الشهيد الزنداني قصة نجاح مُشرِّفة

img

 

بقلم/ محمد علي محسن

سأكتب اليوم عن الشهيد، اللواء ركن/ صالح الزنداني، نائب رئيس هيئة أركان الجيش، ذاك الإنسان الشهم والنبيل، الذي قدر له وبجهده وتعلمه وعلاقته وكفاحه، أن يدون قصة نجاح، تستحق ان تروى وتدون في سفر التاريخ الحديث، فحيثما ذهبت ومكثت فلا تجد غير السمعة الطيبة والاثر الجميل.

لن احدثكم عن القائد العسكري، ولا عن رتبته، أو منصبه، أو فعله أثناء مهمة التحرير لمدينة عدن وأخواتها المدن المحررة، فهذه الاشياء اتركها لزملاء ورفاق واصدقاء الشهيد الزنداني رحمه الله عليه؛ وإنما أكتب هنا قصة نجاح دونها صاحبها بعرق، ودم، وصبر، وجلد، فأستحق ان يترك أثراً في كل موضع ونفس..فأفصح الخطباء النجاح، قولة سطرها نابليون بونابرت، وأجدها حاضرة الآن في قصة نجاح هذا القائد العسكري المحنك؛ فمن قريته الصغيرة «السرير» الرابضة في سفوح جبل جحاف، الى عدن وشطآنها ورمالها وبحرها، كأنه ذينك المتتبع لمجرى النهر وصولاً للمحيط اللج الغزير..

ومن طفولة بائسة فقيرة في الريف، وحُرمت من حنان أبوة هاجرت خلف البحار، بحثاً عن الرزق؛ إلى فضاء المدينة الواسع والعامر بالتعلم والحلم والاغتراب الداخلي –أيضاً- وبرغم قساوة الزمن أبى الفتى الريفي إلَّا ان يصمد ويصبر ممنياًً ذاته بنيل الشرف، فالإنسان دون صبر سراج دون زيت، والإنسان دون طموح ميت وهو حيُّ يُرزق.

حاك قصته البديعة والملهمة، بكد وصبر وشغف، فمن جندي عادي في جيش الدولة الوطنية الفتية، إلى طالب في الكلية العسكرية الدفعة الثانية منتصف السبعينات، إلى ضابط يشق طريقه نحو البروز والمجد، بدءاً من كرش والصبيحة، مروراً، في لودر وسقطرى وشبوة، وانتهاءً في صنعاء وعدن.

ومن دائرة العمليات الحربية بوزارة الدفاع، كضابط ميداني انهمك برسم الخطط والخرائط؛ إلى طالب في أكاديمية فرونزا الروسية في هزيع الثمانينات ؛ إلى مستشار عسكري لنائب الرئيس علي سالم البيض ؛ الى مُقعد جبروتاً وظلماً عقب حرب صيف 1994م..  ومن عمليات الدفاع ثالثة، بعيد ثورة الضباط والجنود عام 2007م، الى نائب رئيس شعبة؛ إلى نائب مدير دائرة؛ إلى مدير دائرة؛ إلى رئيس هيئة العمليات المشتركة؛ إلى أن رقي لمنصب نائب رئيس هيئة الأركان، منتصف العام 2017م.

في خليجي 20 في عدن، تولى الاشراف المباشر على غرفة العمليات، وخلال اسابيع الدورة الرياضية خطف الاضواء نظير نجاحه في عملية التامين والمتابعة والتنظيم، لتنهال عليه المهام، ففي السنة التالية 2011م نجح مرة اخرى في إدارة العمليات الحربية ضد تنظيم القاعدة في محافظة ابين بقيادة اللواء ركن الشهيد/ سالم قطن، قائد المنطقة الرابعة حينها، رحمة الله تغشاه.

