حصاد الوديعة السعودية 2019

img

سبتمبر نت/ محمد الجماعي

قبل وبعد الوديعة المليارية السعودية لم تكن صنعاء بمعزل عن هذا المنعطف الذي سيحدثه لاحقا الدعم السعودي السخي للشرعية اليمنية، فمنذ البدء كانت صنعاء تتربص بأي حدث من شأنه الانفصال عن سيطرة مركزها الإداري والسياسي والمالي ولم تشهد العاصمة المؤقتة عدن يوما واحدا من الهدوء والاستقرار..

قبل عامين جاء قرار ملك المملكة العربية السعودية بدعم احتياطيات البنك المركزي اليمني بملياري دولار عقب لقائه التاريخي برئيس الجمهورية المشير الركن عبدربه منصور هادي ليؤجج خوف مليشيا الانقلاب وحلفائها بصنعاء، من المسار الذي آلت إليه قوة الشرعية المسنودة بقدرات الجارة الكبرى.. وعليه فقد كان هناك من يراهن على دفن عدن بملياراتها وحشرها داخل قلقها الأمني واضطراباتها المفتعلة.

وفي عام 2017 اضطربت الأحداث بوتيرة متسارعة في عدن وكانت في معظمها متسلسلة وتستهدف القطاع المصرفي على وجه التحديد، إذ لم يكن التصعيد الأمني ليأخذ مسارا عفويا في ظل الخوف الشديد من انتقال نصف السيادة اليمنية ونصف القوة والتأثير إلى مكان آخر غير صنعاء، وليس من شك في أن تركيبة الاقتصاد اليمني شهدت ارتباطا وثيقا بمراكز نفوذ صنعاء منذ ما بعد ثورة سبتمبر 1962.

أدى تأخر وصول الوديعة السعودية نحو عام كامل إلى إحراج الحكومة إزاء التزاماتها تجاه مواطنيها وخصوصا كبار المستوردين، وما نتج عنه من فقدان السوق المحلي اليمني ثقته بالوعود الحكومية أو تلك التي يصدرها التحالف، مع العلم أن صادرات اليمن مع نهاية العام 2018 لم تعد تمثل سوى 6 بالمئة من وارداتها، الأمر الذي اضطر رئيس حكومة الشرعية حينها د. أحمد عبيد بن دغر إلى التهديد باستقالته وفريقه مقابل دعم العملة المحلية التي تجاوزت حاجز الـ 800 ريال أمام الدولار، كأهم إجراء يعزز مصداقية الشراكة بين اليمن والتحالف العربي.

بالرغم من كل ذلك فقد وضعت الوديعة ثقلها في ميزان المعادلة الصعبة في بلد لا يمتك مصرفه المركزي حق إدارة حساباته الخارجية بفعل الحصار الدولي المناوئ للهبة السعودية تجاه جارها الضاربة جذوره في أعماق التاريخ.

فما الذي فعلته الوديعة في تغيير مسار الأحداث في اليمن؟

• عززت قدرة البنك المركزي محليا على استعادة التأثير على إدارة المعروض النقدي ودورة الجهاز المصرفي إلى حد ما.

• خلقت مستوى جديدا من الثقة والاطمئنان للسياسات النقدية والاقتصادية ومستقبل علاقة الشرعية بقيادة التحالف.

• عززت رصيد الريال اليمني أمام العملات الصعبة وأوقفت تدحرجه نحو المجهول في بلد يشهد حربا منذ نصف عقد من الزمن.

• مكنت التجار والمستوردين من تغطية وارداتهم وبأسعار منافسة أوصلت السلع الأساسية إلى كل بيت في اليمن ككل.

• أوقفت الإصدارات النقدية نسبيا ما ساهم في فرملة التضخم عند مستوى يمكن وصفه بالمعجزة.

• ساهمت في تغذية الاحتياطيات النقدية التي تآكلت بفعل النهب الذي قام به الحوثيون إبان سيطرتهم على البنك المركزي.

لقد بذلت القيادات المتعاقبة على قيادة البنك المركزي جهودا كبيرة لاسيما بعد وصول الوديعة السعودية للسيطرة على التضخم، كوظيفة أساسية وأيضا ملحة في الوقت الراهن، بالرغم من الآليات المعقدة التي شكا منها الموردون بل وعزف بعضهم عن معاودة الاعتماد لدى المركزي إلا بعد وعود بتسهيل الإجراءات عطفا على تفاهمات مع النظراء في الجانب السعودي..

وقد جاءت آلية الاعتمادات المستندية المصممة لاستيراد السلع الغذائية عبر نظام الاستعاضة من خلال استخدام الوديعة السعودية، وقد اشترط البنك المركزي لفتح الاعتمادات أن تتم عبر البنوك التجارية والإسلامية بهدف إعادة الدورة النقدية التي تعطلت بعد أن تحول الصرافون بديلا للبنوك.

وفي ذلك فقد شهدت غالبية تعاملات المركزي مع كافة المصارف دون تمييز متمتعا بمجمل المزايا المرتبطة بنشاطه كبنك مركزي وبعملياته الداخلية والخارجية، لاسيما بعد هجرة العديد من الكوادر الشابة والمجربة من صنعاء إلى عدن، وأيضا فقد اعتمد مركزي عدن على آلية اعتماد مستندية بعد تشاور وتوافق مع قسم كبير من ممثلي القطاع الخاص تتوفر فيها درجة عالية من المرونة والملاءمة ومراعاة ظروف المستوردين في كل مراحل العملية حتى ميناء الوصول.

بل وقد عمد البنك على تطوير هذه الالية باستمرار – عدد العمليات حتى أغسطس 2019 أكثر من 30 عملية بلغت قيمتها مليار وستمائة مليون دولار -.

الأحد 31 مارس 2019 اتفاق البنك المركزي اليمني ووزارة المالية اليمنية من جهة، ومؤسسة النقد العربي السعودي والبنك المركزي السعودي والبنك الأهلي السعودي وقيادة القوات المشتركة من جهة، بتحويل الأموال التي تصرف كرواتب لبعض وحدات القوات المسلحة عبر البنك المركزي اليمني خطوة في المسار الصحيح طال انتظارها من أجل تعزيز الدور السيادي للعملة اليمنية داخل حدودها الوطنية.

من الأهمية التأكيد بأن تنفيذ تعهدات الأشقاء بالتحويل سيعمل على التخفيف من المضاربة على العملة، وسيشكل دافعا قويا للمنظمات الدولية الإنسانية إلى الإسراع بتحويل مساعداتها التي قد تصل سنويا إلى نحو ملياري دولار، ويجب أن يدرك الأشقاء أيضا أهمية السماح للمغتربين اليمنيين بتحويل أموالهم ضمن النظام المالي اليمني الرسمي للتأسيس لبدء مرحلة جديدة من الاستقرار الاقتصادي في اليمن.

كما أن دعم الاحتياطي الخارجي بوديعة جديدة وبشروط ميسرة، حسب ما يراه كثير من الاقتصاديين الذين يتوقعون من الأشقاء خاصة المملكة والكويت تعزيز احتياطيات المركزي بما لا يقل عن 4 مليارات دولار، وتجديد الوديعة السعودية الأروع من ناحية أهدافها الإنسانية المصممة لتوفير السلع الرئيسية وتوسيع نطاق استخدامها وتسهيل إجراءاتها.

 

مواضيع متعلقة

اترك رداً