عن واحدية النضال اليمني

img

الأخبار الرئيسية تقارير 0 kh.z

اشتعلت ثورة «14 أكتوبر 1963» في الجنوب، كانت تعز وقعطبة الملاذ الآمن لثوارها، ونقطة انطلاقهم، وكان شعارهم الخالد الاستقلال والوحدة

بلال الطيب – “سبتمبر نت”

مما لا شك فيه أن ثورة «23 يوليو 1952» في مصر قد جذبت إليها الأحرار من كل حدب وصوب، كما كان لأثير إذاعة «صوت العرب» التي بدأت بثها في العام التالي عظيم الأثر في انعاش الروح القومية عند الجميع، الهبت شعارات الوحدة العربية حماس الجماهير، وعلى وقعها تجسدت واحدية النضال اليمني، وكما بدأ أحرار الشمال نضالهم من عدن، بدأ أحرار الجنوب نضالهم من الشمال، وكان شعارهم «الاستقلال والوحدة».

فرحٌ عارم

لقد حددت ثورة سبتمبر منذ اللحظة الأولى لانطلاقها، حقيقة توجهها الوطني كثورة شاملة لا تعترف بالحدود الشطرية، وعبرت عن خطها الوطني المعلن صبيحة الـ «26 سبتمبر 1962»، كما جاء ضمن أهدافها الستة، أو في بيانها إلى الشعب اليمني، على اعتبار أنه «شعب واحد يؤمن بالله، وبأنه جزء من الأمة العربية».

عبرت الجماهير اليمنية عن فرحتها بذلك الحدث العظيم، في كل مدينة وقرية، إلا أن تعبير الجماهير في المناطق الجنوبية المحتلة كان له طابع مميز، أظهر ثقل تلك الثورة، وفجر طاقات الشعب الوطنية، وخرجت الجماهير في شوارع مدينة عدن تردد الأناشيد الثورية المعبرة، ونشطت اجتماعات القوى الوطنية وفي مقدمتها الحركة العمالية والأحزاب السياسية، وبدأت طلائع المتطوعين للدفاع عن الثورة تتجه نحو صنعاء وتعز وإب، منذ الأسبوع الأول لقيامها.

أمام الحرب الشرسة التي قادها الإماميون وحلفائهم الانجليز على الجمهورية الوليدة، وقبل أن ينتهي ذلك العام، عملت بعض المجاميع الجنوبية المتواجدة في الشمال على إعادة تنظيم نفسها في إطار سياسي يمثل أبناء الجنوب أمام القيادة في صنعاء، لغرض عرض مشروع الكفاح المسلح عليها، وسُميت هذه الجبهة بـ «هيئة تحرير الجنوب اليمني المحتل».

وكان من أبرز نشطائها كما أشار الباحث فهمي الحاج هم: محمد عبده الحكيمي، والسلطان محمد عيدروس، ومحمد صالح المصلي، والأمير عبدالحميد سرور، والرائد محمد الدقم، ومقبل باعزب، وعلي بن فريد، وجعفان بن أبي بكر، وأحمد سالم الحميري، وسالم عمر الدماني، وسالم الربيزي، وأحمد المصعبي، ومنصور عواس، وأحمد المنتصر، والمقدم محمد مفضل، ومهدي المصقري، وعبدالصفي صالح، وعوض الرجاعي.

وقد حظيت هذه الهيئة كما أشار الحاج بدعم حزب الشعب الاشتراكي، والمؤتمر العمالي، وبعض القيادات في صنعاء، وتمّ افتتاح مقرها فوق باب «دار السعادة» «المتحف الوطني» حالياً، إلا أنّ القيادات المصرية لم تكن راضية عنها، ولم تحضر افتتاح مقرها، فاستمرت لأكثر من عام، ولكنها كانت محدودة النشاط.

