في ملحمة السبعين يوماً المجيدة حملــة الحديدة لفك الحصار على العاصمة صنعاء (الحلقة الثالثة والأخيرة)

img

مقالات 0 ✍ محسن خصروف

بقلم/ اللواء محسن خصروف

 

 

“من الشيخ العواضي إلى السيد وزير الداخلية المحترم.

تم فتح الطريق ، وتم تصليح العقد, وبعض المناطق الباقية سيكون الليلة احتلالها من جهة متنة جبل النبي شعيب وطرد العدو، والصباح نحن إلى صنعاء، وبلغوا عائلة علي حلمي أنه تم إخراجه من بين أيادي العدو”.

 

المهندس علي حلمي الجرموزي، أسره الملكيون من منطقة الصباحة مع سيارته، فكان أثناء أسره عينا للثورة ووافى الشيخ المطري بأهم وأدق المعلومات وأهمها الهجوم على نقيل عصر وخلصه المناضل العواضي من الأسر.

عقب ذلك، في نهار 5/2/ 1968م تم توزيع مهام المرحلة الهجومية التالية للسيطرة الكاملة على جبل النبي شعيب، وأهم مواقعه التي تمكن من تأمين الطريق الرئيسي من بوعان وحتى منطقة متنة، وقد كان ذلك، وفق رواية كل من: الشيخ أحمد علي المطري(في شهادته سالفة الذكر)، اللواء أحمد المتوكل، اللواء محمد الفقيه، وهم من قادة الحملة، وكذلك رواية كل من: العميد صالح عبده الخيشني، العميد صالح محمد العبادي المطري، العميد أحمد علي يحيى المطري، وهم من المقاتلين المشاركين في اقتحام مواقع الملكيين في الجبل وسفوحه، على النحو التالي:

المناضل الشهيد الشيخ أحمد عبد ربه العواضي، قاد بنفسه الهجوم الرئيسي على جبل النبي شعيب وأرسل برقية إلى وزير الداخلية في الخامس من شهر فبراير 1968م بتطهير جبل النبي شعيب من الملكيين وإصلاح طريق بديل عن عقد عصفرة، وبشر بالقدوم إلى صنعاء..

الشيخ أحمد عبد ربه العواضي وفرقة من أصحابه ينطلق من جبل الظهار باتجاه محلات الصومعة، وبيت مفتاح.

الشيخ سالم عبد القوي الحميقاني والشيخ علي أحمد الموجاني ومقاتليهما ينطلقون من موقعهم في لَكَّيم الكحل للهجوم على جبل ضبيان والسيطرة عليه.

بعض أصحاب الشيخ أحمد علي المطري بقيادة الشيخ محمد صالح ملفي، ينطلقون من قرية بيت الشعبي للهجوم على قرية السرارة وجبل ظَلٍمْ.

بقية أصحاب المطري ومرافقي كل من قائد الحملة العميد عبد اللطيف ضيف الله والنقيب سنان أبو لحوم وأطقم ومصفحات الشرطة العسكرية والحرس الجمهوري تتحرك مع القوات الثقيلة كحراسة لها باتجاه متنة.

المناضل الشيخ محمد صالح ملفي رحمه الله قاد الهجوم من محور بيت الشعبي – السرارة- جبل ظًلم.

تم التنفيذ فور الاتفاق على الخطة، وانطلق كل إلى الاتجاه المحدد له.

 

في نفس الوقت قام الشيخ المطري بالاتصال, عبر اللاسلكي, بالمقدم أحمد علي شيبان والرائد علي الحاشدي والرائد علي الردمي، وطلب منهم سرعة التحرك من بيت ردم إلى متنة للسيطرة عليها، وحدد لهم ساعة الصفر. وفي هذا يقول الشيخ أحمد علي المطري:

 

 

النقيب (لواء حاليا) علي محمد الحاشدي كان في استقبال الحملة عند عقد حلحلان الذي فجره الملكيون قبيل متنة، وأسهم هو وأصحاب من مقاتلي بيت ردم في إصلاح الجسر لتعبر القوة نحو متنة.

