لا حسمَ عسكرياً في اليمن.. إذاً فلا حلَّ سياسياً

img

مقالات 0 عبدالوهاب بدر خان

بقلم/ عبدالوهاب بدر خان *

ما الذي تغيّر لكي يصبح إنهاء الحرب في اليمن أولوية دولية، وما الذي استجدّ حتى صار التعايش مع هذه الحرب صعباً حتى في واشنطن وهي الأكثر كسباً منها، بمقدار ما هو صعب لدولٍ تضاءلت مكاسبها وتريد رفعها؟ أهو الوضع الإنساني الذي لم يعد إنسانياً البتة، أم أنه ارتفاع عدد الضحايا من المدنيين، أهي صراعات سياسة ومصالح متنكّرة بتداعيات قتل الصحافي جمال خاشقجي لابتزاز السعودية أم أنها الصراعات ذاتها لكن تبدّلت فيها المواقف على خلفية التعارض الأميركي – الأوروبي في شأن الاتفاق النووي والعقوبات المشدّدة على إيران؟ إذا كان الدافع أخلاقياً فقط فإنه لا يستدعي أي تساؤل، وكلّ تحرّك لإنهاء أي حرب مرحّبٌ به، حتى لو جاء متأخّراً.

 

مؤلمة حرب اليمن، خصوصاً معاناة الشعب الذي أسره الحوثيون. يسرقون الإغاثات لإطعام مقاتليهم ويتّخذون من المدنيين درعاً يحتمون به، يستخدمون مآسيهم لصنع صورة «إنسانية » لأنفسهم، يدفعونهم إلى الموت ويلقون المسؤولية على الآخرين. قال زعيمهم أخيراً إن «الاستسلام لا يكون ولن يكون»، ولا ترجمة لذلك إلا أن القرار محسوم عنده، أي عند إيران، بأن هذه حربٌ بدأت لتستمر إلى أن تتحصّل طهران على «الثمن المناسب» لوقفها. ما أدّى إلى إطالة الحرب أن الحوثيين خرجوا من كهوف صعدة إلى السيطرة والاستئثار بالسلطة من دون شركاء، ولن يتردّدوا في تدمير المدن إذا كان عليهم أن يعودوا إلى تلك الكهوف التي لم تعد آمنةً على أي حال. والدمار ليس غريباً على إيران وأتباعها، فهي تعممه حيثما حلّت وحلّوا.

 

بدأ الفصل الثاني ويُفترض أن يكون الأخير من معركة الحديدة بالتزامن مع انطلاق دعوات أميركية إلى وقف إطلاق النار والذهاب إلى مفاوضات سياسية، هذه المرّة في السويد، وبنهاية الشهر الحالي، وقد جرى تأجيلها. لم يُعرف إلامَ استند وزيرا الدفاع والخارجية الاميركيان حين حدّدا بكل وضوح وثقة موعداً لنهاية الأعمال القتالية، ومع افتراض أن العلاقة الوثيقة مع الرياض وأبو ظبي تتيح لواشنطن ضمان تعاونهما إلا أن شيئاً لا يضمن تعاون الانقلابيين. طلب مايك بومبيو وقف الحوثيين إطلاق الصواريخ على السعودية والإمارات ووقف الغارات الجوية للتحالف العربي. أما جيمس ماتيس فأشار إلى «نزع أسلحة» أسلحة الحوثيين ووضع صواريخهم تحت «مراقبة دولية»، كذلك إلى عن «لا مركزية» أو «مناطق حكم ذاتي» في نهاية المطاف. كان الوزيران يخاطبان خصوصاً أعضاء في مجلسَي الكونغرس من الجمهوريين والديموقراطيين يضغطون منذ فترة طويلة، حتى قبل أن تطرأ قضية خاشقجي، للعمل على وقف الحرب في اليمن. غير أن ضغوطاً كهذه في واشنطن وما يماثلها في لندن وبرلين وعواصم أخرى انطوت دائماً على نقاط مثيرة للجدل: فهي تتذرع بالوضع الإنساني مثلاً علماً بأن مسؤوليته لا تتعلق بطرف واحد في الحرب، كما أنها تتجاهل أسباب الحرب على رغم صدور قرارات دولية في شأنها، ثم أنها تغفل البُعد الإيراني بتهديداته ومخاطره.

 

أصبح معروفاً أن ما ينُتظر من معركة الحديدة أن تغيّر موازين القوى ميدانياً، خصوصاً إذا أضيف إليها التقدم من جهة جبل مران في صعدة شمالاً، كذلك الضغط الحاصل في جبهات الضالع والبيضاء. ويدرك الانقلابيون أن منطقة يخسرون السيطرة عليها تفقدهم نقاطاً وتُضعف موقفهم التفاوضي الذي تراجع كثيراً منذ اغتيالهم علي عبدالله صالح وتلاشي تحالفهم مع حزبه. لذلك يتعاملون مع التحضير لأي تفاوض بطرائق شتى. إذ يعتبرونه فرصة لعرض شروطهم، وأولها وقف الحرب الذي مطلب طهران منذ اليوم الأول وباتت مطلباً لدول أوروبية إلى أن أصبح الآن مطلباً اميركياً وإنْ بمحدّدات وأهداف مختلفة. وحين يكتشفون أن مسألة وقف الحرب لم تنضج دولياً يدفعون بمطالب بغية كسر الحصار المفروض عليهم وإذا لم يحصلوا على تنازلات مسبقة من الطرف الآخر يحيطون مشاركتهم في التفاوض بالغموض ثم يُخضعونها لمناورات تستهدف استدراج ضغوط على الحكومة الشرعية والدول الداعمة لها. في غضون ذلك يبقون هم متحرّرين من أي ضغوط، كونهم قوة أمر واقع وليسوا «دولة» أو «حكومة ذات شرعية»، وبالتالي فليست عليهم أي مسؤولية.