ازدادت في بداية العام «1963» العمليات العسكرية الموجهة ضد الثورة السبتمبرية، فبدأت القيادات العسكرية المصرية تفكر بإيجاد إطار سياسي لأبناء الجنوب الموجودين في الشمال، يستطيعون من خلاله تنظيم أنفسهم للقيام بعمليات عسكرية وقائية ضد التواجد البريطاني في الجنوب، وهي في الأساس عمليات إرباكية أكثر منها هجومية، فالقيادة المصرية كانت في تلك الفترة لا تود فتح جبهة أخرى على الحدود الجنوبية، بسبب انشغالها شمالاً.

استغلت حركة القوميين العرب وبصورة ذكية ذلك التوجه، وخلافات القيادة المصرية مع البعثيين، وبدأت الحركة التي كان يقودها في الجنوب فيصل عبداللطيف الشعبي، وفي الشمال مالك الإرياني، تروج للكفاح المسلح، وتعد العدة لإنشاء تنظيم منبثق عنها، وأجرت اتصالات مع قياداتها في الخارج للاتصال بالزعيم جمال عبدالناصر للحصول منه على الضوء الأخضر لتأسيس ذلك الإطار.

نُقل قحطان محمد الشعبي من القاهرة إلى صنعاء، ليقود هذا العمل بعد أنْ تمّ تعيينه مستشاراً للرئيس عبدالله السلال لشؤون الجنوب بدرجة وزير، وخلال تواجده في صنعاء استطاع أن يلتقي العديد من الشخصيات الوطنية من أبناء الجنوب وينال ثقتهم، وكانت هذه الاستجابة تعبيراً عن حسن العلاقة بين الحركة على المستوى العربي، وبين جمال عبد الناصر، وكذلك بين الحركة وقيادة الثورة في صنعاء.

متطوعون في الجبهات

كثيرٌ من أبناء الجنوب توجهوا إلى الشمال، انضموا لصفوف الثوار السبتمبرين، ومن هؤلاء جميعاً بدأت تتشكل النواة الأولى لحركة التحرر الجنوبي، عقدوا أكثر من اجتماع، وكان أهمها ذلك الذي عقد بـ «دار السعادة» في صنعاء «24فبراير1963»، وحضره أكثر من «100» شخصية جنوبية سياسية واجتماعية ومستقلة، إلى جانب عدد من الضباط الأحرار، وقادة من فرع حركة القوميين العرب.

اتفق المجتمعون على توحيد جميع القوى الوطنية اليمنية في إطار جبهة موحدة، ليتم في «8 مارس 1963» استحداث مكتب تكون مهمته وضع مشروع ميثاق مؤقت للتنظيم الجاري تشكيله، وذلك على هيئة نداء إلى جميع القوى التي تؤمن بوحدة الحركة الوطنية اليمنية في النضال لحماية النظام الجمهوري، والدفاع عن ثورة سبتمبر الخالدة، وتحرير الجنوب اليمني من الاحتلال الأجنبي، واستقر الرأي على تسميتها باسم «جبهة تحرير الجنوب اليمني المحتل»، وبرز على صدر ميثاقها شعار «من أجل التحرر والوحدة والعدالة الاجتماعية».

استمر توافد الجنوبيين للدفاع عن الثورة السبتمبرية، وفي أواخر «مارس» من ذات العام وصل أكثر من «300» مُقاتل ردفاني، وعلى مجموعتين، وقد كان قتالهم في جبال حجة مُشرفاً، وفي قريتي «الوعيل» و«مفتاح» سجلت مجموعة المناضل راجح بن غالب لبوزة أروع انتصاراتها.

وذكر الباحث الحاج، أنه وبعد وصول أفواج المتطوعين من الجنوب إلى مدينة تعز، عملت القيادة العربية المشتركة، المكونة من القيادات العسكرية اليمنية والمصرية على توزيع المجاميع الأولى من المتطوعين الجنوبيين في ثلاث جبهات رئيسية هي:

1 – جبهة خولان: أرسلت إلى هذه الجبهة مجموعة مكوَّنة من أكثر من «90» مقاتلاً، معظمهم من العسكريين في المؤسسات العسكرية والأمنية الجنوبية الذين هربوا من وحداتهم بغرض التطوع للدفاع عن ثورة سبتمبر والعناصر الهاربة إلى الشمال قبل الثورة، وقد عين قائداً لهذه المجموعة الرائد محمد أحمد الدقم من «الصبيحة»، وكان من قيادات هذه الجبهة المناضل علي عبدالله السلال.