كان قائداً عسكرياً فذاً من الطراز الرفيع، وقبل ذا وذاك كان إنساناً محباً ومتسامحاً وبشوشاً وصادقاً، فعلى المستوى الشخصي كان رجلاً رائعاً، لطيفاً، وديعاً، وفياً، متواضعاً، صدوقاً، لا يضمر ضغينة لأحد. . كما وفي بيته مثل عمله، فابتسامته لم تفارق محياه، وسلوكه مع أولاده وأقاربه هو ذاته مع مرؤوسيه واصدقائه وكل من قابله، إنه وبكلمة وجيزة إنسان مميز وناجح، وحري بالأجيال الحاضرة والقابلة أن يكون نموذجاً تقتدي به، فسيرته الزاخرة بالتواضع والكفاءة والصبر والإيثار والتعلم والاجتهاد، قصة نجاح وينبغي أن يتأسى بها..  إنَّه ذاك القائد العسكري الذي يحسب له صقل ذاته وبمهنية واحترافية قلما يُعثر عليها في هذا الزمن الفائض بالوضاعة والجهالة، فالزنداني من القادة القلائل الذين ارتقوا سلم المسؤولية، بجدارة واستحقاق ودونما محسوبية او وساطة، فمثلما قيل قديماً: اتقن عملك تحقق أملك « وقد أحسن صنيعاً، حين اخلص لمهنته وشغف بواجبه.. صديقي الرائع الصحافي الدكتور/ علي منصور أحمد، مدير فرع التوجيه المعنوي للجيش في عدن، له الف حكاية وقصة وموقف مع الزنداني، تحدث لي بحرقة وحسرة، عرفت منه كم كان الرجل إنساناً نبيلاً وعفيفاً لا يعرف المكر، أو البغض، أو الكذب، أو الحسد.

المنصوري الشاعر المرهف سرد علي قصته وزمالته مع القائد الزنداني، تذكرت وقتها حقيقة أن الإنسان الحقيقي هو الذي لا يتباهى بشيء، فالمغرور اشبه بديك يعتقد ان الشمس تشرق كل صباح لكي تستمتع بصوته، وفق قولة مأثورة.

كما وانتابني احساس عميق بعظمة الشهيد الراحل الذي تحلى بمزيتين أصيلتين؛ الأولى في اخلاقه الرفيعة التي جسدها في عمله وسلوكه، وأظن أن صديقي الكظيم بذكره شميلة الأخلاق، ربما اراد القول: إن ما غرسه فيه وهو ورفاقه وكل من تعامل معهم الزنداني أتي أُكله الآن، وبثمرة طيبة، وشجرة لا تهرم أو تشيخ.. وحتماً ستبقى جذور الأخلاق مغروسة في عنان السماء، فيما أزهارها وعطرها ناشرة أريجها في نفوس البشر وفي عموم المكان والزمان.

أما الميزة الاخرى المحببة لصاحبي فهي انه لم يسمح لقلبه مطلقاً كيما يتسرب البغض إليه، كسلاح لطالما استخدمه ضعفاء القوم.. قبيل استشهاده وبمدة وجيزة، كان الزميل الخلوق النبيل « نبيل الجنيد « حدثني عنه، وكيف انه يعاملهم كأب حنون على أولاده، وليس كقائد عسكري وجنود وضباط في الخدمة، قال لي الصحفي – الذي أصيب في انفجار الطائرة المسيرة – انه دُهش من تواضع وبساطة الرجل الذي شغف بمرافقته وأخذ نصحه.. اصدقكم انني لم أحظ بشرف اللقاء به وجهاً لوجه، ومع ذلك كنت قد عرفته من زملائه ومن اترابه ومن مجالسيه، كما وألممت بتفاصيل قصة حياته من خلال أُناس كُثر وعلى لسان زملاء وأصدقاء لم يبخسوا الرجل حقه، اذكر منهما الصحفيين الجحافيين «هاجع وخالد»، فضلاً عن أن قرية الشهيد محاذية لقريتي، هذا إذا ما قلت إن المدرسة الابتدائية التي تعلمت بها كائنة في «السرير»، مسقط رأسه، ومركز مديرية جحاف حالياً.. بل واكثر، فلقد كان قريباً إلى نفسي بقصة حياته الحافلة بالكد والجد لبلوغ المنتهى المشرف، إنه أفضل تجسيد للمثل الروسي الشهير: الجندي الذي لا يأمل ان يصبح يوماً جنرالاً، هو جندي خامل «، كيف لا وهو الذي نال الشرف الرفيع في حياته ومماته؟

ألم يقُل هارون الرشيد قولته الشهيرة: الشرف يمنع صاحبه من الدناءة، ولهذا السبب الناس أحبت القائد الزنداني بكونه لم يفرط او يرهن رتبته أو منصبه أو شرفه العسكري للشيطان ودناءته.. نعم، احببت قصة كفاحه كيما يبلغ منتهى طموحه، فمثلما قيل: إن التعلم يضاعف المواهب، والطموح لا يشيخ ابداً، والزنداني في حياته كان من هذا الصنف النادر، ولع بالمعرفة فحقق طموحه ونال رضا الله والناس، وحين أكثر من المعرفة زاد فعله وقل كلامه.

