إطلالة على التاريخ العسكري

img

مقالات 0

عقيد/ خالد الـفــرح *

إن عظمة الحدث التاريخي تكمن بالجهد الإنساني الذي بُذل فيه والتضحيات التي قُدّمت من أجله، ونحن عندما نتحدث عن نماذج مثالية من الماضي موشاة بالمجد والفخار والانتصارات العسكرية؛ فإنما نُقدّمها للقراء باعتبارها من الشواهد الأثرية الباقية التي تمنح الإنسان اليمني الشعور بقوة الاستمرارية نحو صياغة مستقبل أفضل، فالأصالة في اليمن ليست فقط بالماضي وانما تعني الصلة- القوية بالحاضر والمستقبل، ومن هنا يأتي اهتمامنا بالتاريخ العسكري والذي نهدف من خلاله إلى معرفة التضحيات التي قدّمها أجدادنا الأوائل دفاعاً عن اليمن ضد الأعداء، إضافة إلى الاستفادة من الخبرات العسكرية المتراكمة عبر هذا التاريخ الطويل؛ خاصة ونحن ومعنا كل أبناء شعبنا نخوض معركة استعادة الدولة ضد الانقلابيين.

لقد عرفت بلادنا منذ القدم مسمى الجيش الرسمي، لأن كلمة (الجيش) هي ترجمة لكلمة “خميس”، وقد حرصت النقوش المسندية على أن تُميّز بين قوتين عسكريتين رئيسيتين كانتا مستعملتين آنذاك؛ وهما: أولاً: الخميس، ويعنون بهذه التسمية الجيش الرسمي، وثانياً: المُقاتلين من القبائل، ويعنون بهم الجيش الشعبي، ويسمون “الأسد”، وغالباً ما يكونون من الأعراب الذين يعيشون حياة بدوية على أطراف الحواضر، ويُعيّن عليهم قائد يسمى كبير الأعراب. وفي عهد الملك شمر يهرعش، شارك الأعراب في جيش الملك وأصبحوا قوة مؤثرة في الحياة السياسية والعسكرية؛ ثم نجد في النقوش المُسندية ما يشبه في هذ العصر قانون الخدمة العسكرية؛ فهو يحدد واجبات الجيش؛ والتي منها: حفظ النظام العام وحماية المنشآت والقلاع، وحراسة القوافل التجارية، كذلك نجد الألقاب والرتب العسكرية:

1 – برز الأقيال كزعامة حربية غالباً ما يذكرون كألوية عسكرية ترافق الملك منذ القرن الثالث ميلادي.

2 – المقتوي، وهو لقب يطلق على كبار العسكريين، ويتم منح هذا اللقب بمرسوم من الملك؛ ويكون المقتوي في بعض الأحيان نائب الملك في قيادة الجيش. وهناك وحدات خاصة من الجيش تسمى الفرسان، ومن يقرأ عهد الملك شمر أوتر، حكم في الفترة من 210  – 230م، وكذلك عهد الملك شمر يرعش، حكم في الفترة من 290 -310 م، سيلاحظ كثرة الاعتداءات الخارجية على الأرض اليمنية من قبل الأحباش، ولكن الجيش اليمني سحقهم في كل محاولاتهم العدوانية، حتى أنه في عهد الملك شعرم اوتر قتل من الأحباش عددا كبيرا واستمر في مطاردة الجيش الحبشي حتى وصل إلى أرض الحبشة وعاد سالماً.

الجيش للحرب والبناء

في عهد الملك شمر يهرعش 290 م-310م، نجد أن الجيش في أوقات السلم يكلف ببناء وتشييد المرافق والتحصينات الخاصة بالمدن والتي تعرضت للتدمير  بسبب الحروب. يذكر أحد قادة الملك شمر يهرعش أنه وصلته أوامر وتوجيهات من الملك فيها تعليمات بأن يتحرك إلى قيادة جيش سبأ للقيام بمهمة تحصين وبناء ومحافد مدينة مأرب، وإصلاح قنوات السيول حول المدينة؛ وذلك عام294م، وبذلك يكون الجيش اليمني آنذاك أول جيش في التاريخ قد طبق شعار الجيش للحرب والبناء.

روح الزمالة

تحرص كل الجيوش على غرس روح الزمالة بين أفراد الوحدة العسكرية من خلال تعزيز رابطة إخوة السلاح. وأذكر لكم قصة تؤكد سبق اليمانيين إلى كل فضيلة، ففي سنة21 هجرية فتح الجيش العربي الاسكندرية، ثم عادوا إلى الفسطاط يبنونها وفيما هم في ذلك أُخبروا أن الأسطول البيزنطي في طريقه إليهم فأرسل القائد عمرو بن العاص عمرو ابن حمالة الأزدي ليتأكد من الخبر وماهي إلا بُرهة من الزمن حتى ثارت عند اليمانيين عاطفة الأخوة والأرحام وكانت أدعى إلى التآلف والتظافر والتناصر على الخصوم، فتعاقدوا على اللحاق بأخيهم عمرو بن حمالة فلما أدركوه في الطريق  نظر إليهم في دهشة وإعجاب وقال: والله ما رأيت قوما قد سدوا الأفق مثلكم، وإنكم لكما قال سبحانه وتعالى:” حتى إذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا”. وكانت تلك القبائل مؤلفة من الأزد وحمير وذي رعين وغسان  وجذام ولخم وتنوخ، فأطلقوا على أنفسهم من تلك اللحظة إسم اللفيف، وعادت تلك القبائل إلى الإسكندرية وقد وحدّت بينها هذه الحادثة التي أصبحت ذكرى من ذكريات فتح مصر؛ فنزلوا في معسكر واحد وطلبوا من عمرو بن العاص أن يعتبرهم تكتلاً واحداً أو وحدة عسكرية واحدة، وبذلك يكون الفاتحون من أهل اليمن هم أول من علّم الجيوش روح الزمالة، ثم لا ننسى أن اليمانيين كانوا هم محور الارتكاز في جيش الفتح العربي.

قال الزبيري وهو يتحدث عن الدور اليمني في بناء الدولة والحضارة الإسلامية: وهم الأولى البانون عرش أمية  نهض الوليد بهم وعز هشام

كانت سيوفهم تضيء فتمنح التاريخ أفقاً ليس فيه ظلام

لهم الجبال الراسيات وأنفس  مثل الجبال الراسيات عظام

كانت سيوفهم تؤدب كل جبار بغير السيف ليس يقام

كانوا الأباة وكانت الدنيا لهم والملك والرايات والأعلام

قدموا من التاريخ في جبهاتهم من آل حمير غرة ووسان

أتراهم صنعوا الذرى أم أنها صنعتهمٌ.. أم أنهم أتوامٌ

حملوا الراية شرقا وغربا وأفاقت الدنيا على صهيل

جيادهم وبرق سيوفهم فتهللت لنداء تكبيراتهم  آذان وقلوب  وبلدان وشعوب.

 

* نائب الناطق الرسمي للقوات المسلحة

 

مواضيع متعلقة

اترك رداً