2 – جبهة الحيمتين: بلغ عدد أفراد هذه المجموعة حوالي «100» متطوع، ومعظم أفرادها من العمال والطلاب والمدرسين الذين جاؤوا من المستعمرة عدن، وقد عين قائداً لهذه المجموعة الأستاذ محمد عبده نعمان الحكيمي.

3 – جبهة المحابشة في لواء حجة: بلغ عدد المجموعة أكثر من «120» مقاتلاً ومعظمهم من قبائل ردفان، وكانت هذه المجموعة بقيادة الثائر راجح بن غالب لبوزة، والمقدم أحمد بن أحمد الكبسي.

وأشار الحاج إلى أنّ هذه الجبهات لم تبقَ فيما بعد هي وحدها التي تمّ توزيع المتطوعين فيها من أبناء الجنوب بعد أن زاد عددهم، فقد تمّ توزيعهم على معظم جبهات القتال ضد الملكية، وتمّ إلحاقهم في صفوف الحرس الوطني والجيش، حتى أنّ بعضهم تمّ إلحاقهم بالكلية الحربية كطلبة ليتخرجوا منها قيادات عسكرية مؤهلة في جبهات القتال أمثال: ثابت عبده حسين، وعبدالله علي الضالعي، وأحمد مهدي المنتصر، وغيرهم.

المطالبة بالاستقلال

في «29 مايو 1963» زارت صنعاء لجنة تقصي الحقائق المنبثقة عن لجنة تصفية الاستعمار بالأمم المتحدة، فقام أبناء الجنوب هناك بتنظيم مسيرة تحركت من العرضي «باب اليمن» إلى دار الضيافة «المتحف الحربي» حالياً، سلموا فيها مذكرة إلى اللجنة الدولية تشرح أوضاع أبناء الجنوب تحت الحكم البريطاني، وحددوا مطالبهم التي تؤدي إلى الاستقلال.

وأمام دار الضيافة خرجت اللجنة الدولية لاستقبال المتظاهرين مستمعة إلى مطالبهم، فقام عبدالله علي عبيد الذي كان يمثل أحد طرفي الحركة السياسية الجنوبية، وهو حزب الشعب الاشتراكي، والمؤتمر العمالي بعدن، فطلب من اللجنة الدولية إجبار المستعمر على الرحيل من الجنوب، وأنّ شعب الجنوب ليس لديه إمكانية لمجابهة بريطانيا العظمى، بينما الطرف الآخر الذي كان يمثل جبهة التحرير أو بالأصح حركة القوميين العرب كان يرفض الحلول السلمية مع المستعمر، فحدث خلاف حاد أمام اللجنة الدولية بين الطرفين.

بعد أن استمعت اللجنة إلى مطالب أبناء الجنوب توجهت المظاهرة إلى منزل الرئيس عبدالله السلال، الكائن في حي القاع، وقابلت «16» شخصاً ممثلين للحشد الجماهيري الكبير، وعند مقابلة الرئيس السلال شرحوا له موقف حزب الشعب الاشتراكي من الكفاح المسلح، وسلموا له نسخة من الوثيقة التي قدمت إلى اللجنة الدولية وتقدموا له بالمطالب التالية:

-1 دعم الكفاح المسلح ضد المستعمر.

-2 فتح مكتب لجبهة تحرير الجنوب اليمني المحتل مثلها مثل حزب الشعب الاشتراكي.

-3 تعيين قحطان محمد الشعبي رئيساً لمصلحة أبناء الجنوب بدلاً من مستشار لرئيس الجمهورية لشؤون الجنوب، حتى تكون له صفة رسمية وصلاحيات قانونية.

