صناع الحرية

الشهيد برهان سعدان

 

بقلم ناجي الحنيشي

الملازم برهان نجيب سعدان، مقاتل شجاع غير هياب ،لم يبارح ارض المعركة منذ بداياتها الاولى في ابريل ٢٠١٥م  الا مرتين، الاولى جريحا والثانية شهيدا .

حين كانت الحرب على اسوار المدينة، تولى مهمة توصيل وجبات الغذاء والماء والاحتياجات الضرورية العاجلة، للمقاتلين في الجبهة الغربية ،وسيلته دراجة نارية، يقوده بسرعة ومهارة عاليتين..

حينذاك – في مايو ٢٠١٥م- تعرفنا عليه شاب في مقتبل العمر أسمر البشرة ،طويل القامة ، ساقاه طويلان،فيما بنطلونه بالكاد يصل الى منتصفهما ،وبندقيته مشدودة بإحكام الى ظهره وراسها مدلى الى الاسفل.

حين يجلب وجبات الغذاء للمقاومين ، يركن دراجته النارية المزعجة وسط الشارع المغبر والمقفر، الا من اكوام القمامة واكياس بلاستيكية تهرأت وتبدلت الوانها بفعل الانواء ، وبعض الكلاب الضالة الهزيلة بفعل النقص المضطرد للطعام وخلو اي مزبلة من بقايا منه .

بمجرد ان يركن دابته حتى يبدأ يصرخ على مستلمين الوجبات الكسالى الذين يأخرونه اكثر مما يجب، وهو منتصب القامة بشكل يثير  الاعجاب  ولاستغراب معا، وحين يتوافدون عليه يباشر بتوزيع الوجبات وفي حال لم يحضر مندوبا ما، يضع حصة مجموعته عند المجموعة الاخرى، وما زاد من المؤنة يوزعه للأسر التي ضاقت بها السبل ولم تتمكن من مغادرة المدينة ..

كان صوت دراجته النارية مزعج، لكنه بشارة الغذاء والماء والمدد للمقاتلين.. انه صوت يبدد سكون الليل القنوط، وينبئ بصباحا جديدا مميزا مثل كل الصباحات التي وجدت مدينتا الصغيرة نفسها بمقاتليها وقد توطن فيها الصمود الاسطوري، لرجال اوقفوا الموت القادم اليهم من الشمال والغرب، وبشجاعة نادرة ،هزموه شر هزيمة.

في ذات صباحا رمضانيا، وبينما كان ينقل وجبة السحور للمقاتلين في نقطة المدينة الغربية ،تعرض لوابل رصاص، اطلق من رشاشات معادية، تمركزت على الضفة الجنوبية لوادي الجفينة . اصابته رصاصة في البطن واخرى حطت في قلب ناقله، فأضرمت النار فيه وتدحرج على الخط الاسفلتي بعيدا عن برهان ،الذي تكوم على قارعة الطريق دون يعبأ للرصاص المتناثر حوله والمتفجر بالقرب منه، فيما بعضا منه يصعد عاليا كجذوة  ملتهبة بعد ان يصطدم بالاسفلت…

كانت الاصابة بليغة، على اثرها نزف كثير من الدم لكنه قاوم، واسعف الى المستشفى الميداني ومنه الى الجيران، حيث مكث اكثر من اربعة اشهر في المستشفيات ، وبمجرد شعوره بالتحسن في صحته، حتى  عاد الى المدينة، ومنها الى الجبهة ، ملتحقا بوالده البطل، مقدم نجيب سعدان ، ضمن احد وحدات الجيش الوطني وقد حل محل المقاومة الشعبية.

منذ التحاق برهان بالجيش الوطني، شحت المعلومات عنه، لكن القليل الذي يصل بين الفينة والاخرى، يحكي بطولات نادرة لهذا الشاب البطل…

العام الماضي استشهد والده في جبهة صرواح، بعد معركة هجومية، كان فيها المقدم سعدان السهم الذي اخترق قلب العدو المحصن، والشجاعة التي اسقطت موقعه بكل سهولة ويسر ، ويعود الفضل الى دور وحنكة الشهيد كما نقل زملائه..

حينذاك  ودع الابن ابيه، وعينيه مسهدتين ومغرورقتين دمعا ، لكنه بدا قويا شامخا مفتخرا بوصية ابيه الاخيرة، حين قال:

– يابرهان ، سلمتك الراية, اياك  تسقط من يدك ,او يمزقها العدو مهما يكن…

لم يتمكن من الرد على ابيه ويتعهد له بالحفاظ على الراية ما عاش ، فقد فاضت روح الاب الى بارئها قبل ان يسمع رد ابنه.

لكن سعدان اوفى بقسمه وعهده لأبيه ، فحافظ على الراية مرفوعة ،وها هو يسلمها لرفاقه يوم أمس وقد عفر ارض البراكين بدمه الطاهر، وكأنها همست له، بانها عطشى، فلم يبخل عليها ،وهل يبخل عليها دما…؟

رحم الله الشهيد الشاب البطل ملازم برهان سعدان ووالده البطل مقدم نجيب سعدان .. واسكنهما فسيح جناته ، مع النبيين والصدقيين والشهداء وحسن اولئك رفيقا..

لن ننساكما، ولن تنساكم مارب ايها الاخيار الكرام..

————-

*سعدان ووالده من مغرب عنس  محافظة ذمار كانا من اوائل الذين وصلوا مارب للاشتراك في قتال المليشيات الانقلابية  على اسوار مدينة مارب .

 

زر الذهاب إلى الأعلى