ثقافة وفن

محمد الحريبي.. الفحّام الذي يكتب الشعر

عاطف محمد عبدالمجيد

لم يُرِد آر. إس. توماس، الشاعر الويلزى الراحل، فى قصيدته “فن الشعر” أن يٍسأله أحد عن وَصْفة للقصيدْة، مفسراً ذلك بأن الشعر كان، ولا يزال، يتواصل فينا منذ زمن ما، غير أنه يُعرِّف الشعر بأنه سِحر منسوج من أحرف صامتة وصائتة فى غياب المنطق الشعر فقط يصل العقل بطريق القلب.

كذلك يطلب توماس فى قصيدته تلك ألا يسأله أحد عن قافية للقصيدة وألا يؤمن إلا بإيقاع الحياة، لأن اللغة تخادع إن استطاعت، وكذلك النحو وسيلة الكلمات لتكبيل الروح. وكما أن توماس لا يمتلك وصفة للقصيدة / الشعر فإن كثيرين حاولوا امتلاك هذه الوصفة ليتوصلوا لتعريف الشعر لكنهم فشلوا فشلاً ذريعاً فى نهاية المطاف.

لذلك أرى أنه من الأفضل، خاصة الآن، أن نترك لأنفسنا مساحة ما لنستمتع بالشعر، بعيداً عن النظريات والتنظيرات التى لا مكان لها سوى فى أمهات الكتب. علينا ألا نرهق عقولنا ومنطقنا فى رحلة بحث عن تعريفٍ للشعر، بل علينا أن نبحث عن جيده وهذا يكفي.

من جهة أخرى إذا ما نحّيْنا جانبًا القواعد الشعرية المتعارف عليها ووضعها الأقدمون، نجد أن كل شاعر فى العصر الحديث، أو الأحدث، يرى الشعر من منظوره هو قابلًا أو رافضًا وجهات النظر الأخرى. وهكذا يحاول كل شاعر أن يبنى عالمه الشعرى وفقاً لقواعد يضعها بنفسه، وأطر يسمح لنفسه بالحركة داخلها تبعاً لرؤيته الجمالية وفكرته المسبقة عن الشعر، وفى هذا المضمار يفلح بعضهم ويخفق آخرون.
(1)
فى ديوانه “لى يد فى كل هذا” الصادر حديثاً عن مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر، يستخرج الشاعر اليمنى الشاب محمد الحريبى القصائدَ من مخيّلة الليل الذى يرتبه فى مخيلة فراشة يغزل من أفكارها البيضاء فساتين لخيباته ولا ينسى أن يموت. هنا يسكن العدم داخل الذات الشاعرة التى تسكب الانتظارات والفوضى، ويثمر الغياب فى دمها قصيدة لا تجيد كتابتها. فى ” لى يد فى كل هذا ” نجد أنفسنا أمام فحام يكتب الشعر، فقط يجيد البكاء كغيمة ولا يموت الصيف فى محاجره. هنا يبدو الحريبى وهو يدور فى فضاء مفردات بعينها من قبيل: وجع / غياب / غربة / منفى / حزن / كآبة، مثلما تنبعث من قصائده، بل من أسطره الشعرية، روائح الهزائم والخيبات والانكسارات التى تشعر بها الذات الشاعرة بامتداد مساحة قصائد الديوان وربما بامتداد الحياة ذاتها:
” هى الانكسارات تتلو على العمر
كقارئة فنجان مستعجلة
لست أدرى لمَ تهرول الدقائق هكذا ؟! ”
بل يصل الأمر بالذات الشاعرة فى كثير من المقاطع الشعرية إلى الإعلان عن تشظيها وتمزقها تحت نيّر الأوجاع التى تسلطت عليها راغبةً فى الوقوفِ طويلاً والموتِ فراراً من تلال الوجع التى تعانى منها وتنوء بحمْلها أكتافُها:
” يا وجهى الممزق
يا ابن أم الوجع
قف طويلا طويلا
ومت
قف طويلا ومت “.
وهكذا لا تُخْفى الذات الشاعرة، طوال القصائد، أوجاعها وآلامها التى تقاسى منها نتيجة إحساسها بغربة تحيط بها وبعيْش فى عالم يصعب عليها أن تمارس طقوسها المحببة إليها فيه، كما يحلو لها:
“متشح بالصبر يا أمي
أمشى على رصيف خيباتى مرتديًا دعواتك
مدمنًا على ارتشاف وطن مُر”.