فعادة ما تكون الثرثرة نتاج لقلة المعرفة، والعكس صحيح، إذ إن الصوت الهادر الصاخب دلالة على العقل الفارغ، أليس الصوت العالي من الطبل الفارغ الاجوف؟!

نعم، قصته استهوتني، فحياته كانت مثار دهشة وفخر، وموته كان ألقاً منيراً يروم إليه كل انسان حُر وشريف، فيكفيه أن موته غيلة وخسة وعدواناً، ويكفيه زهواً وشرفاً انه مستقبل الموت لا مولياً ظهره له، ويكفي ان اسمه سيظل خالداً على مدى الأزمان، فأسماء الشهداء أخلد الأسماء.. الله أحبه، حين أكرمه بصفات العظماء، ولأنه من الرجال الصادقين الصامتين، فما من صاحب أو قريب او رفيق أو زميل إلَّا ويتذكر سيرته الحسنة العطرة، فيذرف دمعة أو يتضرع له بالدعاء، فكيف لا يحزنون؟! وكيف لا يبكون؟! فالدموع ومثلما قيل: هي مطافئ الحزن العظيم، وكيف لا يتضرعون لله تعالى كيما يتقبله شهيداً برفقة الأنبياء والصديقين والاتقياء؟ فهذا رسولنا وحبيبنا المصطفى قال: «استقبلوا البلاء بالدعاء».

 

كلمة وداع

وداعاً، القائد الإنسان ابا المعتمد، وصلاح، ومحمد، وأكرم، فما أوجعنا برحيلك المباغت، وما أحزننا بوداعك المؤلم؛ فكيف لا نحزن عليك وهذه الوجوه عابسة مكفهرة، وهذه المآقي نازفة، وهذه السماء واجمة كئيبة، وهذه قريتك ومسقط رأسك «السرير» باكية متلفحة السواد، وهذه «عدن» المدينة التي سكنت شغاف فؤادك تواريك ثراها بحزن أُمِّ مكلومة وفراق الاوفياء..

أقول لك وداعا وان كنت اعلم ان مثلك لا يرحلون ببساطة وبسرعة، بل يبقون خالدين في نفوس واذهان ووجدان الناس، فمن سوء حظ الرجال العظام هو ان التاريخ والناس لا يشعران بقيمتهم وفعلهم سوى بعد رحيلهم، وهذه مأساة حقيقية نراها ماثلة برحيلك اليوم.. لا اعلم أأكتب ودائعية مخضلة بدمعة حرة أم مرثية عزاء ومواساة لأهلك وذويك؟ أم مرثية ودمعة لوطنك وشعبك؟ أم قصة نجاح ادهشتني واجبرتني كي اشاركها الجميع؟. اصدقكم انني لا أدري ما جدوى الكلام وما نفع الوداع وما قيمة المرثيات؟؟ ففي نهاية المطاف جميعها مجرد مفردات صاعدة من صدر كظيم لم يحتمل وقع الفاجعة الكبيرة وهاله المصاب الجلل والعظيم.. والان وبعد سرد ما في نفسي، ليس لي غير التذكير بحديث المصطفى عليه افضل السلام القائل: «إنَّ العين لتدمع، وإنَّ القلب ليحزن، وإنَّا على فراقك يا ابراهيم لمحزنون، ولكن لا نقول إلا ما يُرضي ربَّنا».

سأقول: وداعاً ايها الإنسان الطيب الجميل، وإنَّا على فراقك يا ابا صلاح والمعتمد ومحمد وأكرم لمحزونون، فنم قرير العين، وسلام على روحك وليسكنك الرب الفردوس الأعلى مع الصديقين والشهداء، وليلهم أهلك وذويك ورفاقك وصحبك الصبر والسلوان، وحسبنا الله ونعم الوكيل آمين..

مواضيع متعلقة

اترك رداً