تعز في إقليم سبأ

img

مقالات 0 ✍ محمد التميمي

 

محمد التميمي

في إطار التنوع الاجتماعي الذي يعد سمة من سمات التعايش في معظم مدن العالم، توجد تكتلات سياسية وثقافية وفكرية واجتماعية تنشئ داخل المجتمعات لتحقيق أهداف معينة، سواء كانت أهداف دائمة أو مؤقتة، طويلة المدى أو قصيرة المدى، ولكن الروابط الاجتماعية تبقى هي أقوى الروابط على الإطلاق، كونها تكتنف في طياتها بقية الروابط السياسية والتنظيمية والفكرية والثقافية، وتجمع الطبقات كلها تحت مظلة واحدة.

ومحافظة تعز تعد أكبر محافظة يمنية من حيث عدد السكان، والذي يبلغ عدد سكانها أكثر من 6مليون نسمة، ويعيش أبناؤها في كل المحافظات اليمنية، يتوزعون في مجالات علمية عديدة، فمنهم الطبيب والمهندس والدكتور الجامعي والمعلم والاداري والقائد العسكري والجندي والطالب، فضلا عن المجالات العملية والمهنية التي لا تحصى، من زراعة وصناعة وخدمات وغيرها، في داخل الوطن وخارجه.

كانت محافظة تعز هي السباقة في الثورات ومناهضة الظلم والطغيان منذ زمن، بدأ من ثورة 26سبتمبر 1962،و14اكتوبر1963 وحتى ثورة 11فبراير 2011، وصولا إلى مقاومتها للانقلاب على الحكومة الشرعية ونهب مؤسسات الدولة من قبل مليشيا الانقلاب الحوثية في 21سبتمبر 2014، والذي دفع أبناء هذه المحافظة للدفاع عن الشرعية في كل المحافظات المقاومة للانقلاب الحوثي، وفي ظل الأوضاع التي تشهدها اليمن منذ إنقلاب المليشيا على الحكومة الشرعية ومخرجات الحوار الوطني وأبناء تعز يخوضون المعارك ضد المليشيا وفكرها الكهنوتي وممارساتها القمعية وقتلها لكل من يخالفها الرأي، كل ذلك دفع بأبناء تعز لمواجهة المليشيا دفاعا عن الجمهورية والكرامة والحرية، فعمل أبناء المحافظة بكل أطيافهم على بذل جهودهم في سبيل الحفاظ على الجمهورية من أعدائها الانقلابيين، فساهم في ذلك الطبيب والمهندس والمعلم والصحفي والعسكري، كلا من موقعه ومجاله، ولكن وجود معظم مؤسسات الدولة في محافظة مأرب -المحافظة التي حضنت معظم أبناء الوطن من جميع المحافظات- دفع بأبناء تعز للإنتقال إليها كونها تمثل عاصمة لإقليم سبأ أحد أقاليم الدولة الإتحادية المنشودة، والمنصوص عليها في مخرجات الحوار الوطني.

وكما ذكرنا آنفا أن أبناء تعز يعيشون ويعملون في معظم محافظات الوطن منذ عقود وقرون، ولكن في هذه المرحلة صارت محافظة مارب من أهم المحافظات التي يتواجدون فيها بأعداد هائلة، حيث أن معظم أبناء المحافظة من موظفين وأكاديميين ورجال أعمال وضباط وجنود وغيرهم، ممن كانوا في العاصمة صنعاء وغيرها من المحافظات الخاضعة لسيطرة  المليشيا الحوثية الانقلابية، قد انتقلوا إلى مأرب وغيرها من المحافظات المحررة والمحافظات التي يجري تحريرها، ونخص هنا مأرب كونها تحتضن العدد الأكبر منهم، ومن هذا المنطلق عمل أبناء محافظة تعز على تشكيل كيان اجتماعي لهم في مأرب تحت مسمى “ملتقى تعز الاجتماعي التنموي في إقليم سبأ”، بهدف تجميع جهود أبناء المحافظة وابرازها بما ينسجم مع الأهداف العامة للحكومة الشرعية والقيادة السياسية، وكذلك معالجة أوضاع وحالات النازحين من أبناء المحافظة بالتنسيق مع المنظمات الإنسانيّة الفاعلة، وللعمل والسعي لحل المشاكل المتعلقة بأبناء المحافظة من شهداء وجرحى ومواطنين وغيرهم، ومعالجتها وفقا للقوانيين النافذة بالتعاون مع الجهات المعنية.

تضع محافظة تعز بصماتها أينما سارت ودارت، فهي عاصمة الثقافة اليمنية، والثقافة هي هدف الإنسان المعاصر لمواكبة العصر وتطلعات العالم، وهذا ما يميز تعز داخل الوطن وخارجه، فأبناؤها سباقون في التعليم والحضارة منذ القدم، وما نراه ونلحظه ليس إلا نتاجا لتراكمات الماضي، وأملا لتطلعات المستقبل.

أبناء تعز رغم معاناتهم لا يعرف اليأس طريقا إليهم، ورغم نكد عيشهم ترى التفاؤل سلاحهم الذي لا يفارقهم، فهم يقهرون الفقر بالكفاح والنضال، ويقتلون الكهنوتية بالعلم والثقافة، فالإنسانية شعارهم، والتعايش سمتهم، والظلم والاستبداد والتخلف عدوهم، فهم لا يحبون إلا العمل ولا يقدسون سوى العلم والثقافة، وينشدون دوما العدل والمساواة.

وسعيا من أبناء تعز لتحقيق أهدافهم المنشودة وغاياتهم المرموقة يفتحون قنوات اتصالهم مع المجتمع والعالم، ويشقون دروب التنمية أمامهم بجهودهم وتعاونهم وعلاقاتهم مع من حولهم، فمن يتابع  للمنظمات الاغاثية والانسانية سيجدهم، ومن يبحث عن الحقوق والحريات سيراهم في المؤتمرات والمنظمات ذات الصلة بذلك، وحب محافظتهم يعد جزء أصيل من حبهم لوطنهم وللعالم والإنسانية جمعاء.

وما نراه في محافظة مأرب عاصمة إقليم سبأ خير دليل على ما يحمله أبناء تعز من أهداف وطنية وإنسانية نبيلة، فقد بادروا إلى تكوين ملتقى يجمعهم ويعالج مشكلاتهم ويسعى لتخفيف المعاناة عنهم، وجاءت ولادة هذا الملتقى بعد جهد حثيث بذله عدد من المفكرين والمهتمين من الأكاديميين والمتخصصين في عدة مجالات، وولادته في هذه المرحلة العصيبة بعث الآمال في نفوس أبناء المحافظة، وفتح أمامهم أبواب المستقبل.

“ملتقى تعز الاجتماعى التنموي في إقليم سبأ” هو المولود الذي ولدته عاصمة الثقافة في عاصمة الحضارة والتاريخ، فهذا الملتقى لن يحقق تطلعات أبناء تعز بجهودهم الفردية أو اعتمادهم على أبناء المحافظة وحدهم، ولكنه يمثل حلقة وصل بين أبناء المحافظة فيما بينهم أولا، وبينهم وبين المحافظات الأخرى والحكومة ثانيا، وكذلك بينهم وبين المنظمات المحلية والدولية المهتمة بالشؤون الإنسانية والاجتماعية والتنموية، ومن خلاله يوصل صوتهم للداخل والخارج، وعبره ترى معاناتهم، وهدفه حل مشكلاتهم ومعالجتها وفقا للقوانين النافذة محليا ودوليا.

ما يريده أبناء تعز من الملتقى هو إيصال رسالة للعالم بأن تعز لن تموت ولن تقهر، ولن تتخلى عن ثقافتها وحضارتها، فحقوق أبناءها ستأخذه بالقانون، وظروفهم ستعالجها بالطرق الشرعية؛ لأن هدف تعز وأبناؤها هو الحفاظ على التعايش وحب السلام، واحترام الدولة الشرعيّة بشكل خاص، والمجتمع الدولي بشكل عام.

الجدير بالذكر أن الملتقى يضم أبناء تعز بكل أطيافهم، ولا يعمل لمصلحة أية جهة سواء كانت حزبية سياسية أو فكرية أو ما شابه، عمله ينحصر في خدمة أبناء المحافظة بجميع توجهاتهم وانتماءاتهم، وشعاره “نلتقي لنرتقي .. ونختلف لنتفق”، وحده هذا الشعار يعد تعريفا شاملا بالملتقى.

نأمل من كل الجهات المعنية التعاون مع الملتقى، بما في ذلك المنظمات المحلية والدولية داخل اليمن، ونأمل من أبناء المحافظة أن يعملوا على انجاحه، وأن يستغلوا هذه المنحة المقدمة لهم على طبق من ذهب.

يعول الكثير من أبناء المحافظة على هذا الملتقى ويعلقون عليه آمالهم، ومثلهم انتظر العديد من الاكاديميين والفاعلين وقادة الرأي من أبناء المحافظة هذه اللحظة -اشهار الملتقى- التي ستلم الشمل وتزيح الهم والمعاناة عن المحافظة، فضلا عن الدفع بالتنمية وتأهيل أبناء المحافظة مما يسهم في خدمة المجتمع.

أملنا كبير في أبناء تعز الحبيبة، وفي هذا الملتقى، الذي توسمنا من خلاله الخير، ونتمنى أن يكون كذلك.

مواضيع متعلقة

اترك رداً