في حضرة النشيد الوطني

img

مقالات 0 علي‭ ‬ يامن

العميد/ علي محمود يامن

لعل من نافلة القول التأكيد أن من أهم عوامل القوة الاستراتيجية لأي بلد هو ارتفاع منسوب الشعور بالانتماء الوطني وتشرب القيم الوطنية للأجيال المتعاقبة منذ  النشأة الأولى وأن تسقى مفاهم الولاء الوطني مع الرضعات  الأولى لحليب الأمهات.

عانت اليمن في العقدين الماضيين من تجريف كبير للقيم الوطنية بفعل عوامل متعددة أهمها اهمال مؤسسات التربية والتعليم والإعلام والمؤسسة  الدينية بشقيها الرسمي والمجتمعي و إغفال مناهج التنشئة السياسية للأحزاب والمنظمات الجماهيرية لغرس وتعميق  تلك المبادئ في الأجيال المتعاقبة والأوساط المجتمعية،  وبمنهجية احترافية من التيار الإمامي وتيارات مصلحية أخرى عملت في جميع الفئات ومختلف التكوينات على تجريف وهج مبادئ الثورة والجمهورية والوطن والانتماء للذات اليمنية الحضارية.

إلا أن الهزات العنيفة والمزلزلة لاستهداف الوطن وثوابته الوطنية ونظامه الجمهوري في نكبة الواحد والعشرين من سبتمبر أبان للجميع المستوى الكارثي الذي أحدثة ذلك الإهمال في تعميق وتجذير  الشعور الوطني للمجتمع، وهو ما انعكس في تبلد جزء كبير من المجتمع  في الدفاع عن الثوابت الوطنية وقدرة التيارالإمامي على تعميق الانقسام  المجتمعي ومصادرة الدولة والارتداد عن الجمهورية.

إن حاجة الشعب اليمني  لإحياء تلك المفاهيم وإعادة غرس  المندثر منها، وأقرب دليل على الشعور المجتمعي بالاحتياج الملح لذلك مدى اهتمام الناس وتفاعلهم الخلاق مع السلام الوطني والذي تجسد بالاحتفاء الباذخ عند كل فئات المجتمع بافتتاح مناسباتهم الخاصة، واعراسهم  وحتى الفعاليات البسيطة بالسلام الوطني في خشوع وإخبات  وعبرات تهز المشاعر والوجدان.

ذلك أن النشيد الوطني ليس نظماً بلاغياً معبرا  ولا الحاناً  مرشالية  حماسية أو نصوصاً أدبية  باذخة السمو ترفع المعنوية وحسب.

إنه آيات وجدانية ترتل في محراب الوطن وكلمات نافذة إلى القلوب تهز المشاعر والوجدان، وروح خلاقة تسري في أعماق كل يمني محب لتراب هذا الوطن الأثير، وقوة دفع هائلة نحو التضحية والفداء في سبيل نسمات وقطرات وذرات  تراب الوطن الأغلى.

أن شنفت أذنيك  لألحانه في أي بقعة على وجه البسيطة  خنقتك  العبرات  واستبدت بك  الأشواق  وأحاطت بك  الأشجان  إلى  روابي وساحات السعيدة.

إنه النشيد المشع  ألقاً  وضوءاً والمتدلي من ثلاثية المجد اليماني  الأكثر شموخا  والأعز  حبا ( تعز- الفضول- أيوب) كل ضلع منها قامة  باسقة  في سطور الزمن ووطن معطاء  متفردا محفوراً  في الوجدان اليمني ومنقوشاً في عمق الذاكرة الوطنية الجمعية  الأكثر إشراقاً.

لم يجتمع من الجزالة  في اللفظ والعمق في المعني والقوة في الدلالة والإبداع في التكوين لأي نشيد وطني على وجه الأرض ما اجتمع  لمعلقة. الفضول  ونشيد  الخلد اليماني.

فقد  استهل بنيانه الشامخ بأمر  جازم لكل أنحاء الدنيا بأن تردده وتعيده مرات عديدة وأزمنة مديدة.

ويستحضر النشيد وهو في عمق الفرحة أكرم من على وجه الأرض السلسلة الذهبية لشهداء الوطن، متوشحين  حللاً من اضواء  أعياده العامرة.

ويتغنى بأهم قضية ناضل من أجلها أبناء اليمن، وحدة الارض والإنسان على كامل تراب الوطن باعتبارها عهداً تتوارثه الأجيال وحلماً حققه الشعب.

يجمع النشيد الوطني بين كلماته ومعانيه كل المفردات المتأصلة في الوجدان الوطني اليمني. بدءاً بالشهيد والوحدة والراية. ويختتم سمفونيته الخالدة   بتجذير  الانتماء الإنساني والقومي والوطني، مجدداً العهد أن اليمن أرضاً لا تقبل الوصاية ولا يعيش عليها أي مستبد أو غازي.

كم نحن بحاجة إلى إعادة صياغة وجداننا  الوطني وإحياء قيم الذات اليمانية الحضارية الضاربة جذورها في أعماق التاريخ وتأثيرها المتوارث في التراث الإنساني  وإرساء قواعد الرسالة الخالدة في معظم أنحاء المعمورة.

انها اليمن التي لا يضاهيها وطن، ولا ترقى  إلى سموها أرض.

 

مواضيع متعلقة

اترك رداً