إيران وسياسة التصادم مع المحيط العربي

img

الأخبار الرئيسية مقالات 0

مصطفى القحفة

ليس هناك من هو أبرع من النظام الفارسي، على مرّ التاريخ، في الانتهازية والوصولية والتآمر والخيانة والغدر والخسّة والحقد والحَسَد والوحشية.

ليس هناك من هو أصلف وأجلف وأسخف من النظام الفارسي، إلا إسرائيل، في قلب الحقائق وتزييف الوقائع وتزوير الأحداث.

هذا نظام لا يعرف العيب، ولا يحترم العهود ولا الوعود ولا المواثيق ولا الالتزامات ولا الجيرة ولا الإحسان.

الفُرس أول من اخترعوا الدجل والشعوذة والأساطير والسفسطات والترهات والخزعبلات لكن، والحق يقال، إن نظام ملالي ولاية الفقيه فاق الأولين والآخرين، واعتلى عرش «السي ورق»، أو الثلاث ورقات، بجدارة وحقارة.

مغفل من يأتمن النظام الإيراني، وأكثر غفلة من ينخدع بعمائمه.

هذا نظام زنديق وثعبان سام يجب ألا يُلدغ المؤمن من جحره مرتين، ومع ذلك فنحن نُلدغ منه مرات ومرات ولا نتعلم.

لن نعود في هذا المقام إلى المجوس والصفويين والبرامكة وكسرى ورستم، فكتب التاريخ فيها الكثير عن الأقوام الهمجية الغادرة التي تجري في دمائها كريات الثأر والانتقام، ومنها رستم الذي قال «أنا فارسي ابن فارسي.

و”آري من سلالة آرية”

وهذا الشعار يحمله كل ساسة النظام الإيراني الحالي، من إمامهم الأول الخميني إلى وريثها الحالي خامنئي، انحداراً إلى الهالك/ قاسم سليماني ومليشياته الإرهابية في إيران والعراق وسوريا ولبنان واليمن والبحرين.

لقد كان الخميني صريحاً منذ جلوسه على «عرش الإمامة» في طهران بأن نظامه يسعى إلى تصدير «الثورة الإسلامية» إلى «المستضعفين في الأرض» وكانت تلك الدعوة هي الرصاصة الأولى في الحرب العراقية – الإيرانية التي بدأها الخميني بشعار «الطريق إلى فلسطين يمر في بغداد»، لكنه مات بعد أن تجرع «كأس السم» بموافقته على وقف إطلاق النار بين البلدين في 8 أغسطس (آب) 1988، بعد أن رفض بإصرار وعناد دعوة العراق إلى وقف الحرب في الأسبوع الأول لاندلاعها في نهاية شهر سبتمبر (أيلول) 1980.

سقط نظام صدام، فاحتلت إيران، العراق، بالوكالة، عن الولايات المتحدة.

وكاد النظام السوري ينهار فاحتلت إيران سوريا.

وسقط نظام علي عبد الله صالح فكادت إيران تحتل اليمن كله بمليشيا الحوثي الوكيل المعتمد لـ«فيلق القدس»، لولا «عاصفة الحزم».

واغتالت الأيادي الإيرانية والسورية الخفية، رئيس وزراء لبنان رفيق الحريري، فأصيب لبنان بطاعون حسن نصر الله وحزبه الإيراني.

إنه السرطان الفارسي الخبيث الذي يحتل العراق تحت شعار «حماية الطائفة الشيعية»، ويحتل لبنان تحت شعار «المقاومة والصمود»، ويحتل سوريا تحت شعار «حماية السيدة زينب»، ويحاول احتلال اليمن تحت شعار «لا يُدار اليمن من فئة واحدة فقط»، مع أن إيران تُدار من قبل الأقلية الفارسية التي قمعت كل القوميات الأخرى، ضمنها عرب الأحواز المسبيين والمنسيين.

ولا ننسى يوم انفلت اللسان الفارسي الأعوج من عقاله، ليهذي بالسعي إلى «تحرير» الكعبة المشرفة ومكة المقدسة، بمليشيات الهالك/ قاسم سليماني الطائفية الدموية، وإقامة «دولة شيعية» فارسية في أرض النبوة العربية.

إيران لا تتحدث عن السلام والتعايش والأخلاق والقانون الدولي وحقوق الإنسان، حين تنتهك كل ذلك علناً في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وتشن حرب إبادة على السُنة، بحجة حكم الأغلبية الشيعية، مع أن شيعة العراق عرب أقحاح حاولت تلك المليشيات الإرهابية تلويثهم بجرائمها وفسادها وطائفيتها العمياء.

