التصالح والتسامح كعملية موضوعية

img

مقالات 0 رمزي الحكيمي

التصالح والتسامح مسألة لا تقررها الرغبات التي تتجسد كحاجة لحظية لدى هذا الفريق او ذاك من الناس وإنما هي حاجة موضوعية تشتد حاجة المجتمع اليها عندما يصبح لزاماً على كل الاطراف الفاعلة في أي مجتمع ان تقرأ حاجة مجتمعها وتعمل باخلاص على اعداد هذا المجتمع للتخلص من كل ما تراكم فيه من معوقات النهوض والتطور .

لا يتقرر السير في هذا الطريق بقاعدة التجربة والخطأ او بشروط انتقائية ولكن بصورة يكون فيها الجميع قد حسموا أمرهم وفقاً لرؤيا يحتل فيها المستقبل كامل خارطة الطريق ، وان ترك فيها شيء للماضي فإنما لعرضه كبرهان على ان الصراعات الدموية والحروب والاقصاء والأستبعاد والعصبوية قد شكلت الاسباب الاساسية للتخلف وتمزيق المجتمعات .

عندما قرر الشعب في الجنوب تجاوز الماضي بذلك القرار التاريخي الذي اتخذته القوى السياسية والاجتماعية في إطار الحراك السلمي وخارجه والتي حملت عبء السير نحو المستقبل مخلفة وراءها الماضي بكل أثقاله ، كان الجنوب يعيد انتاج دوره التاريخي في التصدي لمهام انتشال الوطن كله من مستنقع الماضي بصراعاته والامه ومآسيه وهو الامر الذي استفز حراس ذلك الماضي مما دفعهم الى مقاومة هذا القرار التاريخي وعملوا على كسره وتعطيله بكل الوسائل.

جند نظام صالح كل قوته لاختراق هذا الفعل الثوري ، واستنجد ببعض مكونات الصراعات القديمة وزج بها في قلب الحركة الشعبية التي أنشأها هذا القرار التاريخي لتخريب الفكرة وتعطيلها ، لم تستطع محاولاته ان تعطل القرار ولكنها خلقت عند رواده حاجة لمزيد من الشروط للتمسك به بصورة بدا معها المشهد انه يحتاج الى مزيد من الصبر والنضال والارادة للسير في طريق التصالح والتسامح .. وكان كلما ازداد ضغط الزخم الشعبي في هذا المسار كلما انتقلت المواجهة معه الى طور اخر من التخريب والقمع لان حراس الماضي يدركون المعنى الحقيقي للتصالح والتسامح الاجتماعي ، فعندما يتحقق بيد المجتمع نفسه فانه يتحول الى قوة مادية بشروط التغيير الذي ينخرط فيه هذا المجتمع بكل مكوناته وقد تخلص من إرث الماضي .

ومهما بدا ان الوقائع بعد ذلك قد صنعت خارج هذه الفكرة النبيلة بما تسبب فيه حراس الماضي من حرب وصراع دموي امتد على طول وعرض البلاد الا ان التمسك بروح التصالح والتسامح في المكان الذي خرج منه وهو الجنوب لم يعد رغبة يمكن التخلي عنها وإنما اصبح ضرورة يستلزمها أهمية اعداد الجنوب وتهيئته لاستعادة مكانته التاريخية وأنقاذ الوطن اليمني بأكمله .

 

د. ياسين سعيد نعمان

مواضيع متعلقة

اترك رداً