« تحركت مجموعة بيت ردم بقيادة الأخوين يحيى علي الردمي والرائد علي الحاشدي، وكان لهم السبق، فقد وصلوا إلى متنة قبل وصول بقية المجاميع إلى المواقع المتفق عليها، وقاموا بتطهير متنة من إذناب العدو واحتلوا القشلة العليا، وأشعلوا النار في سطحها إعلانا بالنصر, وبعد ذلك بحوالي عشر دقائق وصلت القوة الثقيلة ومرافقوها إلى متنة». ويقول اللواء (كان يومها برتبة نقيب)، علي محمد الحاشدي في مقابلة مسجلة معه، أنه استقبل القوة الواصلة من الحديدة عند عقد(جسر) حَلْحلان، الذي دمره الملكيون، وهو قُبيل متنة بما لا يزيد عن كيلو متر ونصف تقريبا. وأكد لي صحة ذلك القول اللواء حمود ناجي فاضل قائد طاقم الشرطة العسكرية التابع لفرع الحديدة (وكان يومها برتبة مساعد) وما يزال حيا يرزق، حيث قال لي، في لقاء معه، أن النقيب علي الحاشدي، ومعه عدد من المقاتلين، استقبلوهم بالفعل عند الجسر المدمر قبيل متنة. وفي هذا الصدد قال لي اللواء أحمد علي شيبان، في مقابلة مسجلة معه في 12/10/2005م، ما يلي:

المناضلان يحيى الردمي واللواء (نقيب حينها) أحمد علي شيبان، ومناضلي بيت ردم مهدا بشكل حيد لدخول قوات الثورة إلى منطقة متنة.

اللواء/ حمود ناجي فاضل (مساعد حينذاك) أكد أن النقيب علي محمد الحاشدي قائد منطقة بيت ردم كان في استقبال الحملة عند عقد حلحلان قبيل منطقة متنة.

((كان التنسيق بيننا نحن والشيخ أحمد علي المطري في كل شيء، بما في ذلك دورنا في عملية فتح الطريق، وما هي مهمتنا عند وصول حملة الحديد، ونحن، كما سبق وأن قلت لك، كان بيننا وبين أصحابنا الملكيين من بيت ردم المتركزين في منطقة متنة تنسيق كامل، بعدم التفريط في بعض، والتعاون في ما يصلح البلاد، فعند ما جاءت لنا الإشارة من الشيخ أحمد بموعد تقدم الحملة إلى متنة, وأمره لنا بالتحرك بالمقاتلين للسيطرة عليها، تحرك كل من النقيب علي الحاشدي، يحيى الردمي، أحمد شرف، حمود العريق، محمد عبد الله العريق، ومجموعة من بيت شيبان وآخرين، تحركوا نحو متنة للسيطرة عليها، والواقع أن ذلك تم بالتفاهم مع أصحابنا بيت ردم الملكيين الذين كانوا في متنة، بدون حرب، وبناء على تفاهم سابق، وحافظنا عليهم في تلك الحملة، كما فعلوا معنا حين كانت السيطرة لهم على متنة في أوج الزخم الملكي.

وقد قمنا فور إتمام سيطرتنا على المنطقة ومراكزها الحيوية، وبحسب تعليمات الشيخ أحمد، بإشعال النيران فوق القلعة والتلال المرتفعة، ليعرف الجميع أن متنة قد صارت تحت سيطرة قوات الثورة، فواصلت الحملة تقدمها، وكان في استقبالها عند عقد حلحلان النقيب علي محمد الحاشدي وعدد من أصحابنا من العسكريين والمدنيين)).

وقد تم التوقف لفترة بسيطة, لا تزيد عن الساعة والربع, عند ذلك الجسر المدمر، ريثما تم إصلاح طريق فرعي من جانبه، لا يتجاوز طوله 40-50مترا تقريبا، بواسطة المهندسين محمد مريط ومبخوت المطري وعمال مكتب الأشغال في الحديدة، ثم تابعت القوات تدفقها على منطقة متنة عند الربع الأخير من الليل، لتعزز السيطرة الكاملة عليها، ولتتهيأ الحملة بعد ذلك للتقدم باتجاه العاصمة من أكثر من اتجاه.

حين وصلت القوة الثقيلة, وما يرافقها من قوة المشاة الرسمية والشعبية، إلى منطقة متنة كانت قوة المشاة القبلية, التي يقودها المناضل الشيخ أحمد عبد ربه العواضي، تخوض معركة ضارية مع المقاتلين الملكيين في كل محاور القتال التي تقدم منها مقاتلو الحملة للسيطرة على جبلي ظَلِمْ وضبيان، وقرية السرارة، وبيت مفتاح والصومعة، وهي أهم مراكز التحكم في جبل النبي شعيب، وأهم المواقع التي يتمكن من يسيطر عليها من السيطرة القوية على منطقة متنة والطريق الرئيسي إلى العاصمة، وكانت قوة وكثافة ذلك القتال مسموعة في كل أنحاء المنطقة، وتتم متابعتها باهتمام كبير.