التحدي الإيراني للبلدان العربية بلغ مرحلة متقدمة جداً، وهو بدأ يتبلور من لحظة سقوط بغداد العام 2003، وقرار بريمر حاكم العراق حينها حل الجيش العراقي.

تباعاً برزت التحديات الإمبراطورية وانكشفت طموحات دول معادية، كإيران وإسرائيل في الهيمنة على المنطقة العربية، ومعروف جيداً أنهن لم يتوقفا يوماً عن محاولات مدِّ نفوذهن خارج حدودهن.

إيران لا تتذكر السلام والتعايش والأخلاق والقانون الدولي وحقوق الإنسان والشرعية والدستور في لبنان وسوريا واليمن، لكنها تحمي المجرمين والفاسدين والإرهابيين.

في المواجهة الحالية بين العرب والفرس، لا مكان للحياد والمواقف الدبلوماسية المائعة والتصريحات الخبيثة، مع الحق والسلام، أو مع الباطل والإرهاب لا طريق ثالث.

لقد صارت أراضي ومدن ومياه وأجواء العراق وسوريا واليمن ولبنان وبعض دول الخليج العربي مسرحاً لجرائم فارسية لا تنتهي وحقد طائفي أعمى و«بلطجة» عنصرية استعراضية تتجاوز كل علاقات الجيرة ومواثيق المنظمات وسيادة الدول وحرمات المجتمعات وأمن الشعوب وسماحة الأديان.

نحن نتذكر أن بعض العرب في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، لاموا العراق، لأنه رفض الخنوع أمام «تصدير الثورة» الخمينية العنصرية الطائفية المقيتة التي نَصّبت نفسها ولية للأمر على العرب والمسلمين في كل القارات.

ولن ينسى العراقيون وقفة دول الخليج القوية، في مقدمتها المملكة العربية السعودية والكويت في إسناد البوابة الشرقية للعالم العربي، والتصدي لدولة الشر والأشرار.

وقد مهدت إيران الملالي للحرب في الثمانينيات من القرن الماضي بعمليات إرهاب وتفجيرات واغتيالات طالت مسؤولين ومواطنين عراقيين أبرياء على الحدود، وفي بغداد نفسها، ونقضت اتفاقية 1975م لتنظيم الملاحة في مياه شط العرب التي اضطر صدام حسين إلى تمزيقها أمام الملأ بعد أن بلغ السيل الزبى.

هذا الكلام ليس تبريراً للحرب، ولا دعوة لها، لكنه استذكار لما حدث، وما يخطط له أشرار قم وطهران لاجتياح العالم العربي دولة تلو أخرى، مثلما بلعوا جزر الإمارات الثلاث تحت سمع العالم وبصره.

وما يحدث اليوم هو صفحة أخرى في السيناريو الصهيوني – الفارسي الذي بدأ بغزو العراق واحتلاله في عام 2003، وإسقاط العراق دولةً ونظاماً وشعباً على يدي الرئيس الأميركي جورج بوش الابن، وتقديمه بلاد الرافدين لقمة سائغة للنظام الإيراني الدموي الذي احتله من الشمال إلى الجنوب.

“الحرب ليست نزهة”

لكن العراقيين ذهبوا إليها دفاعاً عن أرضهم وعرضهم، وهم يدركون أن ثمنها فادح في الأرواح والدماء والأموال.

اليوم وبعد أكثر من ثلاثين عاماً على توقف الحرب العراقية – الإيرانية، ماذا نسمي التدخل الإيراني العلني في قمع المظاهرات العراقية؟ وماذا نسمي الإقامة شبه الدائمة لقائد «فيلق القدس» الهالك قاسم سليماني، في المنطقة الخضراء في بغداد وغيرها من مدن العراق قبل مصرعه؟

وكيف نفسر محاولات سليماني فرض مرشحين عراقيين موالين لطهران في المواقع القيادية في العراق، مثلما نشاهد ونقرأ طوال الأسابيع الأخيرة عما يجري بعد منتصف الليل في قصور بعض السياسيين العراقيين لإنتاج وإخراج مسرحية سياسية جديدة تعيد «الاعتبار» للنفوذ الفارسي المُهان في بلاد الرافدين؟

وقبل ذلك، بأي حق تدفع إيران مليشياتها التابعة لـ«فيلق القدس» إلى اقتحام الحدود العراقية مراراً وتكراراً، مرتدية زي الجيش العراقي وقوات مكافحة الشغب، لتطلق الرصاص الحي على المحتجين المسالمين في بغداد ومدن الجنوب الباسلة المنتفضة على الفساد والتبعية والعمائم غير الرشيدة؟