(2)
نحن هنا أمام ذات متأزمة إلى حد بعيد تكالبت عليها كل الخيبات، وحاولت أن تغرقها فى بحار اللارجوع، غياب حبيبة، غربة ومنفى، تضاؤل أحلام، تكاثر أحزان وأوجاع و. . . و. . . و. . . :
” ثم رماد كثيف الحزن
ثم حزن كثيف اللغة
ثم لغة كثيفة الوجع
ثم وجع يحيك نصوصًا لا تقبل التأويل
لا تقبل التأويل وتعتنى بالموتى”.

غير أن هذه الذات المأزومة تنتظر قدوم أمل يزيح عنها همومها وكآبتها وحزنها المقيم الجاثم على صدرها حتى كادت أن تختنق، شاعرة بضياعها فى عالم يقسو عليها ساعياً إلى تحويلها إلى مسخ لا يحس بالحياة ولا يجيد التعاطى مع تفاصيلها المُبهجة أو حتى قراءتها بشكل صحيح. إنها ذات مهزومة فقدت الأمل فى تغيير الواقع الذى يحيط بها، أو تغيّره، فاستسلمت غارقة فى يأس طويل:
” أرتجل الانتظارات على جانب الوادي
وأزرع الصبر
لكن فأس غياباتها أعمى ! ”
هذه الذات فقدت توازنها من كثرة خيباتها مما ألقى بها فى غياهب اليأس والإحباط درجة أنها وصلت إلى حد التشظي، بل أصبحت ذاتاً مهشمة:
” لا تمنحينى فرصة أخرى للفرح
ولا تعودى كما ينبغي
سيرى فى درب خذلانك بلا توقف
وضعى حدًّا لهذا الأمل الأعرج
أريحيه منه وعلّميه الغناء ! ”
لقد ضاقت هذه الذات بكل ما حولها، حتى وطنها الذى اشتعل حربًا تحصد أرواح الأبرياء دون إثم ارتكبوه:
“سأجرب أن أحدثك عن الحرب الليلة
عن الأشلاء التى لم تورق
الشهداء الذين ماتوا. . . ”
لهذا تحاول الذات الشاعرة أن تبحث عن وطن آخر لا تقطنه الحروب ولا يمنع أبناءه النوم والراحة:
“سأبحث عن بلد آخر
يتقن النوم رغم الرصاص”.

(3)
غير أن هذه الذات، ورغم كل هذى الخيبات التى لا يد لها فيها، تحاول أن تعثر على ثقب لتنفذ منه إلى درب الأمل حتى لا تقتلها الكآبة أو يقضى عليها اليأس، تحاول أن تستعيد روحها ورونقها وعالمها الذى باعدت بينها وبينه الأحزان والأوجاع:
” سوف أنسى الدموع وألوانها
الجراح وأحزانها
وسأزرع فى كل شبر عصفورة “.

هنا ندرك أن هذه الذات تنتظر، رغم كل ما يجرى فى فضائها هذا، أملاً قد يجيء ذات لحظة، حبيبةً طال غيابها، وطناً فرّق بينها وبينه المنفى، واستحال جمراً وحروباً ودماراً. تنتظر نافذة تهرب منها الهزائم وتتركها حرة طليقة تحاول التحليق فى عالم جديد لن تزوره الخيبات والهزائم. وفى الأخير تمتاز قصائد محمد الحريبى بعذوبتها ورقتها وانشغالها ببساطة جمالياتها التى لا تحول بين القارئ وبين تلقيها، وقد أحسن الشاعر إذ عزف عن اللجوء إلى الغموض الذى يَحول بين النص وبين تَلقّيه، مُقيماً جداراً عازلاً يمنع الآخر من إدراك مغزى النص، وفهم أسراره التى صِيغ من أجلها. وكلى يقين أن الحريبى الذى تجاوز العشرين ببضع سنين فقط، ينتظره مستقبل شعرى كبير، إذا ما أحب قصيدته وتعب من أجل أن يخرجها لقارئه فى أبهى ثوب.

زر الذهاب إلى الأعلى