 

منذ إخفاق مشاورات (مفاوضات) الكويت منتصف العام 2016 لم ينجح أي مسعى في إعادة جمع الطرفين للتداول في احتمالات حلٍّ سياسي. ومَن تابعوا الجهود السابقة اختبروا عن كثب انعدام الإرادة لدى الحوثيين للتفاوض الجدّي، إذ إنهم أضاعوا معظم الوقت في جدالات على العموميات. فالأمم المتحدة التي ترعى المشاورات ملزمة بمرجعية القرارات الدولية ولاسيما القرار 2216 فضلاً عن المبادرة الخليجية كونها بمثابة «دستور انتقالي موقّت» وكذلك توصيات الحوار الوطني الذي أجري بإشراف أممي. غير أن الجانب الحوثي لا يعترف بأيٍّ من هذه المرجعيات، ولا يعترف بالحكومة الشرعية بل يعتبرها مجرد طرف آخر مناوئ له، وسواء صرّح بذلك أم أبقاه كخلفية للتفاوض فإنه أربك عمل الوسيط الأممي والوسطاء الآخرين الذين تدخلوا لـ«التسهيل» كما قيل وانتهوا عملياً إلى الضغط على الحكومة الشرعية لاستدراج تنازلات. ولم يتح الحوثيون في أي لحظة الاقتراب من أي بحث رصين في النقطة التي تشكّل محكّاً لاستجابة أي حل، وهي الانسحاب من المدن وتسليم الأسلحة المنهوبة من ثكن الجيش اليمني.

 

تتكثّف الجهود الدولية مع السعودية والإمارات اللتين أعلنتا بوضوح انهما لن تضيّعا أي فرصة سانحة لجمع الأطراف اليمنية في محادثات جديدة. ومثلهما رحّبت الحكومة الشرعية، لكن أحداً لم يعرف الموقف الحقيقي للحوثيين، فحتى المبعوث الأممي مارتن غريفيث لم يغامر أخيراً بإعلان أي موقف في شأنهم بعدما خذلوه في أيلول (سبتمبر) الماضي وفوتوا الفرصة التي أتاحها لهم في جنيف، لكنهم لم يأتوا. وكانوا خذلوه أيضاً في كل ما اقترحه لنوع من التحييد للحديدة وبالأخص ميناءها. لذلك لم يبقَ أمام الجيش الحكومي سوى استكمال الزحف لاستعادة الحديدة. حتى لو لم تعلن القوى الدولية مواقف صريحة فإنها تراهن ضمناً على أن تضغط التطوّرات الميدانية على الحوثيين ليكونوا أكثر استجابةً للجهود الديبلوماسية، وعدا ذلك فليس لدى المجتمع الدولي أي وسائل أخرى للضغط على الانقلابيين، طالما أن ليست لديها قدرة للضغط على إيران.

 

المفارقة أن العديد من المصادر الأميركية يضع التصعيدَين العسكري والسياسي في إطار الضغوط الأخرى التي تمارس على إيران، ومنها العقوبات الجديدة. لكن، إذا كانت طهران تقوم بحملة بروباغندية واسعة إظهاراً لتحدّيها الولايات المتحدة فإنها لن تتوانى عن حفز أتباعها الحوثيين على التمثّل بإشهار التحدّي أيضاً. كما أن طهران التي لا تقاتل بجنودها ولا تحارب على أرضها لا شيء يضطرّها لتسهيل مهمة الغربيين. صحيح أن وقف الحرب كان هدفها ومصلحتها في آذار (مارس) 2015، عندما كان الحوثيون بكامل زخمهم وقوتهم واستعدادهم للاستحواذ على اليمن، أما الآن فإن طهران ترى أن وقف الحرب بات هدفاً ومصلحةً غربيين، وبإمكانها أن تبدي أولاً استجابة لإظهار قوة تأثيرها لكنها ستتشدّد في مرحلة التفاوض لضمان مكانة جماعتها الحوثية في المعادلة اليمنية المقبلة.

 

تزامنت المحاولات التي بذلت لإصدار قرار من مجلس الأمن يطلب وقف الحرب ودعوة الفرقاء إلى الانخراط في مفاوضات، مع تلويح الإدارة الأميركية بإدراج جماعة «أنصار الله» (الحوثيين) على قائمة المنظمات الإرهابية. هناك صيغة في مشروع القرار الدولي تقترح أن يكون التفاوض «من دون شروط»، فإذا عنت التفاوض من دون مرجعيات فإنها ستبدو كأنها تنزع الاعتراف الدولي بالحكومة الشرعية، وبالتالي ستلبي طموحاً عزيزاً على الايرانيين والحوثيين، وعندئذ يصعب ضمان نجاح أي تفاوض ما لم يحقق الانقلابيون أهدافهم بإرادة دولية هذه المرّة.

 

* المصدر: “الحياة”

مواضيع متعلقة

اترك رداً