إجراءات المليشيا بحق العملة الوطنية.. إجرام ولصوصية

img

سبتمبر نت/ تقرير – مأرب الورد

حرب بلا هوادة تشنها مليشيات الحوثي الانقلابية على المواطنين الواقعين تحت سيطرتها والذين يمثلون الكتلة السكانية الأكبر، بنهب مدخراتهم وأموالهم تحت مسميات لا تنتهِ أحدثها قرار منع تداول الطبعة الحديثة للعملة الوطنية ومصادرتها في خطوة ألقت بظلالها السلبية على حياة الناس والنشاط الاقتصادي في البلد الذي يواجه أكبر أزمة إنسانية في العالم، بحسب الأمم المتحدة.

إعلان النهب وضرب الاقتصاد

في الـ17 من ديسمبر الماضي، أعلنت مليشيا الحوثي عبر البنك المركزي في صنعاء الذي تسيطر عليه وغير المعترف به دولياً، قراراً بمنع تداول، أو حيازة الأوراق النقدية الجديدة التي طبعتها الحكومة، واعتبارها عملة قانونية.

وحددت مهلة 30 يوماً تبدأ من 19 ديسمبر الماضي، لتسليم ما بحوزتهم من الفئات النقدية الجديدة التي أصدرها البنك المركزي بعدن، إلى أقرب وكلاء المحافظ النقدية الإلكترونية، بزعم “تعويض الأفراد المغرر بهم من غير التجار والبنوك والصرافين بنقد إلكتروني، أو بالعملة الوطنية القديمة، عما بحوزتهم من عملة جديدة وصفها غير قانونية.

وعلى الفور بدأت المليشيا تنفيذ قرارها بمداهمة محلات الصرافة ومصادرة ما بحوزتهم من أوراق جديدة، وتقطعت للناس في الطرقات وسط حملات تخوين إعلامية لكل من يتعامل بها، الأمر الذي خلق حالة من القلق والفوضى والغموض، وشرعت محلات الصرافة برفع رسوم الحوالات الداخلية إلى نسبة كبيرة، حيث وصلت إلى 12% مع التوقعات بزيادتها.

وتأتي هذه الخطوة امتداداً لمحاولات سابقة فاشلة، ومنها على سبيل المثال شن حملة واسعة لمصادرة الطبعة الجديدة للعملة فئة “200، 500، 1000″، من العاصمة صنعاء والمدن التي تسيطر عليها في أبريل الماضي، ولم تنجح في إجبار الناس والتجار على التوقف عن التداول بها، وكل الذي كسبته نهب ما أمكن من أموال.

التوقيت والأهداف

لكن توقيت معاودة الحملة هذه المرة بخطة أكثر صرامة في التنفيذ، له علاقة بمحاولة فرض سلطتها وإعطاء انطباع للجمهور الواقع تحت سيطرتها بقدرتها على التحكم بالاقتصاد، علاوة على السعي لإفشال جهود الحكومة في تحسين الوضع الاقتصادي من خلال الانتظام بصرف رواتب موظفي الدولة في عدة قطاعات مدنية بمناطق سيطرة الانقلابيين.

وهنا يُطرح هذا السؤال: ما هي الأهداف المرجو تحقيقها؟ والجواب على ذلك من لدن الباحث الاقتصادي عبدالواحد العوبلي، الذي يقول لـ”26 سبتمبر”: إن أهم الأهداف هي مصادرة ونهب أموال الناس بالباطل، وهم معتادون على استغلال أي فرصة وأي عذر حتى لو كان غير قانوني أو غير شرعي للجباية، ولو اضطروا لاستخدام القوة لمصادرة الأموال من التجار والصرافين والمواطنين والإثراء من جراء هكذا عبث أو لتمويل حروبهم العبثية”.

الهدف الآخر هو “الخوف من أن تتخذ الحكومة الشرعية قراراً بإلغاء الأوراق النقدية القديمة، والتي يملك منها قادة مليشيا الحوثي المليارات، ولذلك هم حريصون على استبدال ما لديهم من عملة قديمة والحصول على الجديدة”.

وبدوره، يرى الباحث في الشؤون المصرفية، ياسر المقطري، فيما قام به الحوثيون هو محاولة لاستبدال ما لديهم من أموال كبيرة بالطبعة القديمة بأخرى جديدة؛ خوفاً من إمكانية قيام الحكومة الشرعية بسحبها من الأسواق، وهناك خوف يتعلق بتلفها مع قدمها.

خيارات الشرعية

بعد خطوة الحوثيين، تحرك البنك المركزي في عدن وأصدر في يوم 23 ديسمبر الماضي، بياناً حذّر فيه شركات الصرافة والبنوك من رفض التعامل مع الطبعة الجديدة، مذكراً إياها بأن عدم قبولها “يعد مخالفة يعاقب عليها القانون”، وهدد المخالفين بـ”اتخاذ الإجراءات والعقوبات اللازمة حسب القانون”.

ومع تصاعد حملة الحوثيين لتنفيذ قرارهم في الواقع، أصدر البنك المركزي يوم 30 ديسمبر الماضي، بياناً أكد فيه “أن أي تعليمات تصدر باسم فرع البنك المركزي في صنعاء تمس نشاط القطاع المصرفي غير قانونية ولا يُعتد بها” .

وشدد على أن إجراءات الحوثيين تعيق جهوده في “دفع المرتبات التي تصرف في المناطق غير المحررة”، محذراً البنوك وشركات الصرافة من التعامل معها.

وفي هذا الإطار أوضح الوكيل المساعد لقطاع الرقابة في البنك منصور راجح، ما يمكن للبنك القيام به، وتحدث عن “سحب التراخيص من أي بنك أو شركة صرافة تخالف تعليمات البنك، وتتعامل مع النقود الإلكترونية، وتتماهى مع الحوثيين لابتزاز الناس، وسلبهم ونهب مدخراتهم”.

ويقترح الباحث في الشؤون المصرفية، ياسر المقطري في تصريح لـ26 سبتمبر، على الحكومة سحب الأوراق النقدية القديمة من السوق المحلية بشكل تدريجي لمواجهة إجراءات الحوثيين الذين لن يصمدوا طويلاً فيها بسبب الرفض المتوقع من قبل المواطنين وغيرهم تسليم أموالهم مقابل نقود وهمية.

في سياق ذي صلة، شرح الباحث الاقتصادي عبد الواحد العوبلي، الأسباب التي دفعت الحوثيين لاستبعاد التجار والصرافين من الريال الالكتروني المزعوم، قائلاً: إن هذا الريال ليس أكثر من آلية دفع يجب أن تُغطى في النهاية بالعملة النقدية المساوية في المقدار والقيمة، وسيكون من الصعب استيعاب المبالغ الكبيرة التي يعمل بها التجار والصرافون ضمن التطبيقات التي تستخدم الريال الالكتروني، مضيفاً: أن عدم تمكين التجار من استبدال ما لديهم من نقود بأرصدة الريال الالكتروني تعتبر أداة ابتزاز أخرى نشاهد آثارها واضحة في أسعار خدمات التحويل التي وصلت إلى ما بين 7-10%، بينما كانت لا تتجاوز 1% خصوصاً عندما نعرف أن الحوثيين يقتسمون مبالغ هذه الرسوم مع الصرافين.

الآثار والتداعيات

تداعيات بالجملة لخطوات الحوثيين من شأنها مفاقمة الوضع الإنساني المتدهور أصلاً في البلاد، وفي مقدمة ذلك تغذية المضاربة بالعملة وتهريبها من مكان لآخر، ورفع عمولة إرسال الحوالات، والتي بدأت بالفعل بزيادة كبيرة، وتزداد يوماً بعد يوم.

وستؤدي لانخفاض قيمة أي مدخرات للمواطنين تتجاوز مبلغ مائة ألف ريال من الطبعة الجديدة؛ حيث لا يستطيعون مقايضتها بالعملة القديمة إلا بخسارة كبيرة، على شكل خصميات غير مبررة.

ويشير الباحث المقطري إلى أن “زيادة الطلب على السيولة النقدية بالعملة المحلية في صنعاء سيقابله زيادة في المعروض من العملات الأجنبية، وبالتالي انخفاض أسعارها، وهذا ما تنتظره السوق السوداء مستغلةً ذلك التفاوت في أسعار الصرف بين منطقتي الانخفاض والارتفاع”.

وأضاف: أن “هذا الإجراء من قبل الحوثيين سيشكل ضغطًاً كبيرًا في الإقبال على شراء العملات الأجنبية، وتحويل ما لديهم من عملات جديدة إلى عملات أجنبية هروباً من المصادرة، أو تحويلها إلى نقد الكتروني غير مضمون، وستزيد أسعار الصرف وتؤثر بدورها على أسعار السلع، واستمرار تدهور العملة المحلية مقابل العملات الأجنبية، وزيادة معدلات التضخم، واتساع رقعة الأزمة الإنسانية”.

وختم قائلاً: “استمرار تذبذب أسعار الصرف والقرارات الارتجالية يعني استمرار حالة عدم الاستقرار الاقتصادي والمالي، وحشر القطاع المصرفي والقطاع الخاص بشكل أكبر في الصراع”.

دور المجتمع الدولي

وفي ظل عودة الحرب على الاقتصاد، يبرز السؤال عن رعاة “الهدنة الاقتصادية”، والتي ألزمت الحكومة منذ بداية الحرب بتوريد الإيرادات إلى حسابها في البنك المركزي في صنعاء، ويتولى صرف الرواتب لجميع موظفي الدولة ومنها المناطق المحررة الخاضعة لسيطرة الحكومة، والتزمت بذلك، وحين نقلت البنك إلى عدن بعد استنزاف الاحتياطي الأجنبي لم يورد الحوثي الإيرادات إليه حتى اليوم، رغم أن الشرعية منتظمة منذ عام بدفع رواتب عشرات الآلاف من الموظفين بقطاعات التعليم والصحة والعدل والقضاء والجامعات وغيرها، لكن هؤلاء قد يحرمون من رواتب ديسمبر بسبب اعتذار البنوك والصرافين عن توفير هذه المبالغ بالعملة القديمة على خلفية إجراءات الحوثيين.

ورغم مرور أيام على إجراءات الحوثيين لم يصدر أي موقف عن “اللجنة الرباعية” التي تضم أمريكا وبريطانيا والسعودية والإمارات، ولا المبعوث الأممي مارتن غريفيث، مع أن هذه الإجراءات تفاقم الأزمة الإنسانية وتعطل جهود السلام.

وتعليقاً على دور المنظمة الدولية والمؤسسات المالية الدولية بهذا الشأن، قال الباحث الاقتصادي العوبلي: إنهما تدفعان في سياساتهما والآليات النقدية لصالح الحوثيين، مدللاً بتدفق أغلب أموال المساعدات لمناطق الحوثي الذي يستفيد منا أكثر من غيره، ويحصل على كميات كبيرة من العملة الصعبة.

وتابع: “بينما من المفترض على الأمم المتحدة والبنك الدولي توريد كل مبالغ المساعدات إلى البنك المركزي اليمني في عدن التابع للشرعية والمعترف به دوليا؛ لتستفيد الدورة النقدية من هكذا مبالغ تدعم وضع الريال اليمني، إضافة أن على المؤسسات والبنوك في العالم تشديد الرقابة على عمليات تهريب وغسيل الأموال من داخل مناطق الحوثي”.

أما المقطري فيرى أن “الخيار المتاح للجميع هو توحيد قرارات السياسة النقدية وفقاً لتفاهمات اتفاقية السويد، وتحييد القطاع المالي والمصرفي من الصراع، والقبول بالطبعة الجديدة في صفقة تسوية للملف الاقتصادي برمته”.

 

مواضيع متعلقة

اترك رداً