وقد لبى الزعيم السلال المطالب الثلاثة، إلا أن فتح المكتب رفض من قبل بعض القوى المتحفظة على الجبهة.

وعلق عبدالفتاح إسماعيل في مقال له على ذلك: «وفي مايو1963م جرى حوار في صنعاء بين حركة القوميين العرب وتنظيمات سياسية سرية أخرى يمكن اعتبارها تنظيمات سرية وعلنية لها علاقة طيبة بالحركة»، وأضاف: «كانت أمام الحركة الوطنية في الشطر الجنوبي من الوطن مهمتان: مهمة الدفاع عن جمهورية سبتمبر بعرقلة التخريب البريطاني والملكي القادم من الجنوب، ومهمة الاستفادة من الظرف التاريخي الذي ولدته ثورة سبتمبر من أجل السير في النضال الوطني التحرري ضد المستعمرين الانجليز لكي يتم تحرير جنوب اليمن، على ضوء كل ذلك كان قرار الكفاح المسلح يعلن عن نفسه مستنداً على الظروف الموضوعية والذاتية في المجتمع اليمني بأسره».

ساعة الصفر

وفي «5 يونيو 1963» صدر بيان جنوبي تاريخي، وتمّ توزيعه في صنعاء باسم قطاعي القبائل والجيش، تضمن تصميم قطاع القبائل على الدخول في المعركة في جبهة موحدة مع كل الطلائع والقوى الوطنية المؤمنة بالتحرر الكامل من المستعمر، ورفض أسلوب المساومة وأنصاف الحلول، ومن بين الموقعين عليه ثلاث شخصيات قيادية ووطنية مناضلة من ردفان، هم: راجح بن غالب لبوزة، وعبدالحميد بن ناجي المحلائي، وسيف مقبل لخرم.

وفي منتصف ذات الشهر عقد في منزل القاضي عبدالرحمن الإرياني «أمام القصر الجمهوري»، اجتماع ضم عدد من الشخصيات، من الجانب الشمالي: عبدالرحمن الإرياني، ومحمد محمود الزبيري، ومن الجانب الجنوبي: ناصر علوي السقاف، وعبدالله محمد المجعلي، وبخيت مليط الحميد، وأحمد بن نمير العولقي.

كانت وجهة نظر الجانب الشمالي، أنّه ومن أجل تخفيف الضغط على الثورة، لابد من فتح جبهة قتالية في عمق أراضي الجنوب، فوافق الجانب الجنوبي على الفكرة، ولهذا عقد اجتماع آخر في اليوم التالي في منزل عبدالحافظ قائد بـ «القاع»، وقرروا فيه تشكيل لجنة اتصال مهمتها الإعداد والتهيئة للثورة في الجنوب، مكوَّنة من «12» شخصاً «6» ممثلين لحركة القوميين العرب، و«6» ممثلين لتشكيل القبائل.

الجدير ذكره أن غالبية البيانات التي صدرت حينها عن التنظيمات السياسية في الجنوب، كانت تعتبر اليمن إقليماً واحداً، شمالاً وجنوباً، وجزءاً من الوطن العربي الموحد، ولا تعترف بالتجزئة، وفي المقابل كانت شعارات الوحدة تؤذي الانجليز وحكومتها الاتحادية، وقد أصدروا في ذات الشهر قانون صارم موجه لدعاتها، جاء نصه: «من يوافق أو يدفع الآخرين إلى التفكير بأن اتحاد الجنوب العربي يعتبر جزء من دولة أخرى، يتعرض لعقوبة السجن لمدة لا تزيد عن سبع سنوات، أو لغرامة لا تزيد عن خمسمائة جنيه استرليني».

