سبتمبر وأكتوبر .. واحدية الثورة والنضال والهوية

مقالات 0 رشاد المخلافي

تأتي الذكرى الـ55 لثورة الرابع عشر من أكتوبر المجيد وقبلها بأيام قلائل مرت الذكرى الـ56 لثورة السادس والعشرين من سبتمبر /أيلول المجيد لعام 2018م واليمن تعيش وضعا استثنائيا وصعبا في ظل الانقلاب الحوثي وتكالب الأطماع الخارجية، وبروز مشاريع صغيرة طائفية في الشمال ومناطقية وجهوية في الجنوب، جميعها تنذر بتشظي الكيان اليمني الواحد وتعمل على تفتيت هويته الوطنية الجامعة.

▪ 14 أكتوبر ثورة لم تعترف بالحدود

إن الشعب اليمني وقواه الوطنية الحية باتوا يدركون أن هذه القوى ذات المشاريع الصغيرة التي تنشط اليوم (شمالا وجنوبا) ماهي إلا أدوات بيد الأطماع الخارجية التي تدعمها لتمرر مشاريعه في اليمن والمنطقة، وفي القوت نفسه هي قوى تعود جذورها إلى ماقبل 26سبتمبر وإلى ماقبل الاستقلال وكل منها تستمد شرعية بقائها واستمراره من وجود الآخر، وتتغذى على دماء وقوت البسطاء وعلى أوجاع الوطن، وما كان لها أن تكون لولا الخيانة التي مارسها النظام السابق ضد الثورة والجمهورية خلال  الثلاثة العقود الماضية، وفي ظله زدا نشاط المؤامرات من الداخل والخارج الذي تعرضت له الثورة اليمنية “سبتمبر وأكتوبر” والنظام الجمهوري.

وبعد أكثر من نصف قرن على قيام الثورة ها هوا شعبنا اليمني اليوم بات يدرك أكثر منذو  قبل أهمية وعظمة وسمو الثورة اليمنية “سبتمبر وأكتوبر” المجيدتين وواحدية نضالها، ومشروعها الوطني الكبير، سبتمبر وأكتوبر التي جسدة الهوية اليمنية الوطنية الجامعة، في كل مراحل نضالاتها وتضحياتها.

الثورة التحررية العظيمة التي قهرت المستحيل ووحدة قوى الشعب الوطنية ونضالاتهم ضد الاستبداد الكهنوتي السلالي في الشطر الشمالي الأكثر تخلفا وإنحطاطا  في التاريخ، وضد الاستعمار البريطانية في الشطر الجنوبي الذي نهب ثروات البلاد، الثورة التي رحلت الإمبراطورية العظمى وأسقطت مشروع التقسيم الاستعماري وأنهت 23 كيانا مزروعا  في الشطر الجنوبي من الوطن مابين إمارة وسلطنة ومشيخة إضافة إلى مستعمرة عدن، وكان لكل منها كيانه السياسي والإداري وعلمها الخاص وحدودها  وجهازه الأمني وجواز سفرها، وجميع تلك الكنتونات  ارتبطت بسلطة الاحتلال البريطانية، حتى قامت الثورة الأكتوبرية  التي كسرت أسطورة الإمبراطورية التي لاتغيب عن مستعمراتها الشمس، وأسقطت شمس المستعمر البريطاني، وأفشلت خطط ومشاريع التقسيم في اليمن.

اليوم بات اليمنيون يدركون أهمية (سبتمبر وأكتوبر) وأهدافها الخالدة، وعظمة قواها الوطنية الحية التي التحمت في المعركة الوطنية (شمالا وجنوبا) في سبيل الحرية والكرامة والاستقلال والوطنية اليمنية الجامعة، وسطر أبطالها بدمائهم الطاهرة أروع ملاحم البطولات والانتصارات على امتداد الأرض اليمنية شمالا وجنوبا في سيمفونية وحدوية خالدة، وهم يحملون على عاتقهم المشروع اليمني الوطني الكبير لليمن، متجاوزين كل العوائق والصعوبات التدخلات الخارجية وأدواتها الداخلية، بإرادة وطنية قوية وصلبة، فحققوا النصر التاريخي السبتمبري  الأكتوبري العظيم.

إن اليمنيون اليوم يحتفون ويحتفلون بذكرى ثورتهم “سبتمبر وأكتوبر شعبيا على مستوى القرى والأرياف والمدن والمحافظات في كل ربوع الوطن، وهناك التفاف شعبي واسع حول الثورة والوحدة والنظام الجمهوري بشكل غير مسبوق، إيمانا منهم بقدسية مبادئ وأهداف (سبتمبر وأكتوبر)  وهم يناضلون لاستعادة الجمهورية وبناء دولتهم الاتحادية المنشودة بمضامينها الدستورية والقانونية، لإدراكهم بانها الطريق التي ستحقق لهم قيم العدالة والحرية والكرامة والسلام والاستقرار والنهوض الحقيقي للوطن..

▪ مراحل الثورة 14 أكتوبر

في بداية خمسينيات القرن الماضي شهدت المحميات الغربية عدة انتفاضات مناوئة للاحتلال البريطاني ففي 27 ديسمبر عام 1950م بمدينة المكلا قامت انتفاضة شعبية عارمة ضد الاحتلال وأدواته رحيل  وعملائه، وطالب ابناء حضرموت رحيل الاحتلال معبرين عن رفضهم بقاء النفوذ  البريطاني وهيمنتة على حضرموت وجنوب اليمن بشكل عام.

وفي فبراير من العام 1955م تمردت القبائل في إمارة الضالع ونفذ اثنان من الفدائيين قتل موندي وهو أحد مسؤولي بريطانيا في مستعمرة عدن حيث قتل اثناء زيارته إلى إمارة الضالع، وبعد تنفيذ العملية الفدائية مباشرة تمكنا من الخروج إلى قعطبة.

كما نفذت قبائل الأزارق والأحمدي والأحميد والمحاربة وهديان في إمارة الضالع عدت انتفاضات مسلحة تمكنت من إسقاط المركز البريطاني في الحرف منطقة الأزارق  في فبراير عام 1957م وسلم كل من فيه للثوار، وكان رد الاحتلال القصف العنيف لتلك المناطق بالطيران والمدفعية في عملية سمت “الأرض المحروقة” أدى ذلك إلى نزوح كثير من الأسر إلى محافظة إب.

عدن.. ونتيجة لموقعها الاستراتيجي الهم فقد جعل منها المستعمر قاعدته العسكرية للسيطرة على طرق التجارة العالمية في بحر العرب ومضيق هرمز والمحيط الهندي وسواحل افريقيا شرقا وباب المندب والبحر الأحمر شرقا، ومركزا لتزويد السفن بالقود والفحم، كما جعل منها قاعدة تجارية “ميناء  ترانزيت” لتوزيع البضائع القادمة من مستعمراته في الهند والشرق وكذلك البضائع القادمة من الغرب، وتوزيعها، وكانت عدن قد شهدت نشاطا اقتصاديا وتطورا عمرانيا وانتشارا للتعليم، كما شكلت منطقة جذب للعمال والطلاب من أبناء المحميات ومن مناطق شمال اليمن، على الرغم من القيود المجحفة التي وضعها المستعمر على أبناء المحميات وابناء شمال اليمن، وشهدت عدن تطورا في البنية الإجتماعية التي ذاب فيها اليمنيون من كل المناطق اليمنية،  وبروز الأطر المنظمة الحديثة والكيانات الوطنية المنظمة، “أحزاب وتنظيمات سياسية ونقابات مهنية وعمالية”، حيث شهدت عدن في مارس عام 1956م تنظم النقابات وتأطيرها من خلال تأسيس المؤتمر العمالي وهو اتحاد يظم 26نقابة عمالية ومهنية كانت تظم ثلاثين ألف عامل من الشمال ، وكان من أبرز أهدافها الوطنية المطالبة بحقوقها والمطالبة بتحقيق الوحدة اليمنية.

تحولت عدن إلى ملاذ أمن للأحرار اليمنيين في الشمال الفارين من بطش الإمام وذابو مع اخوانهم من أبناء الجنوب في مختلف التنظيمات والأحزاب السياسية في ظل تنامي وتصاعد الشعور الوطني ضد نظام الإمامة الكهنوتي المتخلف والمستبد في شمال اليمن وضد الاستعمار البريطاني في جنوبه، مما أرعب الإمام والاستعمار في وقت واحد، وأفضى إلى عقد اتفاقية بينهما يقوم الإمام بموجبه على توقيف أي نشاط للقوى الوطنية من ابناء الجنوب من أراضي الشمال ضد بريطانيا وبنفس الوقت تقوم بريطانيا بتضيق الخناق على أنشطة  الأحرار الدستوريين ضد الإمام انطلاقا من  عدن.

▪ يشترك النظام الإمامي المستبد في الشمال  والاستعمار البريطاني في الجنوب في سياسة “فرق تسد” من خلال تكريس الانقسامات وتأجيج الصراعات وتغذيتها وتمزيق نسيج المجتمع اليمني الواحد من أجل الاستمرار في الحكم والسيطرة،كما عملوا على تفتيت الهوية اليمنية الوطنية واستبدالها بهويات ماقبل وطنية  “طائفية وقبلية في الشمال، ومناطقية وقبلية وجهوية في الجنوب” فقد عمد المستعمر البريطاني على تغيير ديمغرافي في مستعمرة عدن من خلال إستقطاب آلاف الأجانب وتجنيسهم، كما سعى إلى خلق  كيانات هشة (إمارات وسلطنات ومشيخات)في المحميات، توحدت أهدف المستعمر البريطاني والإمامة الكهنوتية على ضرب القوى الوطنية ومحاصرتها، ووقف نشاطها، وهي القوى التي جمعت اليمنيين شمالا وجنوبا ووحدت نضالاتهم المشروعة ..

▪ الاستعمار وتوطين الأجانب

شهدت عدن عشرات الإضرابات العمالية والمهنية وفي أبريل من العام 1958م شهدت عدن اضرابا هو الأوسع  من نوعه شمل معظم القطاعات الإنتاجية والخدمية ضد سياسة سلطات الاحتلال البريطاني، التي شجعت على تدفق الهجرة الأجنبية إلى المدينة، كما هدف الإضراب الذي دعا إليه المؤتمر العمالي إلى إسقاط قانون الهجرة والجنسية الذي أصدرته سلطات الاحتلال في يناير 1954م الذي أعطى الأولوية لهجرة الأجانب إلى مستعمرة عدن ومنحهم كل التسهيلات في المواطنة بموجب بقائهم ثلاث سنوات وما فوق، ووضع عوائق كبيرة وقيود مجحفة بحق اليمنيين من ابناء المحميات وابناء الشمال، إضافة إلى قانون الهجرة أصدرت قانون الجنسية الذي اطلق عليه “قانون التعدين” وحددت فيه معاير تحرم أبناء المحميات والشماليين وتسهل حصول الجنسية للأجانب وممارسة الحقوق السياسية كما منح القانون حق المواطنة البريطانيين وابناء رابطة دول الكومنولث وأستثنى منها أبناء اليمن جنوبا وشمالا، وكانت عدن قد استقبلت مابين الأعوام(1953م) و (1956م) 112 ألف مهاجر أجنبي  بمعدل 27 الف مهاجر في العام الواحد.

زدا نشاط النقابات والأحزاب والتنظيمات  السياسية بمختلف توجهاتها وكذلك الانتفاضات القبلية المسلحة، وتوحيد الهدف في نضالها ضد الاستعمار والإمامة، مؤكدة في كل مواقفها وأدبياتها على الهوية اليمنية الوطني الجامعة وعلى الوحدة اليمنية، رافضة كل أشكال التقسيم والحدود الجغرافية المصطنعة، فقد تشكلت كيانات تنظيمية أوسع مثل جبهة التحرير والجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمني، وعندما ادرك الاستعمار البريطاني عدم قدرته في البقاء أمام نضال شعبنا سعى إلى قطع الطريق أمام الحركة الوطنية من خلال خلق كيان اتحادي هش وعميل فأعلن في ابريل1963م تأسيس اتحاد فدرالي أسماه “إتحاد الجنوب العربي” يضم المحميات الغربية والشرقية موالي له.

▪ ثورة 26سبتمبر 1962م

في 26سبتمبر  عام 1962م انفجرت الثورة في الشمال وأطاحت بالحكم الملكي الإمامي الرجعي وفتحت آفاق جديدة  أمام العمل النضالي التحرري ضد الاستعمار في جنوب الوطن “واستقبلت صنعاء وتعز والبيضاء وإب أفواجا من الحركة الوطنية” وفتحت معسكرات التدريب، فقد كان لسبتمبر دور مهم وبارز في تصعيد الكفاح المسلح ضد الاستعمار البريطاني في الجنوب وكانت الجمهورية الوليدة في الشمال الأرضية الصلبة التي أسندت إليها ثورة أكتوبر، كما وقفت كل التنظيمات السياسية والأحزاب الوطنية والقبائل المسلحة الجنوبية إلى جانب ثورة 26 سبتمبر وقاتلوا جنبا إلى جنب مع ثوار سبتمبر ضد القوى الملكية وحلفائها  في المحابشة بقيادة الثائر البطل راجح بن غالب لبوزة وفي جبهة صرواح خولان وفي حرض وانخرط كثيرا منهم في الكلية الحربية، أدرك حينها المستعمر البريطاني بخطورة المد الثوري القادم من الشمال وأن مصالحه الاستراتيجية في جنوب اليمن باتت في خطر، مما دفعه في أواخر عام 1962م الى فتح معسكرات لإستقبال المقاتلين الملكيين في مناطق  الجنوب، كما قدمت الدعم العسكري واللوجستي لهذه القوى وارسالهم مرة أخرى  للقيام بأعمال تخريبية ضد الجمهورية.

وفي العام 1963 رجع  البطل راجح لبوزة من المحابشة محافظة حجة إلى ردفان لمواصلة الكفاح المسلح ضد المستعمر وفي صبيحة 14 أكتوبر أشعل شرارة الثورة المسلحة من جبال ردفان، حيث استمرت المواجهة مع القوات البريطانية حتى استشهد ظهر ذلك اليوم لتبدأ  مرحلة انطلاق الثورة المسلحة  ضد الاستعمار البريطاني وتسارعت وتيرة  العمل الفدائي داخل عدن والمدن في الجنوب ضد الاحتلال بدعم جمهورية سبتمبر حتى نال شطر اليمن الجنوبي استقلاله برحيل آخر جندي بريطاني في 30 من نوفمبر عام 1967م.

عند الحديث عن مراحل ومحطات ثورة 14 أكتوبر المجيدة من الصعب إغفال دور ثوار 26سبتمبر، وفي الوقت نفسه عند الحديث عن سبتمبر المجيد  لايمكن لأحد تجاوز دور ثوار أكتوبر النضالي وأهميته في إرساء دعائم النظام الجمهوري في الشمال ومواجهة القوى الملكية وهذا يعكس عمق التداخل الثوري والنضالي  الوثيق “لسبتمبر وأكتوبر” كونها في الأساس ثورة واحدة في المضمون والهوية والهدف  والمصير.

فواحدية الثورة هي حقيقة تاريخية ونضالية وطنية ثابتة إذ لايمكن القفز عليها مطلقا.

ولعل تصريح الرئيس الجنوبي الأسبق علي ناصر محمد لمجلة النهج عن ثورة أكتوبر بأن “الثورة المُسلحة في جنوب اليمن بدون تغيير الأوضاع في الشمال تُعد مُجرد مُغامرة، وأنه لكي تنتصر ثورة تحريرية في الجنوب لابد أن تنتصر ثورة وطنية في الشمال”.

ويؤكد ذلك القيادي في ثورة 14 أكتوبر علي عنتر في أحد خطاباته المسجلة : “ناضلنا في حرض (أقصى الشمال) وفي صرواح (وسط) وفي المحابشة (بحجة)، وفي كل جبل من جبال اليمن ضد الملكيين في الشطر الشمالي. وناضل اليمنيون من الشطر الشمالي داخل شوارع كريتر والشيخ عثمان (بعدن) والضالع، وكل جبل من جبال الشطر الجنوبي. على أن هذه الثورة كانت البداية الحقيقية لوحدتنا الحقيقية”.

ها هي اليوم القوى الوطنية لسبتمبر وأكتوبر تتوحد في نضالها من جديد لاستعادة الدولة والجمهورية والهوية اليمنية الوطنية بعد تعرضها للانقلاب الحوثي ومحاولة اعادة الإمامة الكهنوتية في الشمال وهي قوى تعود إلى ما قبل 26سبتمبر1962م وما يتعرض له جنوب الوطن من محاولات لإحياء قوى هي في الأصل تعود إلى ماقبل الإستقلال في ال 30 من نوفمبر 1967م إلا أن النصر حتما سيكون حليف الشعب وقوى الثورة التي تناضل من أجل الدولة الاتحادية والجمهورية والحرية والكرامة والاستقرار والسلام..

مواضيع متعلقة

اترك رداً