ويتقدم النفوذ الصهيوني خطوات خطيرة بدعم من الإدارة الأميركية لتكريس تهويد الجولان والقدس وتقطيع الضفة الغربية ومد النفوذ الصهيوني باتجاه الجنوب السوري، والاتجاه المصري والمياه اليمنية

وهناك اهتمام إسرائيلي باليمن وسواحلها وجزرها ولهم أهداف استراتيجية لأن اليمن تتحكم بأهم مضيق استراتيجي في الشرق الأوسط (باب المندب) الذي يفصل بين البحر الأحمر وخليج عدن, الذي هو محل أطماع الكثير من القوى الاستعمارية منذ الأزل.

فإسرائيل كغيرها من القوى في الشرق الأوسط عينها على اليمن وعلى السواحل والجزر الهامة فيها ومضيق باب المندب هو الأهم.

واهتمام إسرائيل باليمن ليس وليد اللحظة كما يظنه البعض لكنه يعود إلى عشرينيات القرن الماضي عندما كان الجزء الجنوبي منه يقبع تحت الاحتلال البريطاني ـ حيث عملت الوكالة اليهودية في عدن آنذاك على الاهتمام بيهود اليمن لأنهم يمثلون الجزء العريق والتاريخي للديانة اليهودية.

وعملت الوكالة اليهودية في عدن على إجلاء أكثر من 50000 خمسون ألف يهودي عام 1949م إلى فلسطين في عملية أطلقت عليها “بساط الريح”

وفي الستينيات من القرن الماضي لم تغب اليمن عن عين إسرائيل فأصبحت تراقب التطورات فيها وخاصة أثناء الحرب الملكية الجمهورية. حيث عملت إسرائيل على دعم الملكيين ضد الجمهوريين الذي كان حليفهم آنذاك جمال عبد الناصر.

وعند انتصار الجمهورية في شمال اليمن وانضمام جنوب اليمن إلى المعسكر الشرقي. بقت إسرائيل في قلق تجاه تلك الأحداث لكنها ظلت في ترقب مستمر على تلك الدولة مراقبة كل التطورات الذي تحدث فيها.

فباب المندب والجزر اليمنية المهمة ذات بعد استراتيجي لإسرائيل. فهي في تخوف من تكرار سيناريوا 1973م عندما أغلق باب المندب اثناء الحرب الإسرائيلية العربية.

وعندما سيطر الحوثيون حليف إيران على مؤسسات الدولة في اليمن عملت إسرائيل عبر عملائها من يهود اليمن على إقامة علاقة سرية مع الحوثيين حتى يكون لها عين على باب المندب والبحر الأحمر.

ومنذ سنوات تفاخر طهران بسيطرة نظام الملالي على أربع عواصم عربية، بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء، مباشرة أو عبر مليشيا الحوثي في اليمن و«الحشد الشعبي» في العراق و«حزب الله» في لبنان، وتعلن أن هلال السيطرة الفارسية قاب قوسين أو أدنى ليصبح بدراً.

وبعد سنوات خمس واجهت اليمن أعقد الظروف وأخطر المكائد والمؤامرات من مشاريع الارتهان ودول الأطماع، كانت القوات المسلحة خلالها هي الأقدر على مواجهة كافة الخطوب والملمات والتصدي لها إلى جانب استمرارها في تأدية مهامها الوطنية بدحر الانقلاب وتحرير الأرض ومكافحة الإرهاب بدعم وإسناد من تحالف دعم الشرعية بقيادة المملكة العربية السعودية، لكن أياً من ذلك لم يكن قادراً على إثنائها عن استكمال ما بدأه الخالدون في البناء المؤسسي والإداري لمؤسستهم الوطنية، وبذلك تبخر مشروع إيران ومشاريع الدول الطامعة التي سعت فور تفكك منظومة الجيش السابق إلى بناء قوات جديدة على أسس مذهبية وطائفية ومناطقية بهدف إغراق البلاد في العنف والفوضى كخطوة أولى لفرض مشاريعها الاستعمارية، وأنى لها ذلك وبلادنا اليمنية ولادة للأبطال والشرفاء الأحرار، وتؤكد إيران، مضيها في نهجها كدولة مارقة راعية للإرهاب، وقيامها بكل الأدوار غير النظيفة لفرض هيمنتها والاستئثار بحصة كبيرة من ثروات المنطقة على حساب استقرار البلدان العربية ومصالح شعوبها.

مواضيع متعلقة

اترك رداً