في الأسبوع الأول من «يوليو 1963»، عقد في قرية «حارات»، ناحية «الأعبوس تعز» اجتماع تشاوري لعدد من أعضاء حركة القوميين العرب، حضره: قحطان الشعبي، وفيصل عبد اللطيف، وسلطان أحمد عمر، وعلي أحمد السلامي، وطه أحمد مقبل، وسالم زين محمد، ونور الدين قاسم، وعبد الباري قاسم، وعبد الله الخامري، ومحمد صالح مطيع، وعبد الرحمن محمد عمر، وتم الاتفاق على توسيع دائرة التحالفات الجنوبية على قاعدة الكفاح المسلح، وإضافة كلمة القومية لاسم الجبهة.

وذكر سلطان أحمد عمر أحد أولئك المجتمعين في مقابلة صحفية، أن قيادة الحركة اتخذت في ذلك الإجتماع خطوات حاسمة، أهمها الإعداد للثورة، واختيار جبال ردفان لتفجيرها، لأسباب عدها استراتيجية، وهذا يعني أن ساعة الصفر حددت مُسبقاً ومن جبال الأعبوس.

كانت علاقة حركة القوميين حينها قد بدأت تتحسن مع القيادة المصرية، وتحصلت منها على الضوء الأخضر بالسماح لفرعها في اليمن بالتقرب من القيادات العسكرية المصرية، وبعد الاجتماع الذي تمّ على إثره تشكيل لجنة الاتصال للإعداد والتهيئة للثورة في الجنوب نزلت بعض المجاميع إلى تعز، وشكلت قيادة لتنظيم التعاون مع المخابرات المصرية للإعداد للثورة، وفتح جبهات قتال في الجنوب، وكان مقرها في مدينة تعز دار الضيافة «فرع وزارة المالية» حالياً.

فتحت قيادة «الجبهة» مكتباً لها في تعز، ونشرت «بيان مارس» كما أقر، ولم يغير فيه سوى اسم جبهة التحرير إلى «الجبهة القومية لتحرير الجنوب اليمني المحتل» والميثاق القومي، وتم نشرهما في صحيفة الثورة التي كانت تصدر من ذات المدينة، وفي نفس الشهر أيضاً فتح الجهاز العربي المصري مكتباً له في تعز لدعم نضال الجنوب.

تبعاً لذلك، عقد اجتماع كبير في مدينة تعز «19 أغسطس 1963»، أخذت الجبهة فيه تسميتها الجديدة، على أساس الاعتراف بالثورة المسلحة كأسلوب وحيد وفعال لطرد المستعمر، وقد اندمجت فيها وتبنت خيارها سبعة تنظيمات سرية، وهي: «حركة القوميين العرب، الجبهة الناصرية في الجنوب المحتل، المنظمة الثورية لجنوب اليمن المحتل، الجبهة الوطنية، التشكيل السري للضباط والجنود والأحرار، وجبهة الإصلاح اليافعية»، ثم التحقت بها ثلاثة تنظيمات أخرى، وهي: «منظمة الطلائع الثورية بعدن، منظمة شباب المهرة، والمنظمة الثورية لشباب جنوب اليمن المحتل».

وافق المجتمعون على بيان الجبهة القومية والميثاق القومي، وتشكلت قيادة منهم، وانتخب المناضل قحطان الشعبي أميناً عاماً، وذكر الباحث الحاج أنّه لم يتم تحديد المسؤوليات القيادية للجبهة إلا في العام التالي، عندما حددت لها مهمات عبارة عن مكاتب للشؤون العسكرية والتنظيمية والمالية… إلخ.

الجدير ذكره، أن الجبهة واجهت حينها ضغوطات كبيرة لإفشالها، وذلك من بعض ضباط الجيش في صنعاء، وشخصيات من حزب البعث العربي الاشتراكي، وأن اللواء حسن العمري كان أبرزهم، وهي حقيقة أكدها أيضاً المناضل محمد علي الأسودي في مذكراته.

عقد ذلك الاجتماع بالتزامن مع عودة الشيخ راجح بن غالب لبوز وأصحابه إلى ردفان، وأثناء مرورهم بمدينة إب، التقاهم المقدم أحمد الكبسي قائد اللواء، الذي كانت تربطه بلبوزة عَلاقات وثيقة، جمعتهم فيها أعمالهم القتالية في جبهة المحابشة، فطلب الكبسي منه كما أشار الباحث الحاج دراسة الأجواء في ردفان للقيام بالثورة، مؤكداً استعداده لدعم تفجير الثورة بعد أن يتم الإعداد لها، وتنظيم الجماهير في ردفان حتى تصبح الظروف مهيأة من الجوانب كافة، كما شرح له بأنّ الأوضاع في الشمال لا زالت غير مستقرة، واقترح عليه أنه ونتيجة لعدم وجود السلاح في ردفان بإمكانه تجهيز مجاميع جديدة للمشاركة في الدفاع عن ثورة سبتمبر من جهة، وتدريبها وتسليحها وإعادتها إلى ردفان كقوةٍ مدربة على القتال.

عاد الثائر لبوزة وأصحابه الثوار إلى ردفان نهاية «أغسطس 1963»، وبحوزتهم أسلحتهم الشخصية وبعض القنابل، وحين علم «ني ميلن» الضابط السياسي البريطاني بذلك، راسلهم من فوره، وطلب منهم تسليم أنفسهم وأسلحتهم، ودفع «500» شلن غرامة على كل فرد كضمانة لعدم عودتهم إلى الشمال مرة أخرى، وقد رد لبوزة عليه برسالة قوية، أرفقها بـ «طلقة رصاص».

لبوزة الثائر الأمي، الذي لا يجيد الكتابة إلا بلغة البندقية، أملى لكاتب رسالته عبارات مُختزلة، خالية من مفردات المهادنة والاستسلام، قال للضابط الانجليزي: «عُدنا إلى بلدنا، ولم نعترف بكم ولا بحكومة الاتحاد المزيفة، وان حكومتنا هي الجمهورية العربية اليمنية، ونحذركم من اختراق حدودنا».

استشاط الضابط الانجليزي غضباً، تقدم في اليوم التالي صوب ردفان، ألقى القبض على مجاميع قبلية عائدة لتوها من الشمال، فما كان من الثوار إلا أن تمترسوا فوق جبل «البدوي» المُطل على «الحبيلين»، لتدور في صبيحة يوم الاثنين «14أكتوبر 1963» مواجهات شديدة بين الطرفين، انتهت قبل أن ينتصف ذلك النهار، بسقوط لبوزة شهيداً متأثراً بشظايا قذيفة مدفعية، عن عمر يناهز الـ«64» عاماً.

صحيح أنّ يوم «14 أكتوبر 1963» لم يكن يوماً قد حدد مسبقاً بأنّه يوم الثورة، لكن تفجير الثورة كان قد تم الاتفاق عليه، وهذا ما أكده المناضل ناصر علوي السقاف، الذي كان حينها نائباً لقحطان محمد الشعبي، بقوله: «عاد راجح بن غالب لبوزة من الجبهة جبهات الدفاع عن ثورة 26 سبتمبر ومعه 100 مقاتل، وقد سمع بقانون حكومة الاتحاد، وبعد التشاور مع القيادة والحكومة من شماليين وجنوبيين أعلن أنّه سيعود وسيقاوم إذا تطلب الأمر ذلك، أخذنا وعد لبوزة بعين الاعتبار، المهم عاد الرجال إلى ردفان، وطالبوهم بتسليم السلاح، فرفضوا، فنشب القتال.

في اليوم الثاني لاستشهاد المناضل لبوزة، قام المناضل صالح علي الغزالي بتحرير رسالة إلى المقدم أحمد الكبسي قائد لواء إب، حملها إليه صالح أحمد البكري، أبلغه فيها نبأ استشهاد لبوزة، وما تعرضت له قبائل ردفان من اعتداء بريطاني غاشم، وطلب منه إبلاغ قحطان الشعبي وقيادة الجمهورية في صنعاء بذلك.

معركة حتى النصر

أذاعت إذاعتي صنعاء و«صوت العرب» النبأ الفاجعة، وبعد مواراة جثمان الشهيد لبوزة، فتيل الثورة، وفارسها المقدام، تعاهد الثوار فوق قبره على مواصلة المشوار، اختاروا ولده «بليل» قائداً لهم، وجعلوا من وادي «دبسان» مسقط رأس الشهيد مقراً لعملياتهم.

مثلت لحظة استشهاد لبوزة بداية حقيقية لمرحلة الكفاح المسلح، جميع الكيانات الجنوبية المسلحة اعتبرتها كذلك، أصدرت «الجبهة القومية» بيان حماسي، نعت فيه الشهيد، وأكدت مواصلة النضال، جاء فيه: «ونعاهد راجح بن غالب أن نخوض المعركة حتى النصر، مهما كانت التضحيات».

حكومة الاتحاد من جهتها أصدرت بيان طويل مليء بالأكاذيب، تم بثه عبر إذاعة عدن، جاء فيه: «أن فرقة مؤلفة من الجيش والحرس الاتحادي تعرضت لنيران فريقين من رجال العصابات، كانوا يطلقون النار من مراكز تقع في الجانب الجبلي، ويتألف الفريقان من ثمانية وثلاثين رجلاً، بقيادة قائد رجال العصابات الرجعي المُفسد راجح بن غالب لبوزة، ولم يصمد أتباع اللص لبوزة أمام القوات الاتحادية المدربة تدريباً عالياً، التي أرغمتهم على الفرار».

إمكانيات ثوار ردفان كانت حينها ضئيلة جداً، ولذات السبب توجهت مجموعة منهم برئاسة القائد «بليل» إلى إب وتعز ثم صنعاء، طلباً للدعم والمساندة، وكان أول دعم يتلقونه عبارة عن ذخائر والغام، وقد تم نقلها على الأكتاف إلى مقر قيادتهم «فبراير 1964»، وقد عمل «بليل» بعد عودته من الشمال على إكمال مهمة أبيه في إصلاح ذات البين، نجح في لم شمل القبائل المُتصارعة، بمساعدة مائزة من بعض المشايخ، وهكذا صار أبناء ردفان يد واحدة في مواجهة الانجليز وأذنابهم.

بعد شهرين، زار الرئيس جمال عبدالناصر اليمن، ليطلع على الأمور بنفسه، ألقى خطاباً اعتبر حينها نقطة تحول هامة في تاريخ اليمن المعاصر؛ لأنه كان مولد حرب تحررية جديدة في جنوب الجزيرة العربية، وانطلقت بموجبه عملية «صلاح الدين» الذائعة الصيت، وكانت مدينة تعز مقرها ونقطة انطلاقها.

كانت مدينتي تعز وقعطبة الملاذ الآمن لثوار «14 أكتوبر»، ومركز دعمهم، آمن حينها غالبيتهم بالوحدة حد التعصب، وحين دعا عبدالرحمن البيضاني لقيام «دولة شافعية» من عدن، رُمي بالأحذية من قبل أبناء الجنوب، التواقين لحظتها للوحدة مع الشمال.

يقول الدكتور محمد علي الشهاري: إنه من الصعوبة أن يتخيل الانسان- مجرد التخيل- قيام ثورة «14أكتوبر 1963» بعد سنة من انتصار الثورة في شمال الوطن، بصيرورة الكفاح الثوري المسلح الذي خاضته طلائع النضال الوطني طيلة أربعة أعوام، تكللت بالاستقلال الوطني في «30 نوفمبر 196»، بدون دعم وإسناد وغطاء كامل من جمهورية سبتمبر والطلائع الوطنية والثورية، وبدون دعم مماثل اضطلعت به الشقيقة الكبرى مصر.

نقلا عن صحيفة “26سبتمبر”

مواضيع متعلقة

اترك رداً