وفي منطقة متنة كان قائد الحملة اللواء عبد اللطيف ضيف الله والقادة الكبار من العسكريين والمدنيين يتابعون أولا بأول ذلك القتال، وقد تم الإيعاز إلى رماة المدفعية الم/ط عيار 37ملم والدبابات، وبالذات الرامي الماهر محمد القماري، بالضرب على المواقع المهمة التي كان يستهدفها الهجوم، وخاصة جبلي ظلم وضبيان، اللذين كان العدو يقاتل منهما بشراسة. وقد كان الهدف من القصف، كما قال الشيخ أحمد بن علي المطري، أولا، إشعار مقاتلينا الذين يهاجمون الجبل بأنها قد تمت السيطرة على منطقة متنة التي يمكن منها شن هجوم على ذينك الجبلين من خلفهما، وثانيا بث الرعب في نفوس المقاتلين الملكيين في تلك المواقع، وزعزعة معنوياتهم ودفعهم إلى مغادرة المنطقة، وقد باشر رجال المدفعية والدبابات القصف، وفوجئ العدو به من خلفه، وأبدعوا جميعا في إحداث إصابات مباشرة وفعالة، وأسكتوا العديد من مصادر النيران، وشدوا من أزر مقاتلينا، ورفعوا معنوياتهم أكثر، وكثفوا القصف، ونجحوا بالفعل من بث الرعب في نفوس مقاتلي العدو فغادروا تلك المواقع، ولم تكد تمضي بضعة ساعات من بداية الهجوم حتى كانت قوات الثورة, التي يقودها الشيخ أحمد عبد ربه العواضي، تشعل النيران في أعالي تلك المواقع والقرى التي استهدفها الهجوم، وتكمل السيطرة على جبل النبي شعيب الذي فر منه قادة الملكية ومقاتليهم، وصارت المنطقة وطرقها آمنة وخاضعة لسلطة الدولة. وقد استولت قوة الهجوم في المحاور الثلاثة على كل الأسلحة الثقيلة وعتادها التي خلفها الملكيون الفارون من الجبل، وكذلك الأسلحة الفردية ومخازن الذخيرة، التي غنمها المهاجمون، فيما سلمت الأسلحة الثقيلة وعتادها إلى القيادة، بما فيها مولدين كهربائيين، تم تسليمهما لسلاح الإشارة ليستفاد منهما في شحن البطاريات.

بعد اكتمال السيطرة على المنطقة، وتعيين النقيب أحمد علي شيبان قائدا لها، انتقل قادة الحملة الكبار إلى منطقة المساجد ليلتقوا بالقوة العسكرية التي قدمت من صنعاء تحت القيادة المباشرة للفريق حسن العمري، رئيس الوزراء اعام للقوات المسلحة, وتجمعت هناك استعدادا للهجوم الشامل على جبل عيبان من محور المساجد-عيبان، بالتزامن مع هجوم القوة التي ستأتي من محور حدة- عيبان، بهدف السيطرة عليه، وعلى المواقع الأخرى التي تقع في الجنوب منه، وخاصة جبل ظفار وما حوله من المواقع والقرى التي يمكن أن يكون للملكيين وجود فيها, وان بقيادة النقيب عبد الرقيب علد الوهاب رئيس أركان حرب القوات المسلحة ومجاميع من الصاعقة والمظلات واللواء العاشر وقوات الأمن والشرطة العسكرية وغيرها من الوحدات، وتحت قيادته عدد من كبار الضباط أبرزهم النقيب حمود ناجي سعيد قائد سلاح المظلات، والنقيب قاسم عون والملازمين: منصور عبد الجليل . عبد الواسع قاسم، علي سعيد شعنون، وآخرين سنأتي على ذكرهم تفصيلا عند عرض الجزء الخاص بالأسلحة والوحدات الرئيسية التي شاركت في الدفاع عن صنعاء.

وكان لقاء تاريخيا تعانق فيه الأبطال، وسالت دموع الفرح بالنصر المؤزر لقوات الثورة اليمنية الظافرة، والنجاح الباهر في فتح طريق صنعاء-الحديدة، وفك الحصار عن العاصمة التاريخية لليمن الذي هو ثمرة لتكامل الدور النضالي الرسمي والشعبي الذي تجلى بشكل واضح في ملحمة السبعين يوما داخل العاصمة وفي محييطها وفي كل المحافظات، كما سيتبين في العرض التالي للقوى الرئيسية التي دافعت عن العاصمة رسميا و شعبيا, لنختم الدراسة بعرض لخطة الهجوم على جبل عيبان وامتداده الجغرافي من الجهة الجنوبية, لتتوج كل معارك الدفاع عن العاصمة بنصر مؤزر كسر طوق الحصار عنها، وفتح الطريق لملاحقة فلول الملكية وتحقيق انتصارات أخرى متتالية وقاصمة لظهر القوى الإمامية ونهجها الظلامي الرجعي المتخلف.

مواضيع متعلقة

اترك رداً