاعة الإمام.

تدخل حينها القاضي علي بن عبدالله الأكوع، ونصح أولئك المشايخ بالدخول في طاعة الإمام يحيى، وقيل أن الأخير استدعاهم إليه، وبالفعل توجه وفد منهم إلى صنعاء، التقوا بالإمام يوم دخوله المدينة، «19نوفمبر 1918»، رحب بهم أيما ترحيب، وقدم لهم الوعود بإبقائهم في مراكزهم، وأعفاهم من أي استحقاقات مالية، إن هم دخلوا في طاعته.

تصدر ذلك الوفد، أحمد علي باشا، الذي عينه الإمام حاكماً للواء تعز، كونه «قاسمي» من أسرته، ويرجع نسبه لأحمد بن «المتوكل» قاسم بن الحسين، الذي كان أميراً لتعز ذات زمن، وتوفى فيها «1750»، وبقيت فيها ذريته، وهم من يعرفون بـ«بيت الباشا».

وضم الوفد القاضي عبدالرحمن الحداد، والعلامة إسماعيل باسلامة «عامل إب» من قبل الأتراك، وقد أبقاه الإمام يحيى في منصبه، وضم الوفد أيضاً، أربعة من أولاد الشيخ علي عبدالله سعيد، من مشايخ العدين، والشيخ محمد عبدالوهاب، من مشايخ إب، والشيخ محمد عبدالواحد، والشيخ علي ناصر الكمراني نائباً عن الشيخ محمد ناصر مقبل عامل «القماعرة»، والشيخ محمد عايض العقاب، من مشايخ حبيش.

وناب عن الحجرية في ذلك اللقاء، الشيخ عبدالواسع نعمان، الذي حظي بـ«إقبال مولانا الإمام وإسعاده، ونال الالتفات الكلي»، حد توصيف المؤرخ عبدالكريم مطهر، وقد عينه الإمام يحيى حاكما على الحجرية، وأرسل معه «200» عسكري من خولان، يساعدونه في ضبط أمورها، وعين أخاه الشيخ عبدالوهاب نعمان عاملاً للقضاء.

حصول الاضطراب

لم يكن ذلك الوفد مُمثلاً لغالبية سكان «اليمن الأسفل»، الذين لم يكونوا يرغبون أصلاً بالانضمام إلى حكم الإمامة، بل أن بعض أولئك المشايخ لم يكونوا راضين عن ذلك الإلحاق، لتبدأ بعودتهم إلى مناطقهم الاضطرابات، وقد كانت «القماعرة» أولى القبائل المُتمردة، بقيادة شيخها «مقبل»، وفي ذلك قال «مطهر»: «بلغ إلى مولانا الإمام حصول الاضطراب في جهات اليمن الأسفل، وعدم ثبات أقدام الذين توجهوا من المقام الشريف بعد أخذ العهود عليهم، فوقف أكثرهم موقف المُتردد».

وفي المقابل، وكما تشير الرسائل الإخبارية التي بعث بها المقيم السياسي في عدن إلى المندوب السامي في القاهرة، عمل بعض المشايخ على الاتصال بالإنجليز، مثل عبدالله عبدالرحيم قاسم، وأحمد أمين قاسم، وهما من مشايخ الحجرية، وقد طالبا الإنجليز مساعدتهما ضد عبدالوهاب نعمان، فيما حظي الأخير بدعم الشيخ عبدالحق الأغبري، بعد أن راسل الانجليز ليتأكد من مسلك حكومتهم تجاه اليمن.

كما راسل الإنجليز الشيخ عبدالله عبدالوهاب، من مشايخ إب، والشيخ عبدالرب المعماري، من الحجرية، فيما طالب الشيخان ناجي صالح الفتاحي «الدريجة»، ومحمد ناصر «المخا»، الحماية الإنجليزية صراحة لا تلميحاً.

فور تلقيه تلك الأنباء، سارع الإمام يحيى بإرسال «1,000» مقاتل، بقيادة أحمد قاسم حميد الدين، ليتضاعف عددهم مع مرورهم من مدينة إب، وما إن دخلوا مدينة تعز أواخر «ديسمبر 1918» حتى قاموا بنهب مخازن الأسلحة في «قبة الحسينية» وغيرها، وفي ذلك قال «مطهر»: «وحصل من المجاهدين في تلك الأثناء الإقدام إلى انتهاب المؤنة من مخزنها في تعز، وكانت شيئاً كثيراً.. فكان ذلك من أسباب فشلهم، وسقوط هيبتهم من القلوب».

وحين امتدت أيادي أولئك العسكر على منازل المواطنين، وقاموا بالاعتداء عليها ونهبها، استنجد المتضررون بمشايخ «جبل صبر، والأفيوش»، فأمدوهم بالمقاتلين، بالتزامن مع وصول إسماعيل الأسود أحد الضباط الأتراك قادماً من ريمة، ومعه عدد من الجنود، سلم الأسلحة التي بحوزته لثوار تعز، وشاركهم حربهم ضد المتفيدين، وأجبروهم على مغادرة مدينة تعز بعد أسبوع من مقدمهم، أما «الأسود» فقد مضى في طريقه إلى عدن، وهناك سلم نفسه للإنجليز.

في تلك الأثناء، أعلن الشيخ محمد عايض العقاب تمرده في حبيش، هجم وعدد من أبناء قبيلته على العساكر الإماميين المتواجدين هناك، قتل منهم عشرة، وقيل أكثر، وحاصر الباقين ومعهم قائدهم عبدالله يونس في مركز الناحية «ظَلْمَة»، لتصل بعد ثلاثة أشهر قوات أخرى، بقيادة عبدالله قاسم حميدالدين، صحيح أنها لم تكبح جماح «ثورة العقاب»، إلا أنها أنقذت المحاصرين، ثم لاذوا جميعاً بالفرار.

تسللت الثورة إلى وصاب، المجاورة لحبيش، رفض أهلها الدخول في طاعة الإمام يحيى، فما كان من الأخير إلا أن أرسل بـ«2,000» مقاتل، ومدفعين لإخضاعها، بقيادة يحيى الذاري، وما إن حلَّ ذلك الجيش بعتمة، حتى وصلته تعزيزات جمة، بقيادة عبدالله أحمد الوزير.

يقول «مطهر»: «كان التقدم من الأجناد الإمامية إلى وصاب العالي بعد الإعذار والإنذار، ودوام إرسال النصائح لأهله، وجوابهم المرة بعد المرة بأقبح الجواب، وإصراراهم على العناد، والبقاء على الارتياب».

كان هجوم الجيش الإمامي على «وصاب» من جهتين، استبسل الثوار بادئ الأمر بالدفاع والمقاومة، وكان صمودهم اسطوري، ولولا نفاذ الذخيرة؛ ما انتصر الغزاة؛ وما وصلوا إلى «الدَن» مركز الناحية، وفي المقابل كان وصف «مطهر» لتلك الجحافل مبالغاً فيه، فهم حد وصفه «هاجموا البغاة إلى مواقعهم، ولم يهابوا رصاص بنادقهم، ولا تكاثفهم، وتساندهم».

تشير الذاكرة الشفهية في وصاب إلى كثرة قتلى الجيش الإمامي في تلك المعارك، فيما لم يشر «مطهر» إلى ذلك، إلا تلميحاً، «استشهاد جماعة، وجرح جماعة»، هكذا قال، ولا ندري أي رقم ينضوي تحت هذه «الجماعة»؟ أما كلامه عن الثوار، فقد كان مقززاً، ولا نعرف مدى صحته؛ كون «الذاكرة الوصابية» لم تؤرخ لذلك، يقول «مطهر»: «وقتل من الباغين ما ينوف عن ثلاثين قتيلاً، وحزت رؤوس بعضهم، وأرسلت الرؤوس إلى بعض النواحي، ووصل منها إلى إب عدد، وجرح منهم كثيرون، وأسر منهم عدد غير يسير».

في تلك الأثناء، عاد الشيخ نور الدين محمد حسان إلى اليمن، بعد أن أجبره الأتراك بقيادة إلياس الجركسي على مغادرتها، بعد تمرده عليهم، ليدخل فور وصوله بصراع مع علي عثمان «عامل المخا»، والسبب؛ رغبته في الاستحواذ على الأسلحة التي استبقاها الأتراك عند الأخير، كما دخل في صراع مع «آل النعمان»، ليتوجه بعد ذلك هو ومجموعة من المشايخ المهادنين صوب صنعاء، بايعوا الإمام يحيى، وطالبوه بمدَّ سيطرته على المناطق الشافعية، وتعيين علي الوزير حاكماً عليهم، في الوقت الذي كان فيه الإمام قد استعد لذلك، وهيأ عساكره للانقضاض على الأرض الخصبة، والإنسان المُسالم.

«ثورة حبيش» كانت ذريعة ذلك الغزو بصورته الفظيعة، وقع الاختيار حينها لـ علي عبدالله الوزير حفيد الإمام محمد عبدالله الوزير أن يكون أميراً للجيش، وصدر الأمر المتوكلي إليه، بتأديب المخالفين من أهل حبيش، وإصلاح جهات «اليمن الأسفل» قاطبة، وضمها بالقوة لحضيرة دولة الإمامة، وقال له الإمام: «حبيش.. وبس».

خرج علي الوزير «الذئب الأسود» هكذا كانوا يلقبونه خرج من صنعاء ومعه «2,000» مقاتل، وعدد من المدافع، وما يحتاج إليه من عدة الحرب، وما إن وصل إلى «المخادر» حتى بدأ بمراسلة الثائر «العقاب» وأصحابه، عارضاً عليهم الاستسلام، وقد رد الأخير عليه بأن أرسل له أربع طلقات من الرصاص، فما كان منه إلا أن تقدم إلى «عزلة المشيرق»، وهناك باغته الثوار، وفرضوا عليه الحصار.

دارت بعد ذلك مناوشات محدودة، أنهكت «ابن الوزير»، وأنهكت عساكره، خاصة وأن ما يصلهم من الطعام، كان قليلاً، يقول «مطهر»: «استغنى المجاهدون بما وصل إليهم من ذلك يقصد الطعام فانتظم أمرهم، وكان ذلك من العناية الإلهية بالجند الإمامي، وبركة من بركات مولانا الإمام، التي ما زالت عن طور التجلي للأعين في كل واقعة ومعركة، فكم سرد الواضعون أفرادها، وأطال المشاهدون تعدادها، حتى أنك لا ترى جندياً أو أميراً إلا وهو يقول: لولا سعادة مولانا الإمام وبركاته، لما تم شيء من الظفر، ولا حصل من النصر ما يذكر».

ثمة مثل شعبي يقول: «ما تكسر الحجر إلا أختها»، وهو ما عمل عليه «الذئب الأسود» حين استعصت عليه حبيش، أستعان بالشيخين حمود عبدالرب، ومحمد عبدالوهاب، اللذين خانا «العقاب»، وتنكرا للجوار، وللعيش والملح، وساهما وبعض رعيتهما في إذلال الثوار، وقد كانت لهما مهمة احتلال «جبل العقاب»، والتضييق على سكانه، والاستيلاء على منزل الثائر محمد عايض، وقد كوفئ «حمود» بأن ولي عمالة قضاء العدين، فيما كانت عمالة حبيش من نصيب الثاني.

أدت تلك الخيانة إلى انكسار الثوار، وهزيمتهم، وهروب قائدهم، بعد ستة أشهر من المقاومة «مايو 1919»، استبيحت بعدها بلادهم، وعاث فيها الغزاة نهباً وخراباً، يقول «مطهر»: «وتقدم المجاهدون في عزل بلاد حبيش، إلى أن وصلوا إلى ظَلْمَة، وأحرقوا أكثر الدور وانتهبوها، وتم للمجاهدين اجتياز ما مسافته نحو أربع ساعات فلكية من البلاد المخالفة. وقتل منهم كثيرون، وأسر أيضاً منهم جماعة، وأخذت رؤوس بعض القتلى، وفرَّ الباغي محمد عايض العقاب».

ثم يمضى «مطهر» في نقلة لتلك الجرائم، مزهوا بانتصار الغزاة، وبما أخذوه من غنائم، إلى أن قال: «وغنم المجاهدون منهم غنائم واسعة، وكانت وقعة عظمى، أذهبت أحلام المترددين، وشفت قلب الدين، وقرت بها عيون المؤمنين، وأيقظت ذوي الغفلة من رقدة تقاعدهم عن الموالاة الصادقة، واهتز لها اليمن الأسفل من جميع جهاته».

عمد علي الوزير بعد ذلك على تخريب حصون الثوار، كحصن «عيال إبراهيم»، وغيره، ليفد إليه أثناء مكوثه في «ظَلْمَة» عدد من مشايخ «اليمن الأسفل»، وقد «أظهروا الانقياد والندم على ما كان يبدر منهم من الميل إلى العناد»، حسب توصيف «مطهر» أما أهالي إب فقد انفردوا كما أشار ذات المؤرخ بـ«الثبات على الموالاة، وإعانة المجاهدين السابقين والتالين بالكفايات من الطعام وغيره».

يقول أحد شعراء الإمام:

ولما طغى في أصاب وجاهروا

ببغيٍ دهاهم للحتوف مثيرُ

فسل عنهم يوم انهزام جموعهم

وقد قطعت رؤوس وأحرق دور

وسل عن حبيش حين زاغ عقابه

فمالت عليه بالدمار صقور

وطار بمن ساواه في البغي هائماً

وما ضمه بعد البوار ذكور

فباءوا بإثم البغي بعد ندامة

وهبت عليهم بالهلاك دبور

وتوالت الثورات

في أواخر العام «1919»، وعبر بوابة العدين، توجه «الذئب الأسود» صوب مدينة تعز، لم يكد يحط رحاله في منزل أحمد علي باشا «المتوكل»؛ حتى فاجئه بعض أبناء «جبل صبر» بثورة هدَّت كيانه، قطعوا المياه عن المدينة المُحتلة، وقاموا بهجوم كبير على الحاميات الإمامية فيها، قتلوا من قتلوا، وأتبعوا هجومهم بتدمير عدد من الثكنات العسكرية التي بناها الأتراك، كي لا يستفيد الغزاة منها، ثم أدلفوا راجعين إلى الجبل، مُحتمين بتحصيناته المنيعة.

استشاط «الذئب الأسود» غضباً، استباح «جبل صبر» لثلاثة أيام، ووجه عساكره المتعطشين للفيد إلى قراه المتناثرة، فعاثوا فيها نهباً وخراباً، ولأن المقاومين لم يكونوا منظمين ومنظوين تحت قيادة واحدة؛ سهل اختراق صفوفهم، وتفريق شملهم، وفي ذلك قال «مطهر»: «اقتحم العسكر الإمامي ذرى الجبل، وتوغلوا في شعابه، واحتوى الجند على غنائم عظيمة، وأموال جسيمة، وكثرت منهم القتلى يقصد الثوار واحتزت منهم رؤوس، ونزل بساحتهم جزاءً لبغيهم مرارة البؤس».

وقد كان لتلك الواقعة كما أشار ذات المؤرخ «صدىً، أقام ناموس الهيبة، وأسكن في النفوس المترددة من الطاعة معنى الخيبة، فأقبل الناس إلى الطاعة أفواجاً، وأمتلأ مقام الأمير بالرؤساء والمشايخ، وبذلوا الرهائن المختارة، وانقادوا».

هناك مقاومة عفوية فرضتها تلك المرحلة، وتصدرها بعض ثوار الجبل المجهولين، لم يشر إليها وإليهم مؤرخو الإمامة، ولا غيرهم، حتى الذاكرة الشفهية نفسها طغى عليها طابع الشكوى والتذمر، ونقل تفصيل الجرم الإمامي باستفاضة بالغة، دون الإشارة لأولئك الأبطال، وأفعالهم المُشرفة، وكواحد من أبناء الجبل، تعبت كثيراً في استحضار تلك التفاصيل، أكتفي هنا بنقل حادثة استثنائية، حصلت بالقرب من قريتي، كمثال لحوادث أخرى قد تكون مشابهة.

تقول الحادثة: عشرات من أولئك العسكر المتوحشون مروا على قرية «المساحين سيعة»، تاهوا في مزالقها، رمقهم المواطن الثائر راجح محمد المحيا، من شرفة داره المُطل، اصطادهم ببندقيته الواحد تلو الآخر، جمع جثثهم في مكان ضيق، وقام بهدم أحد الجدران الكبيرة عليها، تكفلت تلك المخلفات بطمر معالم الحادثة، ولم يسأل عنهم حتى اللحظة أحد.

عمل «الذئب الأسود» بعد ذلك على إذلال «جبل صبر» وساكنيه، أخذ ما بحوزتهم من سلاح وذخائر؛ كي لا تدور عليه من قبلهم الدوائر، وقد جعل من منطقة «صهلة» مقراً له، بعد أن طرد معظم سكانها وسكان القرى المجاورة، وغير اسمها لـ«دار النصر»، وما هي إلا أسابيع معدودة، حتى قام أبناء «صنمات» سناتي على ذكر ثورتهم بقتل «40» فرداً من عساكره الأجلاف، في حادثة أهتز لها الجبل، من ذروة رأسه حتى أخمص قدميه.

توالت خلال العام «1920» الثورات على «الذئب الأسود»، وفي العدين تمرد أهالي «العاقبة، وجباح» سناتي أيضاً على ذكر ثورتهم ليتوجه أواخر العام التالي، وبعد إخماده «ثورة المقاطرة» صوب القبيطة، وكانت أطراف تلك الناحية حد توصيف «مطهر»: «مُهملة عن الإصلاح، عريَّةٌ عن الضبط التام الضامن للفلاح»، في البدء أرسل إليها بحشد من العساكر، ومعهم أحد المدافع، بقيادة عاملها محمد أحمد نعمان، وحين لم يستطع الأخير إخضاعها، تم تعزيزه بـ«5,000» مقاتل.

غالبية تلك التعزيزات كانت من قبيلتي «حاشد، وبكيل»، بقيادة حسن قاسم الوزير، أما رعايا «اليمن الأسفل» المنضمين إليها، فقد كان أغلبهم من العدين، بقيادة حمود عبد الرب، وآخرين، وحين طالت مدة بقائهم، دون إحراز أي تقدم، تم تعزيزهم بقوات أخرى، بقيادة عبدالله يحيى عبدالجليل، وابن أخيه علي همام، وقد لقي الأخير حتفه هنالك، لاحقاً بولده محمد، الذي قتل قبل بضعة أشهر في «قلعة المقاطرة»، وفقدت جثته في أحراشها.

بمعاضده من أهالي «الصبيحة، والحواشب»، صدَّ ثوار القبيطة الزحوفات الإمامية أكثر من مرة، ولم يتمكن الغزاة من اقتحام «قلعة المنصوري»؛ إلا بعد أن قدموا عشرات الضحايا، وفي ذلك قال «مطهر»: «فطال العراك، وعظُم الاشتباك، وحمى الوطيس، وتيسر للمجاهدين بعد أهوال اقتحام القلعة»، ليعمدوا بعد ذلك على نسفها، ولولا الأمراض التي فتكت بهم، لطال بقائهم في ضواحيها.

في تلك الأثناء، قرر علي الوزير الهجوم على الحواشب من جهة ماوية، وكلف نور الدين محمد حسان بذلك، كان مع الأخير «500» مقاتل، جلهم من جبل حبشي، أشاد بهم «مطهر» بقوله: «وقد كان لهم في وقائع المقاطرة أثرٌ حسن، وإقدامٌ متقن»، كما تم تعزيزهم بطائفة من الجند النظامي، تدخلت حينها الطائرات الإنجليزية بداية العام «1922»، أصلتهم بقذائفها، قتلت من قتلت، وولى من تبقى الأدبار.

بالرغم أن باقي مناطق تعز لم تكن مُستعصية، ورضخت من الوهلة الأولى لحكم الأمير، إلا أن ذلك لم يشفع لها، استمر بإرسال الحملات العسكرية لإذلال المواطنين، وعمل عساكره على اختلاق المعاذير لابتزازهم، ونهب ممتلكاتهم، واتخاذ منازلهم ثكنات ومقرات لهم، وقد كان «الوافد الغريب» مجاهداً في سبيل الله، بينما «الرعوي المسكين»، ابن البلد، واحداً من «إخوان النصارى»، يستحق كل ما يجرى له.

ومن أظرف ما يروى، أن هؤلاء العسكر كانوا يشقون سراويل النساء، ويلبسونها مثل الثوب، ويستخدمون أردية الرأس النسائية «المقارم» مثل الشيلان على رؤوسهم، وأكتافهم، حتى المساجد والمدارس التي تعود إلى العهد الرسولي لم تسلم من أذيتهم، كسروا زخارفها وقبابها بحثا عن الكنوز، ومزقوا مخطوطات مكتبة الأشرفية، وأتلفوا مئات الكتب.

لم يكتفِ «الذئب الأسود» بذلك، بل حارب وبإذن من سيده تجار «اليمن الأسفل»، انتزع التجارة الخارجية منهم، وسلمها لوكلاء مقربين منه ومن الإمام، وصارا المُتحكمان الرئيسيان فيها، والمحتكران الوحيدان للمربح منها، الأمر الذي جعل رأس المال المحلي المتواضع، يفر إلى عدن، ودول القرن الإفريقي، وبعض دول شرق افريقيا.

اغتيال الذئب

كان لسقوط المقاطرة، والتنكيل بسكانها، أثره البالغ في تنامي ردة فعل الغضب الشعبي تجاه السلطات الإمامية الغاشمة، بل أنَّ بعض المشايخ ممن ساهموا في ذلك السقوط، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة سيطرت عليهم عقدة الذنب، وبدأوا يفكرون جدياً في استقلال «اليمن الأسفل»، وخططوا في «فبراير» من العام «1923» لاغتيال علي الوزير، إلا أن محاولتهم باءت بالفشل، بفعل الجواسيس الذين رافقوا تحركاتهم خطوة خطوة.

كان الشيخ عبدالوهاب نعمان المُتبني الرئيس لتلك الحركة، وقائدها الفعلي، وقد أتهمته السلطات الإمامية حينها، بدعمه لثوار المقاطرة، وبأنه استغل تذمر العامة من عملية إسقاطها، فأظهر طموحه السياسي بحكم قضاء الحجرية، وعزز ذلك، بعقده اتفاقيات صداقة مع سلاطين الجنوب، وبتواصله المُستمر مع عدد من مشايخ «اليمن الأسفل»، لحثهم على التخلص من «ابن الوزير»، وإعلان الاستقلال.

وفي المقابل، هناك من يرى بأن الإمام يحيى، هو من زرع الفتنة بين عبدالوهاب نعمان، وعلي الوزير، ليكسر شوكة الأول، ويضعف شعبية الأخير، وقد وجه فعلاً بالقبض على «عبدالوهاب»، قبل محاولة الاغتيال الفاشلة، والسبب؛ الاتهامات السابق ذكرها، والتي وصلت إليه من قبل جواسيسه في الحجرية، الذين كانوا من بعض أبنائها.

الرواية الرسمية المتوكلية لم تؤكد ذلك أو تنفيه، قالت أن الأمير استبقى «عبدالوهاب»، وعددا من المشايخ بالقرب منه، ولم يأذن لهم بمغادرة مدينة تعز حتى يدفعوا ما عليهم من متأخرات زكوية، وأن الأخيرين حين طالت مدة احتجازهم، خططوا لجريمتهم تلك، حاولوا شراء ذمم بعض العسكر، وعلى ألسن هؤلاء افتضح أمرهم.

أمام تلك الاستدلالات الماثلة، صارت الفرصة مواتية لـ«ابن الوزير»، للقضاء على خصومه بضربة واحدة، وبالمكر والخديعة قبض عليهم، وكان الشيخ عبدالله يحيى الصبري حسب رواية حفيده أمين علي الضباب أول الضحايا، كونه من سكان «جبل صبر»، ومنزله قريب من «دار النصر».

تم بعد ذلك القبض على عبدالوهاب نعمان، وحمود عبد الرب، وأحمد حسن باشا، وهم من مشايخ العدين، وعبدالملك حسن بشر، وعبدالله يحيى عبد الجليل، وبعضاً من إخوانه وأولاده، والجنيد عبدالله النور، من مشايخ «جبل رأس»، وقد أتهم الأخير بأنه صاحب مشورة قتل الأمير بالسم بدلاً من الرصاص، وذكر المحققون أنهم وجدوا أداة الجريمة في متاعه، وقد وجه الإمام يحيى بعد ذلك، بـ«قبض دورهم، والاحتياط بما فيها، ليكون من ذلك تدارك ما في ذممهم من أموال الله».

أقتيد المتهمون إلى صنعاء، مكبلين بالأغلال، في رحلة أستمرت ثمانية أيام، لاقوا فيها الكثير من الأهوال، أشنعها تقريع العساكر، وسباب العوام، ويحفظ لنا «الموروث التعزي» غنائية حزينة، صورت ذلك المشهد، جاء فيها:

في ليلة الاثنين قد شدوا سلاطين اليمن

حمود عبدالرب وبن نعمان وأحمد بن حسن

والرابع الفخري ضرب سيطه إلى بندر عدن

وفي المقابل، تبارى شعراء الإمامة في مدح «ذئبهم الأسود»، يقول أحدهم:

ما زلت تختلب القلوب بفطنة

وقَفَتْ على سرِّ الغيوب المُبهمِ

عما نواه الخارجون عن الهدى

من كل متسم بزي المسلمِ

تباً لرأي المارقين فإنه

رأي ابن ملجم في الإمام الأعظمِ

خلف جدران «سجن القلعة» المُوحش، لقي «سلاطين اليمن» حتفهم، تساقطوا فيه الواحد تلو الآخر، ولم ينجوا من الموت سوى عبدالوهاب نعمان لبعض الوقت أبقاه الإمام يحيى تحت ناظريه، وعينه عاملاً لبني مطر. نور الدين محمد حسان، هو الآخر، لم يرحم الطاغية أحمد أمير تعز فيما بعد كهولته، أرسله إلى سجن حجة، وهناك مات، وكانت نهايته تماماً كنهايتهم.

بالعودة إلى «الذئب الأسود»، فإنه صار بعد تخلصه من أولئك المشايخ حاكماً أوحداً، بدت طموحاته الاستقلالية تتبدى، وكان فقط ينتظر وفاة الإمام يحيى ليعلن عن ذلك، فضحت «وثائق بريطانية» استعداداته تلك، وكشفت أنه صارحهم برغبته بتدريب وتسليح «1,000» رجل صومالي، ليكونوا تحت إمرته عند حلول اللحظة المنتظرة، إلا أن الانجليز الباحثين حينها عن رضا الإمام، رفضوا مقترحه، وبشدة.

يقول «الأكوع»: «وبقي علي الوزير والياً على لواء تعز عشرين عاماً، جمع خلال حكمه ثروة طائلة، من مصادر شتى، ووجوه مختلفة، وعاش عيشة الملوك؛ حتى حسده الإمام يحيى نفسه»، ليقلب له الأخير بعد ذلك ظهر المجن، عزله من منصبه، وشوه سمعته، ولم يسع «ابن الوزير» بعد ذلك سوى الرحيل، ثم ما لبث أن عاد من السعودية، ولكنها كانت عودة خافتة، بعيدة عن متعة الحكم ولِذة الإمارة.

ومن طريف ما يروى، أن عبدالوهاب نعمان، وعلي الوزير التقيا قبل قيام «الثورة الدستورية»، في منزل الأخير، وأن «الضيف» كان يحدق وبقوة في أثاث المنزل الصنعاني، وتحفه الثمينة والنادرة، الأمر الذي أشعر «مضيفه» بالحرج؛ لأن معظم تلك الأثاث كانت من منهوبات داره العتيق في «تربة ذبحان»، وحين اقتيد الاثنان لساحة الإعدام، بعد فشل تلك الثورة، نقل عن عبدالوهاب نعمان قوله: «لقد هانت على نفسي محنتي، ما دام آل حميد الدين، وآل الوزير قد نكبوا معاً، حتى يريح الله العباد والبلاد منهما».

حقائق لافتة، لتاريخ مُشبع بـ«الظلم»، بـ«الخيانة»، بـ«الثورة»، الطغاة فيه يقتلون لكي يحكمون، ويستعبدون لكي يسودون، والعبيد يتجملون لكي يتسلقون، ويخونون لكي يتشفون، والاحرار للإنسان ينتصرون، وللأوطان يُضحون، وفي الأخير يذهب الطغاة وعبيدهم إلى مزبلة التاريخ، والأحرار وحدهم هم الخالدون.

زر الذهاب إلى الأعلى