ثورة 14 أكتوبر.. حرية لا تغيب عنها الشمس

img

الأخبار الرئيسية تقارير 0 kh.z

إعداد/ هشام المحيا- “سبتمبر نت”

نظرا للأهمية الاستراتيجية التي تتمتع بها، ظلت «عدن» محل أطماع قوى الغزاة والمستعمرين طوال قرون عديدة وتوالت تلك القوى على احتلالها لفترات زمنية متفاوتة، ولعل أبرزها الاحتلال البريطاني الذي استمر لـ127 عاما، لكنها وبرغم فارق القوة بين قوات الغازين واليمنيين وحجم البطش الذي كان ينتهجه المحتلون إلى جانب انتهاج البريطانيين لسياسة فرق تسد وشراء ولاءات بعض الشخصيات المؤثرة إلا أن مظاهر المقاومة والدفاع عن الوطن لم تغب عن أذهان وأفعال الاجيال المتعاقبة ضد الغزاة من جهة والعملاء والمرتهنين من جهة أخرى حتى تحقق الهدف وطرد الاحتلال البريطاني وإجلاء آخر جندي بريطاني في الثلاثين من نوفمبر من العام 1967م.. في السطور التالية نستعرض أبرز مظاهر مقاومة اليمنيين للاحتلال البريطاني بما في ذلك إفشال كل جهود مرتهنيهم وعملائهم.

كانت بريطانيا تدرك مدى أهمية عدن الاستراتيجية منذ البداية، فبدأت تفكر فعليا باحتلالها وأكد على ضرورة ذلك الكابتن هينز أحد ضباط البحرية البريطانية الذي أرسل إلى منطقة خليج عدن عام 1835م والذي أشار في تقريره إلى ضرورة احتلال عدن نظرا لحاجة بريطانيا للسيطرة على البحر الأحمر وجعل عدن كمحطة تعمل على تمويل سفنها بالوقود وجعلها قاعدة عسكرية تهيمن على المنطقة العربية ككل، وعقب ذلك حاكت بريطانيا ذريعة محكمة التخطيط ومبررا لاحتلال المدينة وساعدهم الحظ في تنفيذ خطتهم، ففي عام 1837م جنحت سفينة هندية (دوريادولت) ترفع العلم البريطاني بالقرب من ساحل عدن وادعى الإنجليز أن سكان عدن هاجموا السفينة ونهبوا بعض حمولتها وان ابن سلطان لحج وعدن كانا من المحرضين على نهب السفينة، وبعد ذلك بفترة بسيطة من وقوع هذه الحادثة اتضحت مدى نوايا الإنجليز في الاستيلاء على عدن.

الاحتلال وعملاء الداخل

انتهج الاحتلال البريطاني سياسة خطيرة تمكنهم من البقاء أكثر وقت ممكن، حيث اعتمد على سياسة خلق النزاعات بين السلاطين والمشايخ وتغذية الصراعات من جهة وشراء وكسب ولاءات من جهة أخرى، حيث تذكر المصادر التاريخية الموثقة أن» الإنجليز عقدوا معاهدات صداقة مع سلاطين القبائل المحيطة بعدن وكعادتهم كانوا يدعمون من تبدو فيه بوادر التعاون معهم ضد الآخرين وكانوا يرصدون النزاعات بين السلاطين دون تدخل مباشر» وبذلك نجح الاحتلال في اخماد محاولات الثوار لفترة ليست بالقليلة، لكن عادت المقاومة من جديد وبقوة غير مسبوقة وبلغت أوجها في خمسينيات القرن الماضي ومع مرور الوقت وزيادة قوة المقاومة انحسرت محاولات العملاء وبقيت منحصرة في عدد من الشخصيات وتأثيرها بات محدودا، وبالتالي تمكن الثوار من إخماد كل أساليب المستعمر في شق الصف وإفشال جهود العملاء الرامية لدعم الاحتلال وساعدهم في ذلك ثلاثة عوامل رئيسة الاول تأثر اليمنيين بخطابات جمال عبدالناصر والأغاني الثورية الصادرة عن إذاعة القاهرة، أما الثاني سياسات الإنجليز التعسفية والمتجاهلة لمطالب العرب في عدن وتمثل العامل الثالث بوجود هيئات مجتمع مدني وتشكل العديد من الكيانات المقاومة للاحتلال في الجنوب وثوار الشمال ضد الامامة المتواجدين في الجنوب.

شرارة المقاومة

تزامنت الشرارة الأولى لمقاومة الاحتلال البريطاني مع أول طلقة مدفعية أطلقها المستعمر من مدفعية الاسطول البريطاني على اهداف في عدن، حيث واجه اليمنيون ذلك الاحتلال بما يملكون من عدة وعتاد إلا أن الأهالي وقوات قبيلة العبدلي لم يستطيعوا الصمود امام النيران الكثيفة وسقطت عدن في ايدي الإنجليز بعد معركة غير متكافئة، ورغم انتهاء المعركة سريعا واحتلال بريطانيا لعدن إلا أن حركات التحرر والخلاص لم تتوقف حتى خروج المستعمر، حيث شهدت عدن حوالي 30 إضراباً عمالياً في منتصف الخمسينيات فقط، وخلال ذات الفترة تشكلت الفعاليات السياسية والنقابية والطلابية والنسوية المعبرة عن الشأن المحلي وتفاعلاً وتضامناً مع قضايا الأمة العربية والإسلامية وقضايا التحرر العالمية.. حيث تأسست التنظيمات السياسية والنوادي والتكتلات، وظهرت حركات مقاومة مسلحة بعد ذلك مثل جبهة التحرير القومية المدعومة من المصريين وجبهة تحرير جنوب اليمن المحتل، فكانت تشن هجماتها على مواقع وتجمعات الانجليز وكانت أبرز تلك الهجمات قيام عناصر من جبهة التحرير القومية بإلقاء قنبلة أدت إلى مقتل المندوب البريطاني السامي.. واستمرت هجمات الفصائل حتى انسحبت القوات البريطانية من عدن في 30 نوفمبر 1967م.

غليان وكفاح مسلح

كان الغليان والغضب الشعبي قد بلغ ذروته في منتصف الخمسينيات، فازدادت وتيرة العمل الوطني، ضد التواجد البريطاني في مستعمرة عدن والمحميات الشرقية السلطنة الكثيرية والقعيطية والمهريه والغربية، الامر الذي جعل الانجليز يفكرون بتأمين عدن عن طريق التوغل أكثر في المناطق الريفية القريبة منها، وهو ما تم بالفعل حيث عمل المستعمرون على زيادة التوغل في المناطق الريفية لاسيما المحاذية لأراضي المملكة المتوكلية في الشمال.. وقد شهدت المحميات الغربية في فبراير 1957م أكثر من خمسين حادثة معظمها إطلاق نار على المراكز البريطانية وعلى المسؤولين المحليين في كلٍ من ردفان وحالمين والضالع، وفي أغسطس من العام نفسه بدأت انتفاضة قبيلة الشعار في إمارة الضالع، فتضامن معهم أبناء القبائل الأخرى، وعند مرور القوات العسكرية الخارجة من عدن عبر لحج لقمع تلك الانتفاضة وزعت منشورات في لحج تدعو أفراد جيش الليوي والحرس الحكومي إلى الثورة والهروب من الخدمة العسكرية، وتمّ رمي تلك القوات أثناء مرورها بلحج بالحجارة، كما انتفضت قبائل بيحان ودثينة وقامت القوات البريطانية باعتقال العديد منهم وصادرت الممتلكات.

وفي 19 يوليو 1958م اندلعت اتنفاضة قبائل سيسان والمناهيل في حضرموت، كما قامت قبائل الربيزي في العوالق في مارس 1959م بإجبار القوات البريطانية على الانسحاب من المراكز العسكرية التي أقاموها في العوالق، فقامت القوات البريطانية بقصف مناطق تلك القبائل بواسطة الطيران ما أدى إلى استشهاد عدد من الثوار وأحرقت المزارع، وأبيدت المواشي وتشردت الأسر ولجأ الثوار إلى الجبال لمواصلة المقاومة.

معوقات وإصرار

كما لجأ عدد من القيادات إلى الشمال، قبل قيام ثورة 26 سبتمبر 1962م وحاولت أن تتخذ من الشمال قاعدة لانطلاقتها النضالية ضد المستعمر، وتكوَّنت في عام 1957م جبهة أسميت (العاصفة العدنية) بقيادة محمد عبده نعمان الحكيمي الأمين العام للجبهة الوطنية المتحدة وكانت تذيع برنامجاً إذاعياً من إذاعة صنعاء باسم (صوت الجنوب)، لكن الإمام رفض أي نشاط لهم في صنعاء، فعملت مجموعة من المناضلين على تكوين تجمع جديد لهم في منطقة البيضاء الحدودية برئاسة محمد عبده نعمان الحكيمي ومقبل باعزب وباشتراك عدد من رؤساء القبائل وأسسوا هيئة تحرير الجنوب اليمني المحتل وحصلوا على بعض الأسلحة من مصرَ عام 1960م، لكن الإمام لم يسمح بخروج هذه الأسلحة من ميناء الحديدة.

وشهدت عدن والمحميات الغربية والشرقية، حركة احتجاجات عمالية وعمليات إطلاق نار على المحتلين وعمليات فدائية، وانتفظت القبائل في أكثر من منطقة، وتصاعدت الأحداث خلال تلك السنوات حتى انطلقت شرارة ثورة 14 أكتوبر 1963م ضد الاستعمار البريطاني، واستمر اليمنيون في الثورة حتى 30 نوفمبر 1967م يوم خروج آخر جندي بريطاني من عدن، واستقلال جنوب اليمن واعلان جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية حيث استلمت السلطة الجبهة القومية للتحرير بعد انتصارها الميداني على غريمها التقليدي جبهة تحرير جنوب اليمن.

استمرار الكفاح

في 24 يوليو 1964م انطلقت انتفاضة الضالع بقيادة علي عنتر، ومعه عدد من الشباب العائدين من تعز الذين خضعوا فيها لدورة تدريبية عسكرية دامت شهرين وانظم للمعركة الرجال العائدين من شمال اليمن بعد مشاركتهم في الدفاع عن ثورة 26 سبتمبر في صفوف الحرس الوطني. وقد تلقى الثوار كل الدعم من إخوانهم في الشمال، فعاد قادتهم من تعز ومعهم السلاح والذخائر والقنابل اليدوية.

اشتدت هجمات الثوار على قوات الاحتلال وارتفعت معها وتيرة العمليات الفدائية الأمر الذي حدا بالمستعمر إصدار قانون الطوارىء وذلك في 19 يونيو 1965م واعتبرت بموجبه جبهة التحرير القومية لتحرير الجنوب اليمني حركة ارهابية، كما طال القانون بطرد 245 مواطناً من شمال اليمن.

كانت الجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمني المحتل قد دخلت مرحلة متقدمة من المواجهة فعقدت مؤتمرها الأول في تعز بتاريخ 22 يونيو 1965م، وأعلنت فيه موقفها الثابت لمواصلة الكفاح المسلح ضد المستعمر البريطاني حتى جلائه عن أرض الوطن. وأكدت انها الممثل الوحيد لأبناء الجنوب اليمني المحتل.

استمرت العمليات القتالية ضد الاحتلال، ففي 30 يوليو 1965م هاجمت فرقة ثورية بقيادة علي عنتر فرقة مسلحة بريطانية كانت قد تمركزت حول دار أمير الضالع، لتعزيز الحراسات لحمايته من هجمات الثوار، وأصيب خلالها القائد الميداني علي شائع هادي بثلاث طلقات رصاص.

رضوخ المستعمر

أجبر الثوار بريطانيا على الرضوخ لمطالب الشعب والخروج من ارض الوطن لكنها حددت في 2 أكتوبر 1965م عزمها البقاء في عدن حتى عام 1968م مما ادى لانتفاضة شعبية عنيفة ضد البريطانيين في المدينة اسفرت عن خسائر كبيرة بشرية ومادية، وعقب ذلك بأشهر قليلة وبالتحديد في 22 فبراير من العام 1966م أصدرت الخارجية البريطانية «الكتاب الأبيض» في الذي أعلن رسمياً قرار بريطانيا القاضي بمنح مستعمرة عدن والمحميات الاستقلال مطلع 1968م.

خلال ذات الفترة كان لثوار حضرموت نشاطا واسعا خصوصا الفدائيين منهم حيث نفذ الاخيرون في 28 يوليو 1966م عملية قتل الكولونيل البريطاني جراي، قائد جيش البادية. وهو ذات الضابط الذي نفذ عملية اغتيال المناضلة الفلسطينية رجاء أبو عماشة عند محاولتها رفع العلم الفلسطيني مكان العلم البريطاني أثناء فترة الانتداب البريطاني لفلسطين.

بعد عملية قتل الكولونيل البريطاني بحضرموت نفذ ثوار جيش التحرير في محافظة الضالع 31 ديسمبر 1966م هجوما مباغتا على القاعدة البريطانية، أدى ذلك إلى مقتل ثلاثة جنود وإصابة ثمانية آخرين، وتدمير ثلاث سيارات «لاند روفر» وإحراق عدد من الخيام بما فيها من مؤن ومعدات.. في غضون ذلك وحّد ثوار الضالع وردفان والشعيب هجماتهم على القوات الاستعمارية وأعوانها من خلال تشكيل فرقة قتالية مشتركة أسموها «الفرقة المتجولة» بقيادة علي شايع هادي.

زخم ثوري شعبي

في 15 فبراير 1967م خرجت جماهير غفيرة في عدن في مظاهرات حاشدة معادية للاستعمار البريطاني وهي تحمل جنازة رمزية للشهيد مهيوب علي غالب (عبود) الذي استشهد أثناء معركة ضد القوات الاستعمارية في مدينة الشيخ عثمان.

كان الدعم الشعبي للتحرر من الاستعمار يزيد من وتيرة الاعمال الفدائية والعسكرية بشكل عام ضد المحتلين ففي 3 ابريل 1967م نفذ فدائيو حرب التحرير عدة عمليات عسكرية ناجحة ضد مواقع وتجمعات المستعمر البريطاني في مدينة الشيخ عثمان بعدن، كبدوا خلالها القوات الاستعمارية خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، وسقط خلالها عدد من الشهداء في صفوف الفدائيين.

وفي 21 يونيو 1967م سيطر ثوار الجبهة القومية في إمارة الضالع على عاصمتها ومعهم آلاف المواطنين الذين دخلوها في مسيرة حافلة يتقدمهم علي احمد ناصر عنتر.. وتبع ذلك سيطرة الجبهة القومية على مشيخة المفلحي في 12 أغسطس 1967م بعد أن زحفت عليها بمظاهرة كبيرة شارك فيها أبناء القرى والمناطق المحيطة بالمشيخة، وتوالى بعد ذلك سقوط السلطنات والمشيخات بيد الجبهة.

اللحمة الوطنية

رغم انشغال ثوار اكتوبر بمقاومة الاحتلال إلا انهم لم يغيبوا عن مهمة الدفاع عن الجمهورية الوليدة في الشمال ففي 25 أغسطس 1965م رفضت الجبهة القومية نتائج مؤتمر جدة بين الرئيس جمال عبد الناصر، رئيس الجمهورية العربية المتحدة، والملك فيصل بن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية، ورفضوا أي حلول أو تسوية مع الملكيين باعتبار ذلك تهديدا للنظام الجمهوري وإضعافاً للثورة في الجنوب.

ولم يتوقف دعم ثوار اكتوبر للنظام الجمهوري في الشمال عند ذلك الحد حيث حشدوا للجمهورين في الشمال مختلف أنواع الدعم، ومن ذلك تشكيل الجبهة القومية في 5 ابريل 1966م، لجنة لجمع التبرعات.

بالمقابل .. كان الثوار في الشمال يعملون باستمرار على حشد مختلف الدعم لثوار اكتوبر ومن ذلك الدعم الشعبي والعسكري والمادي الكبير في 5 أكتوبر 1966م وقد ألحق ذلك الضرر الأكبر في صفوف القوات البريطانية، والهزيمة الساحقة في نفوس قوات الاحتلال البريطاني.

وكانت ثورة اكتوبر قد قامت لتحقيق عدة أهداف أهمها تصفية القواعد وجلاء القوات البريطانية من أرض الجنوب دون قيد أو شرط، وإسقاط الحكم السلاطيني والذي يصنف بأنه رجعي، وإعادة توحيد الكيانات اليمنية الجنوبية سيراً نحو الوحدة العربية والإسلامية على أسس شعبية سليمة، وكذا استكمال التحرر الوطني بالتخلص من السيطرة الاستعمارية الاقتصادية والسياسية وإقامة نظام وطني على أسس ثورية سليمة يغير الواقع المتخلف إلى واقع اجتماعي عادل ومتطور، إلى جانب بناء اقتصاد وطني قائم على العدالة الاجتماعية يحقق للشعب السيطرة على مصادر ثرواته، وبناء جيش وطني شعبي قوي بمتطلباته الحديثة تمكنه من الحماية الكاملة لمكاسب الثورة وأهدافها.

“نقلا عن “صحيفة 26سبتمبر”

مواضيع متعلقة